Lundi 13 avril 2009 1 13 /04 /Avr /2009 09:02

وذلك أن أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشعيي سار إلى أبي القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن ذاذان الكوفي باليمن وصحبه وصار من كبار أصحابه وكان له علم وفهم ودهاء ومكر فلما ورد على ابن حوشب موت الحلواني ورفيقه بالمغرب قال لأبي عبد الله الشعيي‏:‏ إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك فبادر فإنها موطأة ممهدة لك‏.‏

فخرج أبو عبد الله إلى مكة وقد أعطاه ابن حوشب مالاً فلما قدم سأل عن حجاج كتامة فأرشد إليهم واجتمع بهم ولم يعرفهم قصده وذلك أنه جلس قريبا منهم فسمعهم يتحدثون بفضائل آل البيت فاستحسن ذلك وحدثهم في معناه فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته فأذن لهم وسألوه أين مقصده فقال‏:‏ مصر ففرحوا بصحبته فرحلوا وهو لا يخبرهم بغرضه وأظهر العبادة والزهد فازدادوا فيه رغبة وخدموه‏.‏

وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم وعن طاعتهم لسلطان إفريقية فقالوا‏:‏ ماله علينا طاعة وبيننا وبينه عشرة أيام‏.‏

قال‏:‏ أتحلمون السلاح قالوا‏:‏ ولم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر فلما أراد وداعهم قالوا له‏:‏ أي شيء تطلب بمصر قال‏:‏ أطلب التعليم بها قالوا‏:‏ إذا كنت تقصد هذا فبلادنا أنفع لك ونحن أعرف بحقك ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم‏.‏

فلما قاربوا بلادهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره فرغبوا في نزوله عندهم وأقرعوا فيمن يضيفه منهم‏.‏

ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين فسأله قوم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه فقال لهم‏:‏ أين يكون فج الأخيار فعجبوا من ذلك ولم يكونوا ذكروه له فقالوا له‏:‏ عند بني سليمان‏.‏

إليه نقصد ثم نأتي كل قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم فأرضى بذلك الجميع‏.‏

وسار إلى جبل يقال له إيكجان وفيه فج الأخيار فقال‏:‏ هذا فج الأخيار وما سمى إلا بكم ولقد جاء في الآثار‏:‏ للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان قوم اسمهم مشتق من الكتمان وبخروجكم في هذا الفج سمى فج الأخيار‏.‏

فتسامعت القبائل وأتاه البرابر من كل مكان فعظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر وهو لا يذكر في ذلك اسم المهدي فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله فمنعه الكتاميون من المناظرة وكان اسمه عندهم أبا عبد الله المشرقي‏.‏

وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة ليسأله عن أمره فصغره عنده وذكر أنه يلبس الخشن ويأمر بالخير والعبادة فسكت عنه‏.‏

ثم إن أبا عبد الله قال للكتاميين‏.‏

أنا صاحب البذر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني‏.‏

فازدادت محبتهم له وتعظيمهم لأمره فلما ظهر لأهل المغرب علمه وفضله قال أحد الأولياء لولا واحدة كان الحلواني يقولها ما تخالجني الشك في أن هذا الرجل هو الذي كان الحلواني يبشر به‏.‏

قالوا‏:‏ وما هي قال‏:‏ كان إذا وصفه قال‏:‏ في فيه إصبع فبلغ ذلك أبا عبد الله فتبسم وقال‏:‏ هذا لا يكون فلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع هذا القول واشترط عليهم الكتمان وضع إصبعه على فيه وقال‏:‏ هذا هو الإصبع الذي كان يقوله الحلواني أمركم بالصمت والكتمان فأما أن يكون في فم رجل إصبع فلا فقالوا كذلك والله هو وتفرقت البرابر وكتامة بسببه وأراد بعضهم قتله فاختفى ووقع بينهم قتال شديد واتصل الخبر بالحسن بن هرون من أكابر كتامة فأخذ أبا عبد الله إليه ودافع عنه ومضى به إلى مدينة تاصروت فأتته القبائل من كل مكان وعظم شأنه وصارت الرئاسة للحسن بن هرون وسلم إليه أبو عبد الله أعنة الخيل وظهر من الاستتار وشهد الحروب فكان الظفر له وغنم الأموال وخندق على مدينة تاصروت وقد زحفت إليه قبائل المغرب فاقتتلوا عدة مرار كان له فيها الظفر وصار إليه أموالهم فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة وزحف إلى مدينة ميلة وقاتل أهلها قتالا شديدا وأخذ الأرباض ثم ملك البلد بأمان فبعث إليه إبراهيم بن الأغلب ابنه الأحول في إثنى عشر ألفا وأتبعه بمثلهم فالتقى مع أبي عبد الله فانهزم أبو عبد الله وقتل كثير من أصحابه وتبعه الأحول فحال بينهما الثلج ولحق أبو عبد الله بجبل إيكجان وملك الأحول مدينة تاصروت وأحرقها وأحرق مدينة ميلة فبنى أبو عبد الله دار هجرة بإيكجان وقصده أصحابه وعاد الأحول إلى إفريقية فمات إبراهيم بن الأغلب وقتل ابنه أبو العباس وولى زيادة الله بن الأغلب واشتغل باللهو واللعب فاشتد سرور أبي عبد الله‏.‏

ثم إن أبا مضر زيادة الله قتل الأحول فانتشرت حينئذ جنود أبي عبد الله في البلاد وصار يقول‏:‏ المهدي يخرج في هذه الأيام ويملك الأرض فيا طوبى لمن هاجر إلي وأطاعني‏.‏

وأخذ يغري الناس بزيادة الله ويعيبه وكان أكثر من عند زيادة الله من الوزراء شيعة فلم يكن يسوءهم ظفر أبي عبد الله خصوصا وقد كان يذكر لهم من كرامات المهدي وأنه يحيي الموتى ويرد الشمس من مغربها ويملك الأرض بأسرها وهو مع ذلك يبعث إلى الوزراء ويعدهم وبعث أبو عبد الله برجال‏.‏

وكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سير إلى عبيد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليه وأنهم ينتظرونه فوافوه بسلمية من أرض حمص قد كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس فطلبه المكتفي ففر من سلمية ومعه ابنه أبو القاسم نزار الذي قام بالأمر من بعده وخرج معهما خاصته ومواليه‏.‏

فلما انتهى إلى مصر أقام مستتراً بزي التجار فأتت الكتب إلى عيسى التوشري أمير مصر من المعتضد بالله العباسي بصفة عبيد الله وحليته وأنه يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكل من يشبهه فلما قرئت الكتب كان في المجلس ابن المدير الكاتب فبلغ ذلك عبيد الله فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة فأوسع في النفقة على من صحبه وفرق النوشري الأعوان في طلب عبيد الله وخرج بنفسه فلما رآه لم يشك فيه وقبض عليه ووكل به وقد نزل في بستان ثم استدعاه ليأكل معه فأعلمه أنه صائم فرق له وقال‏:‏ أعلمني حقيقة أمرك حتى أطلقك‏.‏

فخوفه الله تعالى وأنكر حاله وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلى سبيله وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته فقال‏:‏ لا حاجة إلى ذلك ودعا له‏.‏

وقيل إنه أعطاه مالاً في الباطن حتى أطلقه فرجع بعض أصحاب النوشري عليه باللوم فندم على إطلاقه وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليرده‏.‏

وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيع كلباً كان يصيد به وهو يبكي عليه فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده فلما رآه النوشري سأل عن خبره فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده فقال النوشري لأصحابه‏:‏ قبحكم الله أردتم أن تحملوني على هذا الرجل حتى آخذه فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريباً لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه ولا كان يرجع في طلب كلب وتركه ولم يعرض له‏.‏

فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له‏:‏ الطاحونة فأخذوا بعض متاعه منه كتب وملاحم كانت لآبائه فعظم أمرها عليه فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان‏.‏

ثم إن عبيد الله انتهى هو وولده إلى مدينة طرابلس ففارق التجار وكان في صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله فقدمه عبيد الله إلى القيروان فسار إليها فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب فقبض على أبي العباس وقرره فأنكر وقال‏:‏ أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل فحبس‏.‏

وبلغ الخبر إلى عبيد الله فسار إلى قسنطينة‏.‏

ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر طرابلس بأخذ عبيد الله فلم يدركه ووافى عبيد الله قسطنطينة فلم يقصد أبا عبد الله لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ وسار إلى سجلماسة فوافت الرسل في طلبه وقد سار فلم يوجد ووصل إلى سجلماسة فأقام بها وقد أقيمت له المراصد بالطرقات‏.‏

وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار فأهدى إليه عبيد الله وواصله فقربه اليسع وأحيه فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أن الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي عنده فلم يجد بداً من القبض على عبيد الله وحبسه‏.‏

وأخذ زيادة الله في جمع العساكر فقدم إبراهيم بن حنيش من أقاربه على أربعين ألفا وسلم إليه الأموال والعدد وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه فنزل مدينة قسنطينية وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله وقتل في طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبي عبد الله هذا وأبو عبد الله متحصن بالجبل فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه والأثقال على ظهور الدواب لم تحط فقاتلهم قتالا كثيرا وأدركهم أبو عبد الله فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم وقتل منهم خلقا كثيرا فسار إبراهيم إلى القيروان وعظم أمر أبي عبد الله واستقرت دولته‏.‏

وكتب كتاباً إلى عبيد الله وهو بسجن سجلماسة يبشره وسير الكتاب مع بعض ثقاته فدخل عليه السجن في زي قصاب يبيع اللحم فاجتمع به وعرفه‏.‏

ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف وضايق زيادة الله فحشد وجمع عساكره وبعث إليه هرون الطيبي في خلق كثير فقتل هرون في خلائق لا تحصى‏.‏

فاشتد الأمر على زيادة الله وخرج بنفسه فوصل إلى الأربس في سنة خمس وتسعين ومائتين وسير جيشاً مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب‏.‏

واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه وأبو عبد الله يأخذ المدائن شيئاً بعد شيء عنوة وصلحا فأخذ مجانة وتيفاش ومسكيانة وتبسة وسار إلى إبراهيم فقتل من أصحابه وعاد إلى جبل إيكجان‏.‏

فلما دخل فصل الربيع وطاب الزمان جمع أبو عبد الله عسكره فبلغت مائة ألف فارس وراجل وجمع زيادة الله ما لا يحصى وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين فالتقوا مع أبي عبد الله واقتتلوا أشد قتال وطال زمنه وظهر أصحاب زيادة الله ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم فانهزم أصحاب زيادة الله وأوقع فيهم القتل وغنم أموالهم وكان ذلك في آخر جمادى الآخرة ففر زيادة الله إلى ديار مصر فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان فقصد قصر الإمارة ونادى بالأمان وتسكين الناس وذكر زيادة الله وذمه وصغر أمر أبي عبد الله ووعد الناس بقتاله وطلب منهم الأموال فقالوا‏:‏ إنما نحن فقهاء وعامة التجار وما في أموالنا ما يبلغ غرضك ثم إنهم ثارا به ورجموه فخرج عنهم‏.‏

ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة فأمن الناس ومنع من النهب وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبي عبد الله وسلموا عليه وهنوه بالفتح فرد عليهم ردا حسنا وأمنهم وقد ما كان إلا قوياً وله منعة ودولة شامخة وما قصر في مدافعته ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع‏.‏

فامسكوا عن الكلام‏.‏

وكان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين فنزل ببعض قصورها وفرق دورها على كتامة ونادى بالأمان فرجع الناس إلى أوطانهم وأخرج العمال إلى البلاد وطلب أهل الشر فقتلهم وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره فاجتمع منه كثير وكان له دعة من الجواري لهن حظ من الجمال فلم ينظر إلى واحدة منهن وأمر لهن بما يصلحهن‏.‏

فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا وأمر بضرب السكة وألا يتسم عليها اسم وجعل في الوجه الواحد‏:‏ بلغت حجة الله وفي الآخر‏:‏ تفرق أعداء الله‏.‏

ونقش على السلاح‏:‏ عدة في سبيل الله‏.‏

ووسم الخيل على أفخاذها‏:‏ الملك لله‏.‏

وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون والقليل من الطعام الغليظ‏.‏

ولما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد‏.‏

وذلك أن أبا عبد الله الشيعي لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين سار من رقادة وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية في جيوش عظيمة فاهتز المغرب لخروجه وخافته زناتة وزالت القبائل عن طريقه وأتته رسلهم فدخلوا في طاعته فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله وهو في جيشه يسأله عن نسبه وحاله وهل أبو عبد الله قصد إليه فحلف به أنه ما رأى أبا عبد الله وإنما أنا رجل تاجر فأفرده معتقلا بدار وحده وأفرد ابنه أيضا فجعل عليهما الحرس وقرر ولده فما حال عن كلام أبيه وقرر رجالا كانوا معه وضربهم فلم يقروا بشيء‏.‏

وبلغ ذلك أبا عبد الله فشق عليه وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم يقصده للحرب وإنما له حاجة مهمة عنده فرمى الكتب وقتل الرسل فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله ولم يذكره فقتل الرسول ثانيا فأسرع أبو عبد الله في السير ونزل عليه فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كله فلما جنه الليل فرق أصحابه من أهله وبني عمه وبات أبو عبد الله في غم عظيم خوفا على عبيد الله‏.‏

فلما أصبح خرج إليه أهل البلد وأعلموه بهرب اليسع فدخل هو وأصحابه البلد وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه في يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين وقد انتشر في الناس سرور عظيم كادت تذهب منه عقولهم فأركبهما أبو عبد الله ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما وأبو عبد الله يقول للناس‏:‏ هذا مولاكم وهو يبكي من شدة الفرح حتى وصل إلى فسطاط ضربه له فنزل فيه وبعث الخيل في طلب اليسع فأدرك وأخذ فضرب بالسياط وقتل‏.‏

وأقام عبيد الله المهدي بسجلماسة أربعين يوما ثم سار إلى إفريقية وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحالا وصار بها إلى رقادة في العشر الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين‏.‏

وزال مالك بني الأغلب من إفريقية وملك بني مدرار من سجلماسة وملك بني رستم من تاهرت‏.‏

وملك المهدي جميع ذلك فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه وابنه خلفه فسلموا عليه فرد عليهم رداً جميلا وأمرهم بالانصراف ونزل بقصر من قصور رقادة‏.‏

وأمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة ويلقب بالمهدي أمير المؤمنين في جميع البلاد فما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة وأحضروا الناس ودعوهم إلى مذهبهم وقتل من لم يوافق‏.‏

وعرض المهدي جواري زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده وفرق ما بقي على وجوه كتامة وقسم عليهم أعمال إفريقية ودون الدواوين وجبا الأموال واستقرت قدمه ودانت له أهل البلاد واستعمل العمال عليها‏:‏ ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي وكان سبب قتله أن المهدي لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه وكف يد أبي عبد الله ويد أخيه أبي العباس فداخل أبا العباس الحسد وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي والأخذ والعطاء فأقبل يزري على المهدي في مجلس أخيه ويتكلم فيه وأخوه ينهاه ولا يزيده ذلك إلا لجاجا ولام أخاه وقال له‏:‏ ملكت أمراً فجئت بمن أزالك عنه وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك‏.‏

وما زال به حتى أثر في قلب أبي عبد الله وقال للمهدي‏:‏ لو كنت تجلس في قصرك وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم لأني عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب لك في أعين الناس‏.‏

وكان قد بلغ المهدي ما يجهر به أبو العباس فرد ردا لطيفا وأسر ذلك في نفسه‏.‏

وأخذ أبو العباس يسر إلى المقدمين بما في نفسه ويقول‏.‏

ما جازاكم على ما فعلتم بل أخذ هو الأموال من إيكجان ولم يقسمها فيكم‏.‏

وكل ذلك يبلغ المهدي وهو يتغافل فزاد أبو العباس في القول حتى قال‏:‏ إن هذا ليس بالذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه لأن المهدي يأتي بالآيات الباهرة‏.‏

فأثر ذلك في قلوب كثير من الناس حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدي بذلك وقال‏:‏ إن كنت المهدي فأظهر لنا آية فقد شككنا فيك‏.‏

فقتله المهدي‏.‏

وخافه أبو عبد الله وعلم أن المهدي قد تغير عليه فاتفق مع أخيه بجماعة من كتامة على المهدي ودخلوا عليه مراراً فلم يجسروا على قتله ونقل ذلك إلى المهدي من رجل كان يوافقهم على ما هم فيه ثم يأتي المهدي فيخبره فأخذ المهدي في تفريق القوم في البلاد وكان كبيرهم أبو زاكي تمام بن معارك الإيكجاني فسيره واليا على طرابلس وكتب إلى عاملها سرا بقتله عند وصوله فلما وصل أبو زاكي قتله العامل وأرسل برأسه إلى المهدي فأمر حينئذ بقتل جماعة وأعد رجالاً لأبي عبد الله وأخيه أبي العباس فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبي عبد الله فقال‏:‏ لا تفعلوا فقالوا له‏:‏ إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك فقتل هو وأخوه في اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي وذلك يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة وصلى عليه المهدي وقال‏:‏ رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك‏.‏

وثارت فتنة بسبب قتلهما وجرد أصحابها السيوف فركب المهدي وأمن الناس فسكنوا ثم تتبعهم حتى قتلهم‏.‏

وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير فخرج المهدي وسكن الفتنة وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة‏.‏

وكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون أحد رجالات العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال‏.‏

ولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدي عهد إلى ولده أبي القاسم بالخلافة ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا وقالوا‏:‏ هذا هو المهدي ثم زعموا أنه يوحى إليه وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت فبعث إليهم المهدي ابنه أبا القاسم فقاتلهم حتى هزمهم واتبعهم إلى البحر وقتل منهم خلقا كثيرا وقتل الطفل الذي أقاموه‏.‏

ثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدي فأنفذ إليها وقتل من أهلها‏.‏

وخالف عليه أهل تاهرت فغزاها وقتل أهل الخلاف وتتبع بني الأغلب فقتل منهم جماعة برقادة‏.‏

فلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهز المهدي العساكر من إفريقية مع ولده أبي القاسم إلى مصر فساروا إلى برقة واستولوا عليها في ذي الحجة وساروا إلى الاسكندرية والفيوم فضيق على أهلهما وبعث المقتدر بالله مؤنساً الخادم في جيش كثيف فحاربهم وأجلاهم عن مصر إلى المغرب‏.‏

وكان سبب تحرك أبي القاسم بن المهدي إلى حرب أهل مصر أنه وجه إلى بغداد قصيدة يفخر فيها بنسبه وبما فتح من البلاد فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها فمنها‏:‏ فلو كانت الدنيا مثالاً لطائرٍ لكان لكم منها بما حزتم الذّنب فحرك همته هذا البيت وقال‏:‏ والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت وإلا أهلك دونه‏.‏

وكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا ومات ولم يظفر بها وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه فشغلته الفتن وكان الظافر بها المعز‏.‏

فلما كان في سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدي جيشا مع قائد من قواده يقال له حباسة في البحر فغلب على الاسكندرية ثم سار منها يريد مصر فأرسل المقتدر بالله مؤنساً في عسكر إلى مصر وأمده بالسلاح والأموال فالتقى بحباسة في جمادى الأولى فكانت بينهما حروب كثيرة قتل فيها من الفريقين جمع عظيم وانهزم حباسة في سلخ جمادى الآخرة ويقال إنه قتل في هذه الواقعة سبعة آلاف ولما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدي‏.‏

وفيها خالف عليه عروبة بن سيف الكتامي بالقيروان واجتمع عليه خلق كثير من كتامة والبرابر فأخرج إليهم المهدي موالاه غالبا فاقتتلوا فقتل غالب في عالم لا يحصى وجيء بعدة رءوس إلى المهدي في قفة فقال‏:‏ ما أعجب أمور الدنيا قد جمعت هذه القفة رؤوس هؤلاء وقد كان يضيق بهم فضاء المغرب‏.‏

ثم إن المهدي خرج بنفسه يرتاج موضعاً على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد النكاري على دولته فلم يجد موضعاً أحسن ولا أحصن من موضع المهدية وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند فبناها وجعلها دار ملكه وجعل لها سوراً محكماً وأبوابا عظيمة زنة كل مصراع مائة قنطار‏.‏

وكان ابتداء بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب فرمى بسهم فانتهى موضع المصلى فقال‏:‏ إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار يعني أبا يزيد الخارجي فإنه كان يركب حمارا‏.‏

وكان يأمر الصناع بما يعملون وأمر أن تنقر دار صناعة في الجبل تسع مائة شينى وعليها باب مغلق ونقر في أرضها أهراء للطعام ومصانع للماء وبنى فيها القصور والدور فلما فرغ منها قال‏:‏ اليوم آمنت على الفاطميات يعني بناته وارتحل عنها‏.‏

ولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال‏:‏ هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار فكان كذلك لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة وعاد ولم يظفر‏.‏

فلما كان في سنة ست وثلاثمائة جهز المهدي جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم إلى مصر وهي المرة الثانية فوصل الاسكندرية في ربيع الآخر ودخلها القاسم ثم سار منها وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى طاعته فلم يقبلوا منه فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في شعبان فوصل إلى مصر وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات‏.‏

ووصل من إفريقية ثمانون مركباً نجدةً للقائم من أبيه فأرست بالاسكندرية وعليها سليمان الخادم ويعقوب الكتامي وكانا شجاعين‏.‏

فأمر المقتدر أن تسير مراكب طرسوس فسار إليهم خمس وعشرون مركبا فيها النفط والعدد فالتقت المراكب على رشيد فظفرت مراكب المقتدر وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية وأهلك أكثر أهلها وأسر منها كثير فيهم سليمان ويعقوب فمات سليمان بمصر في الحبس وحمل يعقوب إلى بغداد فهرب منها وعاد إلى إفريقية‏.‏

وغلب مؤنس عساكر القائم ووقع فيهم الغلاء والوباء فمات كثير منهم ورجع من بقي إلى إفريقية وفيهم القائم وتلقب مؤنس الخادم من حينئذ بالمظفر لغلبته عساكر المغرب غير مرة‏.‏

فلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سير المهدي ابنه أبا القاسم من المهدية إلى المغرب في جيش كثير في صفر بسبب خارجي خرج عليه وقتل خلقا فوصل إلى ما وراء تاهرت‏.‏

وعاد فخط برمحه في الأرض صفة مدينة سماها المحمدية وكانت خطة لبني كملان فأخرجهم منها إلى فحص القيروان كالمتوقع منهم أمراً فلذلك أحب أن يكونوا قريبا منه وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجي‏.‏

وكان المهدي يشبه في خلفاء بني العباس بالسفاح فإن السفاح خرج من الحميمة بالشام يطلب الخلافة والسيف يقطر دما والطلب مراصد وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر ويبث دعوته وعبيد الله خرج من سلمية في الشام وقد أذكيت العيون عليه وأبو عبد الله الشيعي ساع في تمهيد دولته وكلاهما تم له الأمر وقتل من قام بدعوته‏.‏

وانتقل كثير من الناس إلى المحمدية وأمر عاملها أن يكثر من الطعام ويخزنه ويحتفظ به ففعل ذلك فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد ولقيه المنصور بن القائم بن المهدي ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها‏.‏

فلما كان يوم الاثنين الرابع عشر وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفي أبو محمد عبيد الله المهدي بالمهدية وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنةً لتدبير كان له فإنه كان يخاف الناس إذا علموا بموت المهدي‏.‏

وكان عمر المهدي لما توفى ثلاثا وستين سنة لم تكمل ‏.‏

وكانت ولايته منذ دخل رقادة ودعى له بالإقامة إلى أن توفي أربعا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً‏.‏

وقيل‏:‏ كانت ولادته بسلمية من أرض الشام في سنة تسع وخمسين وقيل سنة ستين ومائتين وقيل‏:‏ ولد بالكوفة‏.‏

ودعى له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين‏.‏

وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة‏.‏

ونقش خاتمة‏:‏ بنصر الإله الممجد ينتصر الإمام أبو محمد‏.‏

وقال فيه سعدون الورجيلي‏:‏ كفّي عن التثبيط إنّي زائرٌ من أهل بيت الوحي خير مزور هذا أمير المؤمنين تضعضعت لقدومه أركان كلّ أمير هذا الإمام الفاطميّ ومن به أمنت مغاربها من المحذور والشرق ليس لشامه وعراقه من مهربٍ من جيشه المنصور حتى يفوز من الخلافة بالغ ويفاز منه بعدله المنشور‏.‏

أبو القاسم محمد وقيل عبد الرحمن بن المهدي عبيد الله ولد بسلمية في المحرم سنة ثمانين وقيل سبع وسبعين ومائتين ورحل مع أبيه إلى المغرب وعهد فلما مات أبوه وفرغ من جميع ما يريده وتمكن أظهر موت أبيه وتبع سنة أبيه وثار عليه جماعة فتمكن منهم‏.‏

وخرج عليه ابن طالوت في ناحية طرابلس فبعث إليه وقتله وجهز جيشا كثيرا إلى المغرب فهزم خارجياً هناك‏.‏

وسير جيشا في البحر إلى بلد الروم فسبى وغنم في بلد جنوه‏.‏

وسير جيشا بالغ في النفقة عليهم إلى مصر فدخلوا الاسكندرية فبعث الأخشيد فهزمهم‏.‏

اتعاظ الحنفا أحمد بن علي المقريزي

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير - Ecrire un commentaire
Lundi 13 avril 2009 1 13 /04 /Avr /2009 08:05

 جزاير الخالدات

ويقال لها أيضاً جزاير السعادات وانها في البحر المحيط في أقصى المغرب كان بها مقام جمع من الحكماء بنوا عليها ابتداء طول العمارات قال أبو الريحان الخوارزمي‏:‏ هي ست جزاير واغلة في البحر المحيط قريبات من مائتي فرسخ وإنما سميت بجزاير السعادات لأن غياطها أصناف الفواكه والطيب من غير غرس وعمارة وأرضها تحمل الزرع مكان العشب وأصناف الرياحين العطرة بدل الشوك‏.‏

قالوا‏:‏ في كل جزيرة صنم طوله مائة ذراع كالمنار ليهتدى بها وقيل‏:‏ إنما عملوا ذلك ليعلم أن ليس بعد ذلك مذهب فلا يتوسط البحر المحيط والله أعلم بذلك‏.‏

غدامس

مدينة بالمغرب في جنوبيه ضاربة في بلاد السودان يجلب منها الجلود الغدامسية وهي من أجود الدباغ لا شيء فوقها في الجودة كأنها ثياب الخز في النعومة‏.‏

بها عين قديمة يفيض الماء منها ويقسمها أهل البلد قسمة معلومة فإن أخذ أحد زائداً غاض ماؤها وأهل المدينة لا يمكنون أحداً يأخذ زائداً خوفاً من النقصان‏.‏

وأهلها بربر مسلمون قاع برية بين عمان وحضرموت من العجائب أن التاجر يمر بها إلى عمان بسلعته ليبيعها فيسمع في تلك البرية‏:‏ فلان بن فلان معه سلعة تساوي كذا ديناراً أو درهماً‏!‏ فيدخل عمان لم يزد على ذلك شيء أصلاً والله الموفق‏.‏

قلعة الشرف قلعة حصينة باليمن قرب زبيد لا يمكن استخلاصها قهراً لأنها بين جبال لا يوصل إليها إلا في مضيق لا يسمع إلا رجلاً واحداً مسيرة يوم وبعض يوم ودونه غياض أوى إليه علي بن المهدي الحميري المستولي على زبيد سنة خمسين وخمسمائة‏.‏

كاكدم

مدينة بأقصى المغرب جنوبي البحر متاخمة لبلاد السودان منها صناع أسلحة‏.‏

منها الرماح والدرق اللمطية من جلد حيوان يقال له اللمط لا يوجد إلا هناك وهو شبه الظباء أبيض اللون إلا أنه أعظم خلقاً يدبغ جلده في بلادهم باللبن وقشر بيض النعام سنة كاملة لا يعمل فيه الحديد أصلاً إن ضرب بالسيوف نسبت عنه وإن أصابه خدش أو بتر يبل بالماء ويمسح باليد فيزول عنه يتخذ منه الدرق والجواشن قيمة كل واحد منها ثلاثون ديناراً وحكى الفقيه علي الجنحاني‏:‏ انه مر بقرب كاكدم بل عال والناس يقولون من صعد هذا التل اختطفه الجن وعنده مدينة النحاس التي اشتهر ذكرها وسيأتي ذكرها في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏

كله بلدة بأرض الهند في منتصف الطريق بين عمان والصين موقعها في المعمورة في وسط خط الاستواء إذا كان منتصف النهار لا يبقى لشيء من الأشخاص ظل البتة‏.‏

بها منابت الخيزران منها يحمل إلى سائر البلاد‏.‏

. كوار

ناحية من بلاد السودان جنوبي فزان بها عين الفرس قيل‏:‏ إن عقبة ابن عامر ذهب إلى كوار غازياً فنزل ببعض منازلها فأصابهم عطش حتى أشرفوا على الهلاك فقام عقبة وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فجعل فرس عقبة يبحث في الأرض حتى كشف عن صفاة فانفجر منها الماء وجعل الفرس يمصه فرأى عقبة ذلك فنادى في الناس أن احتفروا فحفروا وشربوا فسمي ذلك الماء ماء الفرس وافتتح كوار وقبض على ملكها ومن عليه وفرض عليه مالاً‏.‏

. زويلة

مدينة بإفريقية غير مسورة في أول حدود السودان ولأهلها خاصية عجيبة في معرفة آثار القدم ليس لغيرهم تلك الخاصية حتى يعرفون أثر قدم الغريب والبلدي والرجل والمرأة واللص والعبد الآبق والأمة والذي يتولى احتراس المدينة يعمد إلى دابة يشد عليها حزمة من جرائد النخل بحيث ينال سعفه الأرض ثم يدور به حول المدينة فإذا أصبح ركب ودار حول المدينة فإن رأى أثراً خارجاً تبعه حتى أدركه أينما توجه‏.‏

وقد بنى عبد الله المهدي جد خلفاء مصر إلى جانب زويلة مدينة أخرى سماها المهدية بينهما غلوة سهم‏.‏

كان يسكن هو وأهله بالمهدية وأسكن العامة في زويلة وكانت دكاكينهم وأموالهم بالمهدية وبزويلة مساكنهم فكانوا يدخلون بالنهار زويلة للمعيشة ويخرجون بالليل إلى أهاليهم فقيل للمهدي‏:‏ إن رعيتك في هذا في عناء‏!‏ فقال‏:‏ لكن أنا في راحة لأني بالليل أفرق بينهم وبين أموالهم وبالنهار أفرق بينهم وبين أهاليهم فآمن غائلتهم بالليل والنهار‏!‏ السند ناحية بين الهند وكرمان وسجستان قالوا‏:‏ السند والهند كانا أخوين من ولد توقير بن يقطن بن حام بن نوح عليه السلام‏.‏بها بيت الذهب قال مسعر بن مهلهل‏:‏ مشيت إلى بيت الذهب المشهور بها فإذا هو من ذهب في صحراء يكون أربعة فراسخ لا يقع عليها الثلج ويثلج ما حولها وفي هذا البيت ترصد الكواكب وهو بيت تعظمه الهند والمجوس وهذه الصحراء تعرف بصحراء زردشت نبي المجوس ويقول أهل تلك الناحية‏:‏ متى يخرج منه إنسان يطلب دولة لم يغلب ولا يهزم له عسكر حيث أراد‏.‏

وحكي أن الإسكندر لما فتح تلك البلاد ودخل هذا البيت أعجبه فكتب إلى أرسطاطاليس وأطنب في وصف قبة هذا البيت فأجابه أرسطو‏:‏ إني رأيتك تتعجب من قبة عملها الآدميون وتدع التعجب من هذه القبة المرفوعة فوقك وما زينت به من الكواكب وأنوال الليل والنهار‏!‏ وسأل عثمان بن عفان عبد الله بن عامر عن السند فقال‏:‏ ماؤها وشل وتمرها دقل ولصها بطل‏!‏ إن قل الجيش بها ضاعوا وإن كثروا جاعوا‏!‏ فترك عثمان غزوها‏.‏

وبها نهر مهران وهو نهر عرضه كعرض دجلة أو أكثر يقبل من المشرق آخذاً إلى الجنوب متوجهاً نحو المغرب ويقع في بحر فارس أسفل السند قال الاصطخري‏:‏ نهر مهران يخرج من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون ثم يظهر بناحية ملتان على حد سمندور ثم على المنصورة ثم يقع في البحر شرقي الديبل وهو نهر كبير عذب جداً وان فيه تماسيح كما في نيل مصر وقيل‏:‏ إن تماسيح نهر السند أصغر حجماً وأقل فساداً‏.‏

وجري نهر السند كجري نهر النيل يرتفع على وجه الأرض ثم ينصب فيزرع عليه كما يزرع بأرض مصر على النيل‏.‏

فاس

مدينة كبيرة مشهورة في بلاد بربر على بر المغرب بين ثنيتين عظيمتين والعمارة قد تصاعدت حتى بلغت مستواها وقد تفجرت كلها عيوناً تسيل إلى قرارة إلى نهر منبسط إلى الأرض ينساب إلى مروج خضر وعليها داخل المدينة تمائة رحىً ولها قهندز في أرفع موضع منها ويسقيها نهر يسمى المفروش‏.‏

قال أبو عبيد البكرى‏:‏ فاس منقسمة قسمين وهي مدينتان مسورتان يقال لإحداهما عدوة القروبيين وللأخرى عدوة الأندلسيين وفي كل دار جدول ماء وعلى بابها رحىً وبستان وهي من أكثر بلاد المغرب ثماراً وخيراً وأكثر بلاد المغرب يهوداً منها يختلفون إلى سائر الآفاق بها تفاح حلو يعرف بالاطرابلسي حسن الطعم جداً يصلح بعدوة الأندلسيين ولا يصلح بعدوة القروبيين وسميذ عدوة الأندلسيين أطيب من سميذ عدوة القروبيين ورجال الأندلسيين أشجع من رجال القروبيين ونساؤهم أجمل ورجال القروبيين أحمد من رجال الأندلسيين قال إبراهيم الأصيلي‏:‏ دخلت فاساً وبي شوقٌ إلى فاس والجبن يأخذ بالعينين والرّاس فلست أدخل فاساً ما حييت ولو أعطيت فاساً وما فيها من النّاس بلاد بأرض الهند يجلب منها الكافور القيصوري وهو أحسن أنواعه‏.‏

وذكروا أن الكافور يكثر في سنة فيها رعود وبروق ورجف وزلازل وان قل ذلك كان نقصاً في وجوده‏.‏

.مراكش

مدينة من أعظم مدن بلاد المغرب واليوم سرير ملك بني عبد المؤمن وهي في البر الأعظم بينها وبين البحر عشرة أيام في وسط بلاد البربر‏.‏

وإنها كثيرة الجنان والبساتين ويخرق خارجا الخلجان والسواقي ويأتيها الارزاق من الأقطار والبوادي مع ما فيها من جني الأشجار والكروم التي يتحدث بطيبها في الآفاق‏.‏

والمدينة ذات قصور ومبان محكمة‏.‏

بها بستان عبد المؤمن بن علي أبي الخلفاء وهو بستان طوله ثلاثة فراسخ وكان ماؤه من الآبار فجلب إليها ماء من أعماق تسير تسقي بساتين لها‏.‏

وحكى أبو الربيع سليمان الملتاني ان دورة مراكش أربعون ميلاً‏.‏ينسب إليها الشيخ الصالح سني بن عبد الله المراكشي وكان شيخاً مستجاب الدعوة ذكر أن القطر حبس عنهم في ولاية يعقوب بن يوسف فقال‏:‏ ادع الله تعالى ان يسقينا‏.‏

فقال الشيخ‏:‏ ابعث إلي خمسين ألف دينار حتى أدعو الله تعالى أن يسقيكم في أي وقت شئتم‏!‏ فبعث إليه ذلك ففرقها على المحاويج ودعا فجاءهم غيث مدرار أياماً فقالوا له‏:‏ كفينا ادع الله أن يقطعه‏!‏ فقال‏:‏ ابعث إلي خمسين ألف دينار حتى أدعو الله أن يقطعه‏.‏

ففعل ذلك ففرق المال على المحاويج ودعا الله تعالى فقطعه‏.‏

.أجر

قرية في إفريقية بقرب القيروان لها حصن وقنطرة عجيبة في موضع زعر كثيرة الحجارة من عجائبها ان الريح العاصف دائمة الهبوب بها وأرضها مأسدة الأسود بها كثيرة فلا تخلو من الريح العاصف والأسد القاصف‏.‏

إفريقية

مدينة كبيرة كثيرة الخيرات طيبة التربة وافرة المزارع والأشجار والنخل والزيتون وكانت افريقية قديماً بلاداً كثيرة والآن صحارى مسافة أربعين يوماً بأرض المغرب‏.‏

بها برابر وهم مزاتة ولواتة وهوارة وغيرهم‏.‏

وماء أكثر بلادها من الصهاريج‏.‏

وبها معادن الفضة والحديد والنحاس والرصاص والكحل والرخام‏.‏

ومن عجائبها بحيرة بنزرت حدثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني‏:‏ انه يظهر في كل شهر من السنة فيها نوع من السمك يخالف النوع الذي كان قبله فإذا انتهت السنة يستأنف الدور فيرجع النوع الأول وهكذا كل سنة‏.‏

وكذلك نهر شلف فإنه في كل سنة في زمان الورد يظهر فيه صنف من السمك يسمى الشهبوق وهو سمك طوله ذراع ولحمه طيب إلا أنه كثير الشوك ويبقى شهرين‏.‏

ويكثر صيدها في هذا الوقت ويرخص ثمنها ثم ينقطع إلى القابل فلا يوجد في النهر شيء منها إلى السنة القابلة أوان الورد‏.‏

وذكر أبو الحسن علي الجزري في تاريخه‏:‏ انه نشأت بافريقية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة سحابة شديدة الرعد والبرق فأمطرت حجارة كثيرة وأهلكت كل من أصابته‏.‏

أفيق قرية من قرى مصر‏.‏

ذكر بعض الصالحين انه رأى في نومه ملكاً نزل من السماء وقال له‏:‏ أتريد أن تغفر ذنوبك قال الرجل‏:‏ منيتي ذلك‏!‏ فقال‏:‏ قل مثل ما يقوله مؤذن افيق‏.‏

قال‏:‏ فذهبت إلى افيق فرأيت المؤذن لما فرغ من الأذان قال‏:‏ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير‏.‏

بها أشهد مع الشاهدين وأحملها مع الجاحدين وأعدها ليوم الدين‏.‏

وأشهد أن الرسول كما أرسل والكتاب كما أنزل والقضاء كما قدر وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور على ذلك أحيا وأموت وأبعث إن شاء الله تعالى‏.‏

أنصنا مدينة قديمة على شرقي النيل بأرض مصر قال ابن الفقيه‏:‏ أهل هذه المدينة مسخوا حجراً‏!‏ فيها رجال ونساء مسخوا حجراً على أعمالهم‏:‏ فالرجل نائم مع زوجته والقصاب يقطع لحمه والمرأة تخمر عجينها والصبي في المهد والرغفان في التنور كلها انقلبت حجراً صلداً‏.‏

وبأنصنا شجر اللبخ وهو عود ينشر لألواح السفينة ربما أرعف ناشره فيكون له قيمة وإذا شد لوح بلوح وترك في الماء سنة صار لوحاً واحداً فإذا اتخذ منها سفينة وبقي في الماء مدة صار كأن السفينة قطعة واحدة فلعل عزتها من هذه الجهة ولشجرته ثمرة تشبه البلح في لونه وشكله وطعمه‏.‏

.بلرم

مدينة بجزيرة صقلية في بحر المغرب قال ابن حوقل الموصلي‏:‏ بها هيكل عظيم سمعت أن أرسطاطاليس فيه في شيء من الخشب معلق والنصارى تعظم قبره وتستسقي به لاعتقاد اليونانيين به قال‏:‏ ورأيت فيها من المساجد أكثر ما رأيت في شيء من البلاد حتى رأيت على مقدار غلوة هم أكثر من عشرة مساجد ورأيت بعضها تجاه بعض‏.‏

فسألت عن ذلك فقالوا‏:‏ القوم لانتفاخ أدمغتهم لا يرضى أحدهم أن يصلي في مسجد غيره ويكون له مسجد لا يصلي فيه غيره‏.‏

. بنزرت

مدينة بافريقية على ساحل البحر يشقها نهر كبير كثير السمك لها قلاع حصينة يأوي إليها أهل النواحي إذا خرج الروم غزاة وبها رباطات للصالحين وانفردت بنزرت ببحيرة تخرج من البحر الكبير إلى مستقر تجاهها يخرج منها في كل شهر صنف من السمك لا يشبه الصنف الذي كان في الشهر الماضي إلى تمام السنة ثم يعود الدور إلى الأول والسلطان مضنه باثني بيت لحم قرية على فرسخين من بيت المقدس كان بها مولد عيسى عليه السلام‏.‏

وبها كنيسة فيها قطعة من النخل زعموا أنها النخلة التي أكلت منها مريم لما قيل لها‏:‏ وهزي إليك بجذع النخلة‏.‏

بها الماء الذي يقال له المعبودية وهو ماء ينبدي من حجر وإنه عظيم القدر عند النصارى‏.‏

بيت المقدس هي المدينة المشهورة التي كانت محل الأنبياء وقبلة الشرايط ومهبط الوحي‏.‏

بناها داود وفرغ منها سليمان عليه السلام وعن أبي بن كعب‏:‏ ان الله تعالى أوحى إلى داود‏:‏ ابن لي بيتاً‏.‏

فقال‏:‏ يا رب أين قال‏:‏ حيث ترى الملك شاهراً سيفه‏!‏ فرأى داود ملكاً على الصخرة بيده سيف فبنى هناك ولما فرغ سليمان من بنائها أوحى الله تعالى إليه‏:‏ سلني أعطك‏!‏ فقال‏:‏ يا رب أسألك أن تغفر لي ذنبي‏!‏ فقال‏:‏ لك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد‏!‏ فقال‏:‏ لك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك لمن جاءه فقيراً أن تغنيه‏!‏ قال‏:‏ ولك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك إن جاءه سقيماً أن تشفيه‏!‏ قال‏:‏ ولك ذلك‏.‏وعن ابن عباس‏:‏ البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء وما فيه موضع شبر إلا وصلى فيه نبي أو قام فيه ملك‏.‏

واتخذ سليمان فيها أشياء عجيبة‏:‏ منها قبة وهي قبة كانت فيها سلسلة معلقة ينالها المحق ولا ينالها المبطل حتى اضمحلت بالحيلة المعروفة ومنها أنه بنى فيها بيتاً وأحكمه وصقله فإذا دخله الورع والفاجر كان خيال الورع في الحائط أبيض وخيال الفاجر أسود‏.‏

ومنها أنه نصب في زاوية عصا آبنوس من زعم صادقاً أنه من أولاد الأنبياء ومسها لم يضره وإن لم يكن من أولاد الأنبياء إذا مسها احترقت يده‏.‏

ثم ضرب الدهر ضربانه واستولت عليها الجبابرة وخربوها فاجتاز بها عزير عليه السلام فرآها خاوية على عروشها فقال‏:‏ أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه وقد عمرها ملك من ملوك الفرس اسمه كوشك فصارت أعمر مما كانت وأكثر أهلاً والتي عليها الآن أرضها وضياعها جبال شاهقة وليس بقربها أرض وطئة وزروعها على أطراف الجبال بالفؤوس لأن الدواب لا عمل لها هناك‏.‏

وأما نفس المدينة ففي فضاء في وسط ذلك وأرضها كلها حجر وفيها عمارات كثيرة حسنة وشرب أهلها من ماء المطر‏.‏

ليس فيها دار إلا وفيها صهريج‏.‏

مياهها تجتمع من الدروب ودروبها حجرية ليست كثيرة الدنس لكن مياهها رديئة‏.‏

وفيها ثلاث برك‏:‏ بركة بني إسرائيل وبركة سليمان وبركة عياض‏.‏

قال محمد بن أحمد البشاري المقدسي وله كتاب في أخبار بلدان الإسلام‏:‏ إنها متوسطة الحر والبرد وقلما يقع بها ثلج ولا ترى أحسن من بنيانها ولا أنظف ولا أنزه من مساجدها‏!‏ قد جمع الله فيها فواكه الغور والسهل والجبل والأشياء المتضادة‏:‏ كالأترج واللوز والرطب والجوز والتين والموز إلا أن بها عيوباً منها ما ذكر في التوراة‏:‏ انها طست ذهب مملوء عقارب ثم لا يرى أقذر من حماماتها ولا أثقل مونة منها‏!‏ وهي مع ذلك قليلة العلماء كثيرة النصارى وفيهم جفاء على الرحبة والفنادق والضرائب ثقال على ما يباع فيها وليس لمظلوم ناصر وليس بها أمكن من الماء والأذان‏.‏

بها المسجد الأقصى الذي شرفه الله تعالى وعظمه وقال‏:‏ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏:‏ المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا‏.‏

وهو في طرف الشرق من المدينة أساسه من عمل داود عليه السلام‏.‏

طول كل حجر عشرة أذرع وفي قبلته حجر أبيض عليه مكتوب‏:‏ محمد رسول الله خلقة لم يكتبه أحد‏.‏

وصحن المسجد طويل عريض طوله أكثر من عرضه وهو في غاية الحسن والإحكام مبني على أعمدة الرخام الملونة والفسيفساء الذي ليس في شيء من البلاد أحسن منه‏.‏

وفي صحن المسجد مصطبة كبيرة في ارتفاع خمسة أذرع يصعد إليه من عدة مواضع بالدرج وفي وسط هذه المصطبة قبة عظيمة مثمنة على أعمدة رخام مسقفة برصاص منمقة من داخل وخارج بالفسيفساء مطبقة بالرخام الملون‏.‏

وفي وسطها الصخرة التي تزار وعلى طرفها أثر قدم النبي عليه السلام وتحتها مغارة ينزل إليها بعدة درج يصلى فيها‏.‏

ولهذه القبة أربعة أبواب وفي شرقيها خارج القبة قبة أخرى على أعمدة حسنة يقولون‏:‏ انها قبة السلسلة‏.‏

وقبة المعراج أيضاً على المصطبة وكذلك قبة النبي عليه السلام‏.‏

كل ذلك على أعمدة مطبقة أعلاها بالرصاص وذكر أن طول قبة الصخرة كان اثني عشر ميلاً في السماء وكان على رأسها ياقوتة حمراء كان في ضوئها تغزل نساء أهل بلقاء‏.‏

وبها مربط البراق الذي ركبه النبي عليه السلام تحت ركن المسجد‏.‏

وبها محراب مريم عليها السلام الذي كانت الملائكة تأتيها فيه بفاكهة الشتاء في الصيف وبفاكهة الصيف في الشتاء‏.‏

وبها محراب زكرياء عليه السلام الذي بشرته الملائكة بيحيى‏.‏

عليه السلام وهو قائم يصلي وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فصكه فرجع إلى ربه وقال‏:‏ أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت‏!‏ فقال‏:‏ ارجع إليه وقل له حتى يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعر سنة‏.‏

قال‏:‏ أي رب‏!‏ ثم ماذا قال‏:‏ ثم الموت‏!‏ فسأل الله تعالى أن يقبره من الأرض المقدسة رمية حجر فلو كنت ثمة لأريتكم قبره إلى جنب الطريق تحت الكثيب الأحمر‏.‏

أما المسجد فطوله سبعمائة ذراع وأربعة وثمانون ذراعاً وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون ذراعاً وعدة ما فيه من العمد ستمائة وأربعة وثمانون وداخل الصخرة ثلاثون عموداً وقبة الصخرة ملبسة بصفائح الرصاص عليها ثلاثة آلاف صفيحة واثنتان وتسعون ومن فوق ذلك الصفائح النحاس مطلية بالذهب وفي سقوف المسجد أربعة آلاف خشبة وعلى السقوف خمسة وأربعون ألف صفيحة رصاص‏.‏

حجر الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعاً في سبعة وعشرين والمغارة التي تحت الصخرة تسع تسعاً وستين نفساً‏.‏

ويسرج في المسجد ألف وخمسمائة قنديل ويسرج في الصخرة أربعمائة وأربعة وستون قنديلاً‏.‏

وكانت وظيفته كل شهر مائة قسط زيتاً وفي كل سنة ثمانمائة ألف ذراع حصيراً وكان له من الخدم مائتان وثلاثون مملوكاً أقامهم عبد الملك بن مروان من خمس وبها قمامة وهي كنيسة عظيمة للنصارى في وسط البلد لا ينضبط صفتها حسناً وعمارة وتنميقاً وكثرة مال‏.‏

في موضع منها قنديل يزعمون أن نوراً من السماء ينزل في يوم معلوم ويشعله وهذا أمر مشهور عندهم‏.‏

حكي أن بعض أصحاب السلطان ذهب إليها ذلك اليوم وقال‏:‏ إني أريد أن أشاهد نزول هذا النور فقال له القس‏:‏ إن مثل هذه الأمور لا تخفى على أمثالك‏!‏ لا تبطل ناموسنا فإنا نشبه على أصحابنا لتمشية أمرنا فتجاوز عنه‏!‏ وبها عين سلوان يتبرك بها الناس قال ابن البشار‏:‏ سلوان محلة في ربض بيت المقدس تحتها عين غزيرة تسقي جناناً كثيرة وقفها عثمان بن عفان على ضعفاء بيت المقدس‏.‏

قالوا‏:‏ إن ماءها يفيد السلو إذا شربه الحزين ولهذا قال رؤبة‏:‏ لو أشرب السلوان ما سلوت‏.‏

بلاد بربر بلاد واسعة من برقة إلى آخر بلاد المغرب والبحر المحيط‏.‏

سكانها أمة عظيمة يقال إنهم من بقية قوم جالوت لما قتل هرب قومه إلى المغرب فحصلوا في جبالها وهم أحفى خلق الله وأكثرهم بطشاً وأسرعهم إلى الفتنة وأطوعهم لداعية الضلالة‏!‏ ولهم أحوال عجيبة واصطلاحات غريبة سول لهم الشيطان الغوايات وزين لهم أنواع الضلالات‏.‏عن أنس بن مالك قال‏:‏ جئت إلى رسول الله عليه السلام ومعي وصيف فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أنس ما جنس هذا الغلام قلت‏:‏ بربري يا رسول الله‏!‏ فقال‏:‏ بعه ولو بدينار ‏!‏ قلت‏:‏ ولم يا رسول الله قال‏:‏ إنهم أمة بعث الله إليهم رسولاً فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه وبعثوا مرقه إلى نسائهم‏!‏ قال الله تعالى‏:‏ لا اتخذت منكم نبياً ولا بعثت إليكم رسولاً‏.‏

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ولأن أتصدق بعلاقة سوطي في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق رقبة بربرية‏!‏ ولكثرة ما تخالف حالاتهم وعاداتهم سائر الناس قال بعض المغاربة‏:‏ رأيت آدم في نومي فقلت له‏:‏ أبا البريّة إنّ النّاس قد حكموا أنّ البرابر نسلٌ منك قال‏:‏ أنا‏!‏ حوّاءٌ طالقةٌ إن صحّ ما زعموا ومن عاداتهم العجيبة ما حكى ابن حوقل الموصلي التاجر وقد طاف بلادهم‏:‏ إن أكثر البربر يضيفون المارة ويكرمون الضيف ويطعمون الطعام ولا يمنعون أولادهم الذكور من طالب التبديل لو طلب هذا المعنى ممن هو أكبرهم قدراً وأكثرهم حمية وشجاعة لم يمتنع عليه‏.‏

وقد شاهدهم أبو عبد الله الشعبي على ذلك حتى بلغ بهم أشد مبلغ فما تركوه‏.‏

ومن العجب أنهم يرون ذلك كرماً والامتناع عنه لؤماً ونقصاً ونسأل الله السلامة‏!‏ وحكي أيضاً أن أحدهم إذا أحب امرأة وأراد التزوج بها ولم يكن كفؤاً لها عمد إلى بقرة حامل من بقر أبيها ويقطع من ذنبها شيئاً من الشعر ويهرب فإذا أخبر الراعي أهل المرأة بذلك خرجوا في طلبه فإن وجدوه قتلوه وان لم يظفروا به يمضي هو على وجهه فإن وجد أحداً قطع ذكره وأتى القوم به قبل أن تلد البقرة ظفر بالجارية وزوجوها منه ولا يمكنهم الامتناع البتة وإن ولدت البقرة ولم يأت بالذكر المقطوع بطل عمله ولم يمكنه الرجوع إليهم وإن رجع قتلوه وترى في تلك البلاد كثيراً من المجبوبين يكون جبهم بهذا السبب فإذا حصلوا في بلاد المغرب التمسوا القرآن والزهد‏.‏

.تاهرت

اسم مدينتين مقابلتين بأقصى المغرب يقال لإحداهما تاهرت القديم وللأخرى الحديث وهما كثيرتا الأشجار وافرتا الثمار‏.‏

سفرجلهما يفوق سفرجل الآفاق طعماً وحسناً وبهما كثرة الأمطار والانداء والضباب وشدة البرد قلما ترى الشمس بها‏.‏

وذكر أن اعرابياً دخلها وتأذى من شدة بردها فخرج منها إلى أرض السودان فأتى عليه يوم شديد الحر فنظر إلى الشمس راكدة على قمم رؤوسهم فقال مشيراً إلى الشمس‏:‏ والله لئن عززت في هذا المكان لطالما رأيتك ذليلة بتاهرت‏!‏ وأهلها موصوفون بالحمق حكي انه رفع إلى قاضيهم جناية فما وجدها في كتاب الله فجمع الفقهاء والمشايخ فقالوا بأجمعهم‏:‏ الرأي للقاضي‏!‏ فقال القاضي‏:‏ اني أرى أن أضرب المصحف بعضه ببعض ثم أفتحه فما خرج عملنا به‏.‏

فقالوا‏:‏ وفقت افعل‏!‏ ففعل ذلك فخرج‏:‏ سنسمه على الخرطوم فجدع أنفه‏.‏مدينة بأرض الشام قديمة أبنيتها من أعجب الأبنية موضوعة على العمد الرخام‏.‏

زعموا أنها مما بنته الجن لسليمان عليه السلام قال النابغة الذبياني‏:‏ إلاّ سليمان قد قال الإله له‏:‏ قم بالبريّة فاحددها عن الفند وخيّس الجنّ إني قد أمرتهم يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد حكى إسماعيل بن محمد بن خالد التستري قال‏:‏ كنت مع مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية حين هدم حائط تدمر فأفضى الهدم إلى خرق عظيم فكشفوا عنه صخرة فإذا بيت مجصص كأن اليد قد رفعت عنه وإذا سرير عليه امرأة مستلقية على ظهرها عليها سبعون حلة ولها غدائر مشدودة بخلخالها قال‏:‏ فكانت قدمها ذراعاً من غير أصابع وفي بعض غدائرها صفيحة ذهب فيها مكتوب‏:‏ باسمك اللهم‏!‏ أنا تدمر بنت حسان أدخل الله الذل على من يدخل علي‏!‏ فأمر مروان بالخرق فأعيد كما كان ولم يأخذ شيئاً من حليها‏!‏ قال‏:‏ فوالله ما مكثنا بعد ذلك إلا أياماً حتى أقبل عبد الله بن علي وحارب مروان وفرق جيوشه وأزال الملك عن بني أمية‏.‏

وبها تصاوير كثيرة منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما مر بهما أوس بن ثعلبة فقال‏:‏ قيامكما على غير الحشايا على حبلٍ أصمّ من الرّخام فكم قد مرّ من عدد اللّيالي لعصركما وعام بعد عام وإنّكما على مرّ اللّيالي لأبقى من فروع ابني شمام فسمع هذه الأبيات يزيد بن معاوية فقال‏:‏ لله در أهل العراق‏!‏ هاتان الصورتان فيكم أهل الشام لم يذكرهما أحد منكم فمر بهما هذا العراقي وقال ما قال‏!‏ تستر مدينة مشهورة قصبة الاهواز الماء يدور حولها‏.‏

بها الشاذروان الذي بناه شابور‏.‏

وهو من أعجب البناء وأحكمها امتداده يقرب من ميل حتى يرد الماء إلى تستر وهي صنعة عجيبة مبنية بالحجارة المحكمة وأعمدة الحديد ملاط الرصاص‏.‏

وإنما رجع الماء إلى تستر بسبب هذا الشاذروان وإلا لامتنع لأنه على نشز من الأرض‏.‏

وإنها مدينة آهلة كثيرة الخيرات وافرة الغلات وغزا بعض الأكاسرة الروم وحمل الأسارى إلى تستر وأسكنهم فيها فظهرت فيها صنائع الروم وبقيت في أهلها إلى زماننا هذا‏.‏

يجلب منها أنواع الديباج والحرير والخز والستور والبسط والفرش‏.‏وحكي أن أبا موسى الأشعري لما فتح تستر وجد بها ميتاً في آبزون من نحاس معه دراهم من احتاج إلى تلك الدراهم أخذها فإذا قضى حاجته ردها فإن حبسها مرض‏.‏

فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب في جوابه‏:‏ ان ذلك دانيال النبي‏!‏ أخرجه وغسله وكفنه وصل عليه وادفنه‏.‏

وينسب إليها سهل بن عبد الله التستري صاحب الكرامات الظاهرة من جملتها إذا مس مريضاً عافاه الله وقد سمع من كثير من أهل تستر أن في منزل سهل بيتاً يسمى بيت السباع كانت السباع تأتيه وهو يضيفها فيه حكى سهل ابتداء أمره قال‏:‏ قال لي خالي محمد بن سوار‏:‏ ألا تذكر الله الذي خلقك قلت‏:‏ كيف أذكره فقال‏:‏ قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك‏:‏ الله معي‏!‏ الله ناظر إلي‏!‏ الله شاهدي‏!‏ قلت ذلك ثلاث ليال ثم أعلمته‏.‏

قال‏:‏ قل ذلك كل ليلة سبع مرات فقلت ذلك ثم أعلمته‏.‏

فقال‏:‏ قل كل ليلة إحدى عشرة مرة فقلت ذلك ثم أعلمته فوقع في قلبي حلاوة‏.‏

فلما كان بعد سنة قال لي خالي‏:‏ احفظ ما علمتك ودم عليه حتى تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة‏!‏ فبقيت على ذلك سنين فوجدت لها حلاوة في سري ثم قال لي يوماً‏:‏ يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده لا يعصي‏!‏ إياك والمعصية‏!‏ قال‏:‏ كنت أشتري بدرهم شعيراً فيخبز لي منها أفطر كل سحر على قدر أوقية منها بغير ملح ولا ادام فيكفيني الدرهم سنة ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال وأفطر ليلة ثم خمساً ثم سبعاً ثم خمساً وعشرين‏.‏

بقيت على ذلك عشرين سنة‏.‏

توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين‏.‏

وحكى الأستاذ أبو علي الدقاق‏:‏ أن يعقوب بن ليث الصفار مرض مرضاً شديداً عجز الأطباء عن معالجته فقيل له‏:‏ إن في ولايتك رجلاً يدعو الله تعالى للمرضى فيشفون فلو دعا الله لك ترجو العافية‏.‏

فطلب سهلاً وسأله أن يدعو له فقال له سهل‏:‏ أنى يستجاب دعائي لك وعلى بابك مظلومون‏!‏ فأمر برفع الظلامات وإخراج المحبسين فقال سهل‏:‏ يا رب كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة‏!‏ ومسح بطنه بيده فعافاه الله فعرض على سهل مالاً كثيراً فأبى أن يأخذ منه شيئاً فقالوا له لما خرج‏:‏ لو قبلت وفرقت على الفقراء‏!‏ فقال له‏:‏ انظر إلى الأرض‏.‏

فنظر فرأى كل مكان وضع قدمه عليه صار ترابه دنانير‏.‏

فقال‏:‏ من أعطاه الله هذا أي حاجة له إلى مال يعقوب وقال‏:‏ دخلت يوم الجمعة على سهل بن عبد الله فرأيت في بيته حية فتوقفت فقال لي‏:‏ ادخل لا يتم إيمان أحد ويتهم شيئاً على وجه الأرض‏.‏

فدخلت فقال لي‏:‏ هل لك في صلاة الجمعة قلت‏:‏ بيننا وبين الجامع مسيرة يوم‏.‏

فأخذ بيدي فما كان إلا قليلاً حتى كنا في الجامع فصلينا تلمسان قرية قديمة بالمغرب‏.‏

ذكروا أن القرية التي ذكرها الله تعالى في قصة الخضر وموسى‏:‏ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه‏.‏

قيل‏:‏ إنه كان جداراً عالياً عريضاً مائلاً فمسحه الخضر عليه السلام بيده فاستقام‏.‏

وحدثني بعض المغاربة أنه رأى بتلمسان مسجداً يقال له مسجد الجدار يقصده الناس للزيارة‏.‏

.تنس

مدينة بافريقية حصينة ولها قهندز صعب المرتقى ينفرد بها العمال لحصانتها خوفاً من الرعية هواؤها وبي وماؤها ردي وماؤهم من واد يدور حول المدينة وإليه مذهب مياه حشوشهم وشربهم منه والحمى لا تفارق أهلها في أكثر الأوقات‏.‏

وبها ذئب كثير يأكل أهلها وبرغوث كثير وهم في عذاب من الذئب والبراغيث قال بعض من دخلها وفارقها‏:‏

لا سقى الله بلدةً كنت فيها‏!‏** البراغيث كلّهم أكلوني‏!‏

إن صعدت السّطوح لم يتركوني **وأراهم على الدّرج يسبقوني

.تونس

مدينة بأرض المغرب كبيرة على ساحل البحر قصبة بلاد افريقية‏.‏

اصلح بلادها هواء وأطيبها ماء وأكثرها خيراً‏!‏ وبها من الثمار والفواكه ما لا يوجد في غيرها من بلاد المغرب حسناً وطعماً‏:‏ فمن ذلك لوز عجيب يفرك باليد وأكثرها في كل لوزة حبتان‏.‏

وبها الرمان الذي لا عجم له مع صدق الحلاوة والأترج الذكي الرائحة البديع المنظر والتين الحازمي الأسود الكبير الرقيق القشر الكثير العسل لا يكاد يوجد فيه بزر والسفرجل الكبير جداً العطر الرائحة والعناب الكبير كل حبة منه على حجم جوزة والبصل العلوري على حجم الأترج مستطيل صادق الحلاوة‏.‏

وبها أنواع من السمك عجيبة لا ترى في غيرها يرى في كل شهر نوع من السمك خالفاً لما كان قبله فيملح ويبقى سنين صحيح الجرم طيب الطعم‏.‏

ومنها نوع يقال له البقونس يقولون‏:‏ لولا البقونس لم تخالف أهل تونس‏.‏

وأهلها موصوفون باللؤم ودناة النفس والبخل الشديد والشغب والخروج على الولاة قال بعض‏:‏ لعمرك ما ألفيت تونس كاسمها ** ولكنّني ألفيتها وهي توحش

وبين تونس والقيروان ثلاثة أيام بينهما موضع يقال له محقة بها أمر عجيب وهو أنه إذا كان أوان الزيتون قصدته الزرازير وقد حمل كل طائر معه زيتونتين في مخلبيه يلقيهما هناك ويحصل من ذلك غلة قالوا‏:‏ تبلغ سبعين ألف درهم‏!‏ التيه هو الموضع الذي ضل فيه موسى عليه السلام مع بني إسرائيل بين ايلة ومصر وبحر القلزم وجبال السراة أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً لما امتنعوا من دخول الأرض المقدسة حبسهم الله تعالى في هذا التيه أربعين سنة كانوا يسيرون في طول نهارهم فإذا انتهى النهار نزلوا بالموضع الذي رحلوا عنه وكان مأكولهم المن والسلوى ومشروبهم من ماء الحجر الذي كان مع موسى عليه السلام ينفجر منه اثنتا عشرة عيناً على عدد الأسباط كل سبط يأخذ منه ساقية ويبعث الله تعالى سحابة تظلهم بالنهار وعموداً من النور يستضيئون به بالليل‏.‏

هذا نعمة الله تعالى عليهم وهم عصاة مسخوطون فسبحان من عمت رحمته البر والفاجر‏!‏ قيل‏:‏ لما خرج بنو إسرائيل من مصر عازمين الأرض المقدسة كانوا ستمائة ألف وما كان فيهم من عمره فوق الستين ولا دون العشرين فمات كلهم في أربعين سنة‏.‏

ولم يخرج ممن دخل مع موسى إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وهما الرجلان اللذان كانا يقولان‏:‏ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون فدخل يوشع عليه السلام بعقبهم وفتح أرض الشام‏.‏

جالطة

جزيرة على مرسى طبرقة من أرض افريقية طولها ثمانية أميال وعرضها خمسة أميال‏.‏

بها ثلاث أعين عذبة الماء وبها مزارع وآثار قديمة‏.‏

وبها من الايل ما لا يحصى‏.‏

حدثني الفقيه سليمان الملتاني أن بها عنزاً كثيرة إنسية توحشت إذا قصدها قاصد أهوت نفسها من جبال شاهقة ووقفت على قوائمها بخلاف الايل فإنها تقف على قرونها‏.‏

.الرقادة

بلدة طيبة بافريقية بقرب القيروان كثيرة البساتين ليس بافريقية أعدل هواء ولا أطيب نسيماً منها ولا أصح تربة‏!‏ حتى إن من دخلها لم يزل مستبشراً من غير أن يعلم لذلك سبباً‏.‏

وحكي أن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب مرض وشرد عنه النوم فعالجه إسحق المتطبب الذي نسب إليه الاطريفل الاسحقي فأمره بالتردد‏.‏

فلما وصل إلى هذا الموضع نام فسماه رقادة واتخذ به دوراً وقصوراً فصارت من أحسن بلاد الله‏.‏

وكان يمنع بيع النبيذ بالقيروان ولا يمنع بالرقادة فقال طرفاء القيروان‏:‏ يا سيّد النّاس وابن سيّدهم ومن إليه الرّقاب منقاده ما حرّم الشّرب في مدينتنا وهو حلالٌ بأرض رقّاده زكندر مدينة بالمغرب من بلاد بربر بينها وبين مراكش ست مراحل حدثني الفقيه علي بن عبد الله المغربي الجنحاني أنها مدينة كبيرة مسورة كثيرة الخيرات والثمرات أهلها برابر مسلمون بها معادن الفضة عامة كل من أراد يعالجها‏.‏

وهي غيران تحت الأرض فيها خلق كثير يعملون أبداً‏.‏

ومن عادة أهل المدينة أن من جنى جناية أو وجب عليه حق فدخل شيئاً من تلك الغيران سقط عنه الطلب حتى يخرج منها‏.‏

وفيها أسواق ومساكن فلعل الخائف يعمل فيها مدة وينفق ولا يخرج حتى يسهل الله أمره‏.‏

وذكر أنهم إذا نزلوا عشرين ذراعاً نزل الماء فالسلطان ينصب عليها الدواليب ويسقي ماؤها ليظهر الطين فيخرجه الفلعة إلى ظاهر الأرض ويغسلونها‏.‏

وإنما يفعل ذلك ليأخذ خمس النيل وماؤها يسقي ثلاث دفعات لأن من وجه الأرض إلى الماء عشرين ذراعاً فينصب دولاباً في الغار على وجه الماء فيستقي ويصب في حوض كبير وينصب على ذلك الحوض دولاباً آخر فيستقي ويصب في حوض آخر ثم ينصب إلى ذلك الحوض دولاباً ثالثاً فيستقي ويجري على وجه الأرض إلى المزارع والبساتين‏.‏

وذكروا أن هذه المعاملة لا تصح إلا من صاحب مال كثير له آلاف يقعد على باب الغار ويكري الصناع والعملة فيخرجون الطين ويغسلونه بين يديه حتى إذا تم العمل أخرج خمس السلطان وسلم الباقي له فربما يكون أصغر مما أنفق وربما يكون دونه على قدر جد الرجل‏.‏

سابور مدينة بأرض فارس بناها سابور بن أردشير من دخلها لم يزل يشم روائح طيبة حتى يخرج منها لكثرة رياحينها وأزهارها وكثرة أشجارها‏.‏

قال البشاري‏:‏ مدينة سابور نزهة جداً بها ثمار الجروم والصرود من النخل والزيتون والاترج والجوز واللوز والعنب وقصب السكر‏.‏

وأنهارها جارية وثمارها دانية‏.‏

وقراها مشتبكة يمشي السائر أياماً تحت ظل الأشجار كصغد ينسب إليها أبو عبد الله السابوري‏.‏

كان من أولياء الله تعالى قال الأستاذ أبو علي الدقاق‏:‏ إن أبا عبد الله كان صياداً فإذا نزلنا به أطعمنا من لم الصيد ثم ترك ذلك‏.‏

فسألناه عن سببه فقال‏:‏ كنت أنصب شبكتي على عين ماء فالظباء كانت تأتي لتشرب فتتعلق بالشبكة‏.‏

فنصبتها في بعض الأيام فإذا أنا بظبية معها غزلان ثلاثة في انتصاف النهار عند شدة الحر فقصدت الماء لتشرب فلما رأت الشبكة نفرت عنها وذهبت وقد غلبها وغزلانها العطش ثم عادت ودنت من الماء فلما رأت الشبكة جعلت تنظر إليها وترفع رأسها نحو السماء حتى فعلت ذلك مراراً‏.‏

فما كان إلا قليل حتى ظهرت سحابة سترت الآفاق وأمطرت مطراً سالت منه المياه في الصحراء‏.‏

فلما شاهدت تلك الحالة تركت الاصطياد‏.‏

سبتة

بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب على ساحل البحر في بر البربر‏.‏

وهي ضاربة في البحر داخلة فيه‏.‏

قال أبو حامد الأندلسي‏:‏ عندها الصخرة التي وصل إليها موسى وفتاه يوشع عليه السلام فنسيا الحوت المشوي وكانا قد أكلا نصفه فأحيا الله تعالى النصف الآخر فاتخذ سبيله في البحر عجباً‏.‏

وله نسل إلى الآن في ذلك الموضع وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبر وأحد جانبيها صحيح والجانب الآخر شوك وعظام وغشاء رقيق على أحشائها‏.‏

وعينها واحدة ورأسها نصف رأس فمن رآها من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنها مأكولة ميتة والناس يتبركون بها ويهدونها إلى المحتشمين واليهود يقددونها ويحملونها إلى البلاد البعيدة للهدايا‏.‏

.سنون

قرية بأرض كرمان قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بها حصار في وسطها لا ترى الفأر فيه أبداً ولو حملت إليها ماتت إذا أصابت أرضها‏!‏ سوبلا بلجة بأرض البربر قرب مراكش‏.‏

أهلها من شرار البربر وبربر من شرار الناس‏.‏

ذكر أن أبا يعقوب بن يوسف ملك المغرب اجتاز بها فخرج مشايخها إليه للتلقي والخدمة فلما رآهم قال‏:‏ من أنتم قالوا‏:‏ مشايخ سوبلا‏!‏ فقال‏:‏ لا حاجة إلى اليمين إنا نعرفكم‏!‏ فتعجب الناس من سرعة جوابه كأنهم قالوا‏:‏ نحن مشايخ سوء بالله واللفظان واحد في كلام المغاربة‏.‏

سيراف مدينة شريفة طيبة البقعة كثيرة البساتين والعيون تأتيها من الجبال واسعة البقعة والدور‏.‏

ينسب إليها أبو الحسن السيرافي شارح كتاب سيبويه عشرين مجلداً كان فريد عصره‏.‏

سيرجان قصبة بلاد كرمان بلدة طيبة كثيرة العلم حسنة الرسم ذات بساتين ومياه كثيرة أبهى من شيراز وأوسع وبينهما ثلاث مراحل يقال لهما القصران‏.‏

ماؤها عذب وهواؤها صحيح وأديمها فسيح‏.‏

بها دور عضد الدولة لم يوجد مثلها في شيء من البلاد‏.‏

وقد ش بها عمرو وطاهر ابنا الليث بن طاهر الصفار السجستاني قناتين‏.‏

ماؤها يدور في البلد ويدخل دورهم‏.‏

بها الفانيد وقصب السكر وبها نخل كثير ولهم سنة حسنة وهي أنهم لا يرفعون من تمورهم شيئاً أسقطته الريح ويتركونها للضعفاء فربما كثرت الرياح في بعض الأوقات فيحصل للفقراء أكثر مما يحصل للملاك‏.‏

والكمون يحمل منها إلى الآفاق‏.‏

.صقلية

جزيرة عظيمة من جزائر أهل المغرب مقابلة لافريقية‏.‏

وهي مثلثة الشكل بين كل زاوية والأخرى مسيرة سبعة أيام‏.‏

وهي حصينة كثيرة البلدان والقرى كثيرة المواشي جداً من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والحيوانات الوحشية‏.‏

ومن فضلها أن ليس بها عاد بناب أو برثن أو إبرة وبها معدن الذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد وكذلك معدن الشب والكحل والزاج ومعدن النوشاذر ومعدن الزئبق‏.‏

وبها المياه والأشجار والمزارع وأنواع الفواكه على اختلاف أنواعها لا تنقطع شتاء ولا صيفاً‏.‏

وأرضها تنبت الزعفران‏.‏

وكانت قليلة العمارة خاملة الذكر إلى أن فتح المسلمون بلاد افريقية فهرب أهل افريقية إليها وعمروها حتى فتحت في أيام بني الأغلب في ولاية المأمون فبقيت في يد المسلمين مدة ثم ظهر عليها الكفار وهي الآن في أيديهم‏.‏

وبهذه الجزيرة جبال شامخة وعيون غزيرة وأنهار جارية ونزهة عجيبة وقال ابن حمديس وهو يشتاق إليها‏:‏ ذكرت صقلّيّة والهوى يهيّج للنّفس تذكارها فإن كنت أخرجت من جنةٍ فإني أحدّث أخبارها ذكر أن دورها مسيرة ستة عشر يوماً وقطرها مسيرة خمسة أيام وهي مملوءة من الخيرات والمياه والأشجار والمزارع والفواكه‏.‏

بها جبل يقال له قصر يانه وهو من عجائب الدنيا‏.‏

على هذا الجبل مدينة عظيمة شامخة وحولها مزارع وبساتين كثيرة وهي شاهقة في الهواء وكل ذلك يحويه باب المدينة لا طريق إليها إلا بذلك الباب والأنهار تنفجر من أعلاها‏.‏

وبها جبل النار ذكر أبو علي الحسن بن يحيى أنه جبل مطل على البحر دورته ثلاثة أيام بقرب طبرمين فيه أشجار كثيرة وأكثرها البندق والصنوبر والارزن وفيه أصناف الثمار وفي أعلاه منافس النار يخرج منه النار والدخان وربما سالت النار منه إلى جهة تحرق كل ما مرت به وتجعل الأرض مثل خبث الحديد لا تنبت شيئاً ولا تمر الدابة بها ويسميه الناس الاخباث‏.‏

وفي أعلى هذا الجبل السحاب والثلوج والأمطار دائمة لا تكاد تقلع عنه في صيف ولا شتاء والثلج لا يفارق أعلاه في الصيف‏.‏

وأما في الشتاء فيعم الثلج أوله وآخره‏.‏

وزعمت الروم أن كثيراً من الحكماء يرحلون إلى جزيرة صقلية للنظر إلى عجائب هذا الجبل واجتماع النار والثلج فيه فترى بالليل نار عظيمة تشعل على قلته وبالنهار دخان عظيم لا يستطيع أحد الدنو إليها فإن اقتبس منها طفئت إذا فارقت موضعها‏.‏

وبها البركان العظيم قال أحمد بن عمر العذري‏:‏ ليس في الدنيا بركان أشنع منه منظراً ولا أعجب مخبراً‏!‏ فإذا هبت الريح سمع له دوي عظيم كالرعد القاصف ويقطع من هذا وقال أيضاً‏:‏ بها آبار ثلاث يخرج منها من أول الربيع إلى آخره زيت النفط فينزل في هذه الآبار على درج ويتقنع النازل ويسد منخره فإن تنفس في أسفلها هلك من ساعته يغترف ماءها ويجعله في اجانات فما كان نفطاً علا فيجمع ويجعل في القوارير‏.‏

صور مدينة مشهورة على طرف بحر الشام استدار حائطها على مبناها استدارة عجيبة بها قنطرة من عجائب الدنيا وهي من أحد الطرفين إلى الآخر على قوس واحد‏.‏

ليس في جميع البلاد قنطرة أعظم منها‏.‏

ومثلها قنطرة طليطلة بالأندلس إلا أنها دون قنطرة صور في العظم ينسب إليها الدنانير الصورية التي يتعامل عليها أهل الشام والعراق‏.‏

.مليانة

مدينة كبيرة بالمغرب من أعمال بجاية مستندة إلى جبل زكار وهي كثيرة الخيرات وافرة الغلات مشهورة بالحسن والطيب وكثرة الأشجار وتدفق المياه‏.‏

حدثني الفقيه أبو الربيع سليمان الملتاني أن جبل زكار مطل على المدينة وطول الجبل أكثر من فرسخ ومياه المدينة تتدفق من سفحه وهذا الجبل لا يزال أخضر صيفاً وشتاء وأعلى الجبل مسطح يزرع وبقرب المدينة حمامات لا يوقد عليها ولا يستقى ماؤها بنيت على عين حارة عذبة الماء يستحم بها من شاء‏.‏

الأشبونة

مدينة بالأندلس بقرب باجة طيبة‏.‏

بها أنواع الثمرات وضروب صيد البر والبحر‏.‏

وهي على ضفة البحر تضرب أمواج البحر حائط سورها قال أحمد ابن عمر العذري وهو صاحب الممالك والمسالك الأندلسية‏:‏ على أحد أبواب الأشبونة المعروف بباب الجمة جمة قريبة من البحر يجري بماء حار وماء بارد فإذا فار البحر واراها‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ بقرب الأشبونة غار عظيم تدخل أمواج البحر فيه وعلى فم الغار جبل عال فإذا ترادفت أمواج البحر في الغار ترى الجبل يتحرك بتحرك الموج فمن نظر إليه رآه مرة يرتفع ومرة ينخفض‏.‏

وبقربها جبل يوجد فيه حجر البرادي وهو حجر يضيء بالليل كالمصباح‏.‏

قال‏:‏ أخبر من صعد هذا الجبل ليلاً قال كان هذا الحجر فيه يضيء كالمصباح‏.‏

قال‏:‏ وهذا الجبل معدن الجزع‏.

.اشبيلية

مدينة بالأندلس بقرب لبة كبيرة‏.‏

تباينت بلاد الأندلس بكل فضيلة وامتازت عنها بكل مزية من طيب الهواء وعذوبة الماء وصحة التربة والزرع والضرع وكثرة الثمرات من كل نوع وصيد البر والبحر بها زيتون أخضر يبقى مدة لا يتغير به حال ولا يعروه اختلال وقد أخذ في الأرض طولاً وعرضاً فراسخ في فراسخ ويبقى زيته بعذوبته أعواماً‏.‏

وكذلك بها عسل كثير جداً وتين يابس‏.‏

ينسب إليها الشيخ الفاضل محمد بن العربي الملقب بمحيي الدين‏.‏

رأيته بدمشق سنة ثلاثين وستمائة‏.‏

وكان شيخاً فاضلاً أديباً حكيماً شاعراً عارفاً زاهداً‏.‏

سمعت أنه يكتب كراريس فيها أشياء عجيبة‏.‏

سمعت أنه كتب كتاباً في خواص قوارع القرآن‏.‏ومن حكاياته العجيبة ما حكى انه كان بمدينة اشبيلية نخلة في بعض طرقاتها فمالت إلى نحو الطريق حتى سدت الطريق على المارين فتحدث الناس في قطعها حتى عزموا أن يقطعوها من الغد قال‏:‏ فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة في نومي عند النخلة وهي تشكو إليه وتقول‏:‏ يا رسول الله ان القوم يريدون قطعي لأني منعتهم المرور‏!‏ فمسح رسول الله عليه السلام بيده المباركة النخلة فاستقامت فلما أصبحت ذهبت إلى النخلة فوجدتها مستقيمة فذكرت أمرها للناس فتعجبوا منها واتخذوها مزاراً متبركاً به‏!‏ أفرنجة بلدة عظيمة ومملكة عريضة في بلاد النصارى بردها شديد جداً وهواؤها غليظ لفرط البرد‏.‏

وإنها كثيرة الخيرات والفواكه والغلات غزيرة الأنهار كثيرة الثمار ذات زرع وضرع وشجر وعسل صيودها كثيرة الانواع‏.‏

بها معادن الفضة وتضرب بها سيوف قطاعة جداً وسيوف افرنجة أمضى من سيوف الهند‏.‏

وأهلها نصارى‏.‏

ولهم ملك ذو بأس وعدد كثير وقوة ملك له مدينتان أو ثلاث على ساحل البحر من هذا الجانب في وسط بلاد الإسلام وهو يحميها من ذلك الجانب كلما بعث المسلمون إليها من يفتحها يبعث هو من ذلك الجانب من يحميها‏.‏

وعساكره ذوو بأس شديد لا يرون الفرار أصلاً عند اللقاء ويرون الموت دون ذلك‏.‏

لا ترى أقذر منهم وهم أهل غدر ودناءة أخلاق لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرة أو مرتين بالماء البارد ولا يغسلون ثيابهم منذ لبسوها إلى أن تتقطع‏.‏

ويحلقون لحاهم وإنما تنبت بعد الحلق خشنة مستكرهة‏.‏

سئل واحد عن حلق اللحى فقال‏:‏ الشعر فضلة أنتم تزيلونها عن سوءاتكم فكيف نتركها نحن على وجوهنا أفسوس مدينة مشهورة بأرض الروم وهي مدينة دقيانوس الجبار الذي هرب منه أصحاب الكهف وبين الكهف والمدينة مقدار فرسخين والكهف مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس فيه رجال موتى لم يتغيروا وعددهم سبعة‏:‏ ستة منهم نيام على ظهورهم وواحد منهم في آخر الكهف مضطجع على يمينه وظهره إلى جدار الكهف وعند أرجلهم كلب ميت لم يسقط من أعضائه شيء وهو باسط ذراعيه بالوصيد كافتراش السباع وعلى الكهف مسجد يستجاب فيه الدعاء يقصده الناس وأهل المدينة يرون بالليل على الكهف نوراً عظيماً ويعرفون أن ذلك وكان من بداية أمرهم ما حكى وهب بن منبه أن سليمان بن داود عليه السلام لما قبض ارتد ملك الروم إلى عبادة الأصنام ودقيانوس أحد قواده رجع أيضاً معه ومن خالفه عذبه بالقتل والحرق والصلب‏.‏

فاتفق أن بعض الفتيان من أولاد البطارقة خرجوا ذات يوم لينظروا إلى المعذبين من الموحدين فقدر الله هدايتهم وفتح أبصارهم فكانوا يرون الرجل الموحد إذا قتل هبطت إليه الملائكة من السماء وعرجوا بروحه فآمنوا ومكثوا على ذلك حتى ظهر أمر إسلامهم‏.‏

فأرسل الملك إلى آبائهم وعتب عليهم بسبب إسلام أولادهم فقالوا‏:‏ أيها الملك نحن تبرأنا منهم شأنك وشأنهم‏!‏ فأحضرهم الملك وقال لهم‏:‏ لكم المهل ثلاثة أيام وإني شاخص في هذه الأيام من البلد فإن وجدتكم في اليوم الرابع عند رجوعي مخالفين لطاعتي عذبتكم عذاب من خالفني فلما كان اليوم الثالث اجتمع الفتية وقالوا‏:‏ إنما يومنا هذا هو وليلته وعزموا على الهرب في تلك الليلة فلما جنهم الليل حمل كل واحد شيئاً من مال أبيه وخرجوا من المدينة يمشون فمروا براعي غنم لبعض آبائهم فعرفهم فقال‏:‏ ما شأنكم يا سادتي فأظهروا أمرهم للراعي ودعوه إلى التوحيد فأجابهم فأخذوه معهم‏.‏

وتبع الراعي كلبه فساروا ليلتهم وأصبحوا على باب كهف دخلوا فيه وقالوا للراعي‏:‏ خذ شيئاً من الورق وانطلق إلى المدينة واشتر لنا طعاماً فإن القوم لا علم لهم بخروجك معنا‏.‏

فأخذ الدراهم ومضى نحو المدينة وتبعه كلبه وكان على باب المدينة صنم لا يدخل أحد المدينة إلا بدأ بالسجود لذلك الصنم قبل دخوله فبقي الراعي متفكراً في السجود للصنم فألهم الله الكلب ان عدا بين يديه حتى دخل المدينة وجعل الراعي يعدو خلفه ويقول‏:‏ خذوه خذوه‏!‏ حتى جاوز الصنم ولم يسجد‏.‏

فلما انتهى إلى السوق واشترى بعض حوائجه سمع قائلاً يقول‏:‏ ان راعي فلان أيضاً تبعهم‏.‏

فلما سمع ذلك فزع وترك استتمام ما أراد شراءه وخرج من المدينة مبادراً حتى وافى أصحابه فأخبرهم بما كان من أمره‏.‏

فأكلوا طعامهم وأخذوا مضاجعهم فضرب الله على آذانهم‏.‏

فلما رجع الملك أخبروه بهربهم فخرج يقفو آثارهم حتى انتهى إلى باب الكهف ووقف على أمرهم فقال‏:‏ يكفيهم من العذاب أن ماتوا جوعاً‏!‏ فأهلك الله دقيانوس وأنزل على باب الكهف صخرة وبعث إلى أهل ذلك العصر ثلاثة عشر نبياً فدعوا الناس إلى التوحيد فأجابهم إلى ذلك خلق كثير وكان الملك الذي أحيا الله الفتية في أيامه موحداً‏.‏

فلما كانت السنة التي أراد الله فيها احياء الفتية انطلق رجل من أهل المدينة وأقام بذلك المكان يرعى غنمه فأراد أن يتخذ لغنمه حظيرة فأمر أعوانه بتنحية الصخرة التي كانت على باب الكهف فعند ذلك قام الفتية كمن يبيت ليلة صافية الألوان نقية الثياب ورأوا كلبهم باسطاً ذراعيه بالوصيد وكان ذلك بعد ثلاثمائة سنة بحساب الروم وزيادة تسع بحساب العرب لأن حساب الروم شمسية وحساب العرب قمرية يتفاوت في كل مائة سنة ثلاث سنين‏.‏

وكان انتباههم آخر النهار ودخولهم أول النهار فقال بعضهم لبعض‏:‏ كم لبثتم قالوا‏:‏ لبثنا يوماً أو بعض يوم‏!‏ لأنهم رأوا الشمس غير غاربة فقالوا بعض يوم فلما نظروا إلى طول شعورهم وأظافيرهم قالوا‏:‏ ربكم اعلم بما لبثتم‏.‏

فقالوا للراعي‏:‏ إنك أتيت البارحة بطعام قليل لم يكفنا فخذ شيئاً من هذا الورق وانطلق إلى المدينة واشتر لنا طعاماً‏!‏ فانطلق خائفاً حتى أتى باب المدينة وقد أزيل عنه الصنم ثم دخل المدينة وجعل يتصفح وجوه الناس فما كان يعرف أحداً‏.‏

فانتهى إلى سوق الطعام ودفع إليه الورق فرده عليه وقال‏:‏ هذا عتيق لا يروح اليوم‏!‏ فناوله ما كان معه وقال‏:‏ خذ حاجتك منها‏.‏

فلما رأى صاحب الطعام ذلك همس إلى جاره وقال‏:‏ احسب ان هذا قد وجد كنزاً‏!‏ فلما رآهما يتهامسان ظن أنهما عرفاه فترك الدراهم وولى هارباً فصاح به الناس أن خذوه فإنه وجد كنزاً فأخذوه وانطلقوا به إلى الملك فأخبروا الملك بأمره والدراهم فتركه الملك حتى سكنت روعته ثم قال‏:‏ ما شأنك يا فتى أخبرني بأمرك ولا بأس عليك‏!‏ فقال الفتى‏:‏ ما اسم هذه المدينة قالوا‏:‏ افسوس‏.‏

قال‏:‏ وما فعل دقيانوس قالوا‏:‏ أهلكه الله منذ ثلاثمائة سنة‏!‏ فأخبرهم بقصته وقصة أصحابه‏.‏

فقال الملك‏:‏ أرى في عقل هذا الرجل نقصاناً قال الراعي‏:‏ إن أردت تحقيق ما أقول انطلق معي إلى أصحابي لتراهم في الكهف‏!‏ فركب الملك وعامة أهل المدينة فقال الراعي‏:‏ إن أصحابي إذا سمعوا جلبة الناس خافوا فأذن لي أيها الملك حتى أتقدم وأبشرهم‏.‏

فأذن له فتقدم حتى انتهى إلى باب الكهف فدخل عليهم وأخبرهم بهلاك دقيانوس وظهور الإسلام وأن القوم في ولاية ملك صالح وها هو قد أقبل إليكم ومعه عامة أهل المدينة‏.‏

فلما سمعوا ذلك كبروا وحمدوا الله ووافاهم الملك وأهل المدينة‏.‏

والملك سلم عليهم وسألهم عن حالهم وعانقهم‏.‏

وعامة الناس سلموا عليهم فبادروا بذكر قصتهم حتى إذا فرغوا من ذلك خروا موتى‏.‏

فبنوا على الكهف مسجداً واتخذوا ذلك اليوم عيداً وانهم على حالهم إلى زماننا هذا‏.‏

أفلوغونيا مدينة كبيرة من نواحي أرمينية أهلها نصارى‏.‏

من خواصها إسراع الجذام إلى أهلها لأن أكثر أكلهم الكرنب والغدد فيهم طبع وفيهم خدمة للضيف وقرى وحسن الطاعة لرهبانهم والرهابين يلعبون بعقولهم حكي انه إذا مرض أحدهم أحضر الراهب ودفع مالاً إليه ليستغفر له ويحضر القس وانه يبسط كساء ويعترف المريض بذنب ذنب مما عمله والقس قاعد يضم كفيه كلما فرغ المذنب ينفض كفيه في الكساء إلى أن فرغ من تمام ذنوبه‏.‏

وبعد فراغه يضم القس أطراف الكساء ويخرج بها وينفض في الصحراء فيظنون أن الذنوب قد انمحت بالصدقة ودعاء القس‏.‏

وحكي أن فيهم من إذا تزوج ببكر يريد أن يفترعها الراهب لتكون مباركة على زوجها ببركة الراهب‏.‏

. إلبيرة

مدينة بالأندلس بقرب قرطبة من أكرم المدن وأطيبها شديدة الشبه بغوطة دمشق في غزارة الأنهار والتفاف الأشجار وكثرة الثمار‏.‏

في ساحلها شجر الموز ويحسن بها نبت قصب السكر وبها معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والصفر ومعدن التوتيا ومقطع الرخام وتحمل هذه الأشياء منها إلى سائر بلاد الأندلس‏.‏

وحكى أحمد بن عمر العذري‏:‏ من أعمال البيرة موضع يسمى لوشة فيه غار يصعد إليه أربعة أذرع ثم ينزل في غار نحو قامتين يرى أربعة رجال موتى لا يعرف الناس حالهم ألفوهم كذلك قديماً والملوك يتبركون بهم ويبعثون إليهم الأكفان ولا ريب أنهم من الصلحاء لأن بقاءهم على حالهم مدة طويلة بخلاف سائر الموتى لا يكون إلا لأمر قال العذري‏:‏ حدثني من دخل عليهم وكشف عن وجه أحدهم فرأى دراعة على وجهه وقال‏:‏ نقرت بإصبعي على بطنه فصوت كالجلد اليابس‏.‏

. ألش

مدينة بالأندلس بقرب تدمير من خواصها أن النخل لا ينجح بجميع بلاد الأندلس إلا بها‏.‏

ويوجد بها زبيب ليس في جميع البلاد مثله يحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس‏.‏

وبها صناع البسط الفاخرة وليس مثلهم في شيء من بلاد الأندلس‏.‏

الأندلس جزيرة كبيرة بالمغرب فيها عامر وغامر‏.‏

طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة ودورها أكثر من ثلاثة أشهر‏.‏

ليس فيها ما يتصل بالبر إلا مسيرة يومين والحاجز بين بلاد الأندلس وافرنجة جبل‏.‏قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية‏:‏ إن الأندلس وقعت متوسطة بين الأرض كما هي متوسطة بين الأقاليم فبعضها في الإقليم الرابع وبعضها في الإقليم الخامس‏.‏

وبها مدن كثيرة وقرى وأنهار وأشجار وبها الرخص والسعة‏.‏

وبها معادن الذهب والفضة والرصاص والحديد في كل ناحية ومعدن الزئبق والكبريت الأحمر والأصفر والزنجفر الجيد والتوتيا والشبوب على أجناسها والكحل المشبه بالأصفهاني‏.‏

وبها من الأحجار الياقوت والبلور والجزع واللازورد والمغناطيس والشادنج والحجر الذي يقطع الدم والحجر اليهودي والمرقشيثا وحجر الطلق‏.‏

وبها أصناف الرياحين حتى سنبل الطيب والقسط والاشقاقل وبها الانبرباريس والعود‏.‏

حكى العذري أن بعض الولاة ولى ناحية بشرة فشم رائحة العود فوجدوا من دار رجل ضعيف ووجدوا عنده عوداً كثيراً يتقد به فرأوه فإذا هو ذكي من عود الهند فسئل عن موضع احتطابه فحملهم إلى جبل من جبال وفر فحفروا وأخرجوا بقيته واشتهر بين الناس‏.‏

وأهل الأندلس زهاد وعباد والغالب عليهم علم الحديث ويقع في بلاد الأندلس من الخدم والجواري المثمنات على غير صناعة بل على حسنهم بألف دينار‏.‏

ولأهلها إتقان في جميع ما يصنعونه إلا أن الغالب عليهم سوء الخلق‏.‏ومن عجائب الدنيا أمران‏:‏ أحدهما المملكة الإسلامية بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من المسلمين والآخر المملكة النصرانية بساحل الشام مع إحاطة المسلمين من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من الإفرنج‏.‏

قال العذري في وصف الأندلس‏:‏ إنها شامية في طيبها وهوائها يمانية في اعتدالها واستوائها هندية في أفاويهها وذكائها اهوازية في عظم اجتنائها صنفية في جواهرها عدنية في سواحلها‏.‏

بها آثار عجيبة وخواص غريبة تذكر في مواضعها‏.‏

وبها البحر الأسود الذي يقال له بحر الظلمات محيط بغربي الأندلس وشماليه وفي آخر الأندلس مجمع البحرين الذي ذكره الله في القرآن‏.‏

وعرض مجمع البحرين ثلاثة فراسخ وطوله خمسة وعشرون فرسخاً وفيه يظهر المد والجزر في كل يوم وليلة مدان وجزران وذلك ان البحر الأسود عند طلوع الشمس يعلو ويفيض في مجمع البحرين ويدخل في بحر الروم وهو قبلى الأندلس وشرقيها ولونها أخضر ولون البحر أسود كالحبر‏.‏

وإذا أخذته في الإناء لا ترى فيه السواد فلا يزال البحر الأسود يصب في البحر الأخضر إلى الزوال فإذا زالت الشمس عاد الأمر معكوساً فيصب البحر الأخضر في البحر الأسود إلى مغيب الشمس ثم يعلو البحر الأسود ويفيض في البحر الأخضر إلى نصف الليل ثم ينعكس الأمر فيعلو البحر الأخضر ويصب في البحر الأسود إلى طلوع الشمس وهكذا على التواتر ذلك تقدير العزيز العليم وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال‏:‏ ملك على قاموس البحر إذا وضع رجله فيه فاض وإذا رفعها غاض‏.‏

وبها جبل فيه غار لا يرى أحد فيه النار وإذا أخذت فتيلة مدهونة وشدت على رأس خشبة طويلة وأدخلت الغار اشتعلت الفتيلة وتخرج مشتعلة‏.‏

وبها جبل بقرب الجبل الذي سبق ذكره ترى على قلته النار مشتعلة بالليل وبالنهار يصعد منه دخان عظيم‏.‏

وبها جبل عليه عينان بينهما مقدار شبرين ينبع من إحداهما ماء حار ومن الأخرى ماء بارد‏.‏

ذكرهما صاحب تحفة الغرائب وقال‏:‏ أما الحارث فلو رميت فيه اللحم ينطبخ وأما البارد فيصعب شربه لغاية برودته‏.‏

وبها جبل شلير لا يفارقه الثلج صيفاً ولا شتاء وهو يرى من اكثر بلاد الأندلس لارتفاعه وشموخه وفيه أصناف الفواكه من التفاح والعنب والتوت والجوز والبندق وغير ذلك والبرد به شديد جداً قال بعض المغاربة وقد اجتاز بشلير فوجد ألم البرد‏:‏ يحلّ لنا ترك الصّلاة بأرضكم وشرب الحميّا وهي شيءٌ محرّم إذا هبّت الرّيح الشّمال بأرضكم فطوبى لعبدٍ في اللّظى يتنعّم أقول ولا ألحى على ما أقوله كما قال قبلي شاعرٌ متقدّم‏:‏ فإن كنت يوماً في جهنّم مدخلي ففي مثل ذاك اليوم طاب جهنّم‏!‏ وبها جبل الكحل‏.‏

إنه بقرب مدينة بسطة قالوا‏:‏ إذا كان أول الشهر أخذ الكحل يخرج من نفس الجبل وهو كحل أسود لا يزال كذلك إلى نصف الشهر فإذا زاد على النصف نقص الكحل ولا يزال الذي خرج يرجع إلى تمام الشهر‏.‏

وبها نهر ابره قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسية‏:‏ مخرج هذا النهر من عين يقال لها فونت ايبرهي ومصبه في البحر الشامي بناحية طرطوشة وامتداده مائتا ميل وعشرة أميال يوجد فيه صنف من السمك عجيب يقال له الترحته لا يوجد في غيره البنة وهو سمك أبيض ليس له إلا شوكة واحدة كل ذلك عن العذري صاحب الممالك والمسالك الأندلسية‏.‏

وبها نهر أنه‏.‏

مخرجه من موضع يعرف بفج العروس ثم يغيض بحيث لا يبقى له أثر على وجه الأرض ويحرج بقرية من قرى قلعة رباح يقال لها أنه ثم يغيض ويجري تحت الأرض ثم يبدو هكذا مراراً في مواضع شتى إلى أن يغيض بين ماردة وبطليوس ثم يبدو وينصب في البحر أنقرة مدينة مشهورة بأرض الروم تقول العجم انكورية غزاها الرشيد وفتحها قال بسيل الترجمان‏:‏ كنت مع الرشيد لما فتحها‏.‏

رأيت على باب الحصن كتابة باليونانية فجعلت أنقلها والرشيد ينظر إلي فإذا هي‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم الملك الحق المبين‏.‏

يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها وكل الأمور إلى واليها ولا يحملنك إفراط السرور على ما تم ولا تحملن على نفسك هم يوم لم يأتك فإنه إن لم يأت من أجلك يأت الله برزقك فيه ولا تكن أسوة للمغرورين في جمع المال فكم قد رأينا من جمع لبعل حليلته على أن يعتبر المرء على نفسه توفير الخوان غيرة‏.‏

وحكي أن في زمن المعتصم تعدوا على رجل من أهل العراق بأرض أنقرة ينادي يا معتصماه‏!‏ فقالوا‏:‏ اصبر حتى يأتي المعتصم على الابلق ينصرك‏!‏ فوصل هذا القول إلى المعتصم فأمر بشري كل فرس أبلق في مملكته وذهب إلى الروم ونهب أنقرة وكان على باب مدينتها مصراعان من الحديد مفرطا الطول والعرض حملهما إلى بغداد وهما الآن على باب العامة باب من أبواب حرم الخلافة‏.‏مدينة عجيبة على ضفة بحر الخزر مبنية بالصخور وهي مستطيلة يصيب ماء البحر حائطها‏.‏

طولها مقدار ثلثي فرسخ وعرضها غلوة سهم عليها أبواب من الحديد ولها أبراج كثيرة على كل برج مسجد للمجاورين والمشتغلين بالعلوم الدينية وعلى السور حراس تحرس من العدو‏.‏

بناها أنوشروان كسرى الخير وهي أحد الثغور العظيمة لأنها كثيرة الأعداء من الذين حفوا بها من أمم شتى وإلى جانب المدينة جبل أرعن يعرف بالذنب يجمع على قلته كل سنة حطب كثيرة ليشعلوا فيه النار إذا احتاجوا إلى إنذار أهل اران وآذربيجان وأرمينية بمجيء العدو‏.‏

وكانت الأكاسرة شديدة الاهتمام بهذا المكان لعظم خطره وشدة خوفه‏.‏

وحكى أبو العباس الطوسي أن الخزر كانت تعبر على ملك فارس حتى وصلوا إلى همذان والموصل‏.‏

فلما ملك أنوشروان بعث إلى ملك الخزر وخطب إليه ابنته على أني زوجه ابنته ويتفرغا لأعدائهما‏.‏

فأجابه إلى ذلك فعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فوجه بها إلى ملك الخزر على أنها ابنته وحمل معها ما يحمل مع بنات الملوك‏.‏

وأهدى خاقان ملك الخزر إلى أنوشروان ابنته فلما وصلت إليه كتب إلى خاقان‏:‏ لو التقينا أوجبنا المودة بيننا‏!‏ فأجابه إلى ذلك فالتقيا وأقاما أياماً‏.‏

وأنوشروان أمر قائداً من قواده يختار ثلاثمائة رجل من أشداء فلما أصبح بعث خاقان إلى أنوشروان أن أتيت عسكري البارحة‏.‏

فبعث إليه أنوشروان انه لم يأت من قبلنا فابحث وانظر‏.‏

ففعل ولم يقف على شيء ثم أمهله أياماً وعاد لمثلها حتى فعل ثلاث مرات وفي كلها يعتذر فدعا خاقان قائداً من قواده وأمره بمثل ما أمر به أنوشروان‏.‏

فلما فعل أرسل أنوشروان‏:‏ ما هذا استبيح عسكري الليلة‏!‏ فأرسل إليه خاقان يقول‏:‏ ما أسرع ما ضجرت‏!‏ فقد عمل مثل هذا بعسكري ثلاث مرات وإنما فعل بك مرة واحدة‏.‏

فبعث إليه أنوشروان يقول‏:‏ إن هذا عمل قوم يريدون إفساد ما بيننا‏!‏ وعندي رأي ان قبلته وهو أن تدعني أبني بيني وبينك حائطاً وأجعل عليه أبواباً فلا يدخل بلادك إلا من تريد ولا يدخل بلادي إلا من أريد‏.‏

فأجابه إلى ذلك وانصرف خاقان إلى مملكته‏.‏

وأقام أنوشروان وشرع في بناء حائط من الصخر والرصاص وجعل عرضه ثلاثمائة ذراع وعلاه حتى ألحقه برؤوس الجبال ثم قاده في البحر‏.‏

فيقال‏:‏ انه نفخ في الزقاق وبنى عليها حتى استقرت على الأرض ثم رفع البناء حتى استوى مع الذي على الأرض في عرضه وارتفاعه فجعل أحد طرفيه في البحر وأحكمه وقد مده سبعة فراسخ إلى موضع أشب وهو جبل وعر لا يتهيأ سلوكه وبنى بالحجارة المهندمة نقل أصغرها خمسون رجلاً وأحكمها بالرصاص والمسامير وجعل في هذه السبعة فراسخ سبعة مسالك على كل مسلك مدينة ورتب فيها قوماً من مقاتلة الفرس على كل مدينة مائة رجل يحرسونها بعد أن كان محتاجاً إلى مائة ألف رجل‏.‏

ثم نصب سريره على القيد الذي صنعه على البحر وسجد شكراً لله على ما تم على يده وكفاه شر الترك وهجومهم واستلقى على ظهره وقال‏:‏ الآن استرحت‏.‏

ومدينة باب الأبواب من تلك المدن‏.‏

والعجم يسمونه دربند‏.‏

وبها صور مطلسمة لدفع الترك وكانت عساكر الترك لا تزال تأتي من تلك الجهة وتنهب بلاد إيران فلما بنى أنوشروان ذلك السد وطلسمه لم يذكر أن دخل الترك من تلك الجهة بلاد إيران منها صورة أسدين على حائط باب الجهاد فوق أسطوانتين من حجر وأسفل منهما حجران على كل حجر تمثال لبوءتين وبقرب الباب صورة رجل بين رجليه صورة ثعلب في فمه عنقود عنب لعله لدفع الثعلب عن أعنابهم‏!‏ وإلى جانب المدينة صهريج له درجات ينزل بها إلى الصهريج إذا قل ماؤه وعلى جنبي الدرجة صورتا أسدين من حجارة يقولون‏:‏ إنهما طلسم اتخذ للسور ما دام باقياً لا يصيب المدينة من الترك آفة‏.‏

وخارج المدينة تل عليه مسجد في محرابه سيف يقولون‏:‏ إنه سيف مسلمة ابن عبد الملك بن مروان‏.‏

يزوره الناس لا يزار إلا في ثياب بيض فمن قصده في ثياب مصبوغة جاءت الأمطار والرياح وكاد يهلك ما حول التل‏.‏

وعليه حفاظ يمنعون من يذهب إليه بالثياب المصبوغة‏.‏

وبقرب هذا التل عين يخرج الناس إليها كل ليلة جمعة فيرون في بعض ناشئة الليل في تلك العين ضياء ونوراً حتى يتبين لهم الحصى والحجر ويسمون تلك العين الثواب‏.‏

آثار البلاد وأخبار العباد زكريا بن محمد بن محمود القزويني

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Géographie médiévale / رحلة - Ecrire un commentaire
Lundi 13 avril 2009 1 13 /04 /Avr /2009 07:57

بجانة

مدينة بالأندلس بقرب المرية‏.‏بها جمة غزيرة الماء يقصدها الزمنى ويسكنون بها وأكثر من يواظب عليها يبرأ من زمانته‏.‏

وبها فنادق مبنية بالحجارة لسكان قاصدي تلك الجمة وربما لم يوجد بها المسكن لكثرة قاصديها‏.‏

وعلى الجمة بيتان‏:‏ أحدهما للرجال وهو على الجمة نفسها والآخر للنساء يدخله الماء من بيت الرجال‏.‏

وقد بني بيت ثالث مفروش بالرخام الأبيض يأتيه الماء من قناة ويختلط بماء الجمة حتى يصير فاتراً ويدخله من لا يستطيع دخول ماء الجمة وتخرج فضلتها تسقي الزروع والأشجار‏.‏

بخارى مدينة عظيمة مشهورة بما وراء النهر قديمة طيبة‏.‏

قال صاحب كتاب الصور‏:‏ لم أر ولا بلغني أن في جميع بلاد الإسلام مدينة أحسن خارجاً من بخارى‏.‏

بينها وبين سمرقند سبعة أيام وسبعة وثلاثون فرسخاً هي بلاد الصغد أحد متنزهات الدنيا‏.‏

ويحيط ببناء المدينة والقصور والبساتين والقرى المتصلة بها سور يكون اثني عشر فرسخاً في مثلها بجميع الأبنية والقصور والقرى والقصبة فلا يرى في خلال ذلك قفار ولا خراب ومن دون ذلك السور على خاص القصبة وما يتصل بها من القصور والمحال والبساتين التي تعد من القصبة ويسكنها أهل القصبة شتاء وصيفاً سور آخر نحو فرسخ في مثله ولها مدينة داخل هذا السور يحيط بها سور حصين‏.‏

روى حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ستفتح مدينة خلف نهر يقال له جيحون يقال له بخارى محفوفة بالرة ملفوفة بالملائكة منصور أهلها النائم فيها على الفراش كالشاهر سيفه في سبيل الله‏.‏

وخلفها مدينة يقال لها سمرقند فيها عين من عيون الجنة وقبر من قبور الأنبياء وروضة من رياض الجنة يحشر موتاها يوم القيامة مع الشهداء‏.‏

وفي الحديث‏:‏ أن جبريل عليه السلام ذكر مدينة يقال لها فاخرة وهي بخارى فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ لم سميت فاخرة فقال‏:‏ لأنها تفخر يوم القيامة على المدن بكثرة شهدائها‏.‏

ثم قال‏:‏ اللهم بارك في فاخرة وطهر قلوبهم بالتقوى واجعلهم رحماء على أمتي‏!‏ فلهذا يقال‏:‏ ليس على وجه الأرض أرحم للغرباء منهم‏.‏

ولم تزل بخارى مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء ومنشأ علوم النظر‏.‏

وكانت الرئاسة في بيت مبارك يقال لرئيسها خواجه إمام أجل‏.‏

وإلى الآن نسلهم باق ونسبهم ينتهي إلى عمر بن عبد العزيز بن مروان وتوارثوا تربية العلم والعلماء كابراً عن كابر يرتبون وظيفة أربعة آلاف فقيه ولم تر مدينة كان أهلها أشد احتراماً لأهل العلم من بخارى‏.‏

ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح الذي هو أقدم كتب الأحاديث‏.‏

كان وحيد عصره وفريد دهره‏.‏

حكي انه لما جمع هذا الكتاب بحسنه وصحته أراد أن يسمع منه أحد حتى يروي عنه بعد موته فما كان أحد يوافقه أن يسمع منه ذلك حتى ذهب إلى شخص يعمل طول نهاره على بقر فقال له‏:‏ أنا أقرأ هذا الكتاب وأنت تسمعه مني فلعله ينفعك بعد ذلك‏!‏ وكان الشيخ يقرأ كتاب الصحيح والبقر يعمل والفربري يسمع منه حتى أسمعه جميع الكتاب‏.‏

فلهذا ترى كل من يروي صحيح البخاري تكون روايته عن الفربري‏.‏

وينسب إليها أبو خالد يزيد بن هارون‏.‏

كان أصله من بخارى ومقامه بواسط العراق‏.‏

حكى عاصم بن علي أن يزيد بن هارون كان إذا صلى العشاء لا يزال قائماً حتى يصلي الغداة بذلك الوضوء وداوم على ذلك نيفاً وأربعين سنة‏.‏

وحكى أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال‏:‏ كنت عند أحمد بن حنبل وكان عنده رجل قال‏:‏ رأيت يزيد بن هارون فقلت‏:‏ يا أبا خالد ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي وشفعني وعاتبني‏!‏ فقلت له‏:‏ فيم عاتبك قال‏:‏ قال لي يا يزيد أتحدث عن جرير بن عثمان فقلت‏:‏ يا رب ما علمت منه إلا خيراً‏!‏ فقال‏:‏ إنه كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏.‏

وحكى آخر قال‏:‏ رأيت ابن هارون في المنام فقلت له‏:‏ هل أتاك منكر ونكير قال‏:‏ إي والله ‏!‏ وسألاني‏:‏ من ربك وما دينك ومن نبيك فقلت‏:‏ ألمثلي يقال هذا وأنا يزيد بن هارون اعلم الناس هذا سبعين سنة فقال‏:‏ صدقت نم نومة العروس‏!‏ توفي يزيد بن هارون بواسط سنة ست ومائتين عن سبع وثمانين سنة‏.‏كورة بين أران وآذربيجان كثيرة الضباب قلما تصحو السماء بها منها كان مخرج بابك الخرمي في أيام المعتصم بالله‏.‏

بها موقف رجل لا يقوم أحد فيه يدعو الله تعالى إلا استجيب له‏.‏

ومنها يتوقعون خروج المهدي وذكر أن تحتها نهراً عظيماً إن اغتسل فيه صاحب الحمى العتيقة ذهبت حماه‏.‏

.بلقوار

قرية من قرى تدمير بأرض الأندلس‏.‏بها حمة شريفة حسنة عليها ديماس للرجال وآخر للنساء وأصل العين في ديماس الرجال يخرج منها ماء غزير يفضل عن حاجة الديماسين ويسقي زرع القرية‏.‏

. بلنسية

مدينة قديمة بأرض الأندلس ذات خطة فسيحة جمعت خيرات البر والبحر والزرع والضرع طيبة التربة ينبت بها الزعفران ويزكو بها ولا ينبت في جميع أرض الأندلس إلا بها كأرض روذراور بأرض الجبال‏.‏مدينة بالأندلس متقنة البناء بالحجر الأبيض المهندم قالوا‏:‏ إنها من بناء الجن بنوها لسليمان بن داود عليه السلام من عجائبها أن لا يرى بها حية ولا عقرب ولا شيء من الهوام المؤذية‏.‏

حكى محمد بن عبد الرحمن الغرناطي أن برستاقها صنفاً من العنب وزن الحبة منه عشرة مثاقيل‏.‏

. رندة

مدينة حصينة بأرض الأندلس من أعمال تاكرنا قديماً‏.‏استجلب إليها المياه من ناحية المشرق وناحية المغرب فتوافي المياه داخلها‏.‏

بها نهر رندة وهو نهر يتوارى في غار لا يرى جريه أميالاً ثم يخرج إلى وجه الأرض ويجري‏.‏

وبها نهر البرادة وهو نهر يجري في أول الربيع إلى آخر الصيف فإذا دخل الخريف يبس إلى أول الربيع من القابل وهو على فرسخين من رندة‏.‏

.شاطبة

مدينة كبيرة قديمة في شرقي الأندلس يذكر أهلها بالشر والظلم والتعدي قال صفوان بن ادريس المرسي في وصف شاطبة‏:‏ شاطبة الشّرق شرّ دارٍ ليس بسكّانها فلاح الظّلم عند الورى حرامٌ وإنّه عندهم مباح‏!‏ ينسب إليها المقريء الشاطبي عمل قصيدة طويلة لأمية وذكر القراءات فيها وأسماء القراء بالحروف المرموزة ولم يقصر في جميع ذلك ونظمه‏.‏

شاشين جزيرة توازي حد الأندلس طولها مسيرة عشرين يوماً‏.‏

وهي كثيرة الخيرات آهلة كثيرة المواشي جداً وغنمها بيض كلها لا يكاد يوجد بها شاة سوداء‏.‏

وأهلها أكثر الناس تحلياً بالذهب فيكون الوضيع والشريف يطوق بالذهب‏.‏

ولأشرافهم أسورة الذهب في زنودهم وملوكهم بها نوع من الصوف في غاية الحسن لا يوجد مثلها في شيء من البلاد قالوا سبب ذلك أن نساءها يدهن الصوف بشحم الخنزير فيجود عملها ولونها أبيض أو فيروزجي وانها في غاية الحسن‏.‏

وبها عجب ليس في جميع الدنيا وهو أن على شاطيء بحرهم شجراً فربما انهارت الأجراف ووقعت الشجرة في البحر فيضطرب من الأمواج حتى يصير عليه طخاء أبيض فلا يزال كذلك ويصير الطخاء زائداً حتى يصير في خلقه بيضة ثم تخطط البيضة على خلقة طائر فلا يحتبس إلا رجلاه ومنقاره فإذا أراد الله نفخ الروح فيه يخلق ريشه وينفصل الرجلان والمنقار من العود فيصير طائراً يسعى في البحر على سطح الماء ولا يوجد حياً أبداً فإذا مد البحر حمله الماء إلى السواحل فيوجد ميتاً‏.‏

وهو طائر أسود يشبه الطائر الذي يقال له الغطاسة‏.‏

وحكى أحمد بن عمر العذري أن بعض الناس أتى بعود وقد تخلق فيه حمل من البيض إلى بعض الملوك فأمر الملك أن يبنى عليه قبة شبه قفص ويترك في الماء فلم يزل على الضفة حتى تبرأت الطيور من العود داخل القبة‏.‏

شبلية قرية من كور أسروشنة بما وراء النهر من أعمال بخارى ينسب إليها أبو بكر دلف بن جعفر الشبلي الزاهد العارف أعجوبة الدهر وصاحب الحالات العجيبة كان أبوه حاجب الموفق فورث منه ستين ألف دينار فحضر مجلس جبر النساج وأنفق ذلك المال على الفقراء وذهب إلى ناحية دماوند وقال لأهلها‏:‏ اجعلوني في حل فإني كنت والي بلدكم وقد فرطت مني فرطات‏.‏

وحكى أبو علي الدقاق انه كان للشبلي في بدء أمره مجاهدات شديدة حتى انه كان يكتحل بالثلج والملح حتى لا ينام وكان في آخره يقول‏:‏ وكم من موضعٍ لوّمت فيه لكنت به نكالاً في العشيره وحكي أن الشبلي سئل عن العارف والمحب فقال‏:‏ العارف إن تكلم هلك والمحب إن سكت هلك‏.‏

ثم أنشد‏:‏

يا أيّها السّيّد الكريم ** حبّك بين الحشا مقيم

يا دافع النّوم عن جفوني ** أنت بما حلّ بي عليم‏!‏

وكان بين يديه مرآة ينظر فيها كل ساعة ويقول‏:‏ بيني وبين الله عهد ان ملت عنه عاقبني وأنا أنظر كل ساعة في المرآة لأعرف هل اسود وجهي أم لا‏.‏

وكان إذا اشتد به الوجد يقول‏:‏ قد تعشّقت وافتضح ت وقامت قيامتي‏!‏ محنتي فيك أنّني لا أبالي بمحنتي يا شفائي من السّقام وإن كنت علّتي تعبي فيك دائمٌ فمتى وقت راحتي وحكي انه كان محبوساً في المارستان فدخل عليه جماعة فقال‏:‏ من أنتم فقالوا‏:‏ أحبابك جئناك زائرين‏!‏ فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال‏:‏ لو كنتم أحبابي لصبرتم على بلائي ‏!‏ توفي الشبلي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة‏.‏

. شغنسة

مدينة بالأندلس بقرب وادي الحجارة قال العذري‏:‏ من عجائبها الجبل الذي هو مطل عليها إذا كسر حجره يخرج من كسره زفت أسود شبه القار ومن أراد يجمع منه ما شاء‏.‏

وليس للهوام بها كثير فعل‏.‏

.شلب

مدينة بالأندل بقرب باجة قال العذري‏:‏ لها بسيط يتسع وبطائح تنفسح وبها جبل عظيم من عجائبها ما ذكره خلق لا يحصى عددهم أنه قل أن يرى من أهل شلب من لا يقول شعراً ولا يتعانى الأدب ولو مررت بالحراث خلف فدانه وسألته الشعر لقرض في ساعته أي معنى اقترحت عليه وأي معنى طلبت منه صحيحاً‏!‏ شنترة مدينة بالأندلس بقرب الأشبونة على ساحل البحر وعليها ضبابة دائمة لا تنقشع‏.‏

من عجائبها تفاحها فإن بها تفاحاً دورة واحدة منها ثلاثة أشبار‏.‏

وهي الآن بيد الفرنج‏.‏

ملكوها سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة‏.‏

. شنترين

مدينة بالأندلس بقرب باجة على ساحل البحر‏.‏

أرضها في غاية الكرم‏.‏

مبنية على نهر باجة وللنهر فيض في بطائحها كفيض النيل بمصر‏.‏

زرع أهلها على نداوته في مواضع فيضه بعد فوات أوان الزرع في غيرها من البلاد فيدرك بالعاجل‏.‏

وبها يوجد العنبر الجيد الذي يقذفه البحر إلى ساحله في بعض الأوقات يحمل منها إلى سائر البلاد‏.‏ومن عجائبها ما ذكر أن دابة تخرج من البحر هناك وتحتك بحجارة على ساحل البحر فيسقط منها وبرة على لون الذهب ولين الخز وهي قليلة عزيزة جداً فيجمعها الناس وينسج منها الثياب فيحجر عليها ملوكهم ولا تنقل من بلادهم إلا باخفية وتزيد قيمة الثوب منها على ألف دينار لحسنه وعزته‏.‏

شنت مرية

مدينة قديمة بالأندلس‏.‏ومعنى شنت مرية بلغة الفرنج مدينة مريم‏.‏

وبها كنيسة قال أحمد بن عمر العذري‏:‏ انها بناء رفيع وسوار عظيمة من فضة لم ير الراؤون مثلها في طول مفرط وعرض لم يحزم الإنسان بذراعه واحدة منها‏.‏

وبها عين ماء إذا رآها الناظر من البعد لا يشك في أنها جارية فإذا قرب منها ووقع البصر على منبعها لم يرها جارية أصلاً فإذا تباعد عنها رآها جارية‏!‏ وهذا أمر مشهور عنها لا يكاد يخفى على أحد من تلك البلاد أو على من دخلها قال عبد الله البطليوسي النحوي يهجوها‏:‏ أناخت بنا في أرض شنت مريّةٍ هواجس ظنّ خان والظّنّ خوّان شنقنيرة أرض بالأندلس من أعمال لورقة‏.‏

خصها الله تعالى بالبركة وقوة لم توجد في غيرها من الأراضي‏.‏

وهي ما ذكره الغرناطي الأنصاري أنها حسنة المنظر والمخبر كثيرة الريع طيبة المرتع الحبة من زرعها تتفرع إلى ثلاثمائة قصبة ومسافة هذه الأرض أربعون ميلاً من قرطاجنة إلى لورقة يرتفع من المكوك من بذره مائة مكوك‏.‏

ليست هذه الخاصية لشيء من أراضي غيرها‏.‏

.طليطلة

مدينة كبيرة بالأندلس من أجل مدنها قدراً وأكثرها خيراً تسمى مدينة الملوك‏.‏

ومن طيب تربتها ولطافة هوائها تبقى الغلات في مطاميرها سبعين سنة لا تتغير‏.‏

وبها القنطرة العجيبة التي وصفها الواصفون أنها قوس واحد من أحد طرفي الوادي إلى الطرف الآخر لم ير على وجه الأرض قوس قنطرة أعظم منها إلا قنطرة صور قال محمد بن عبد الرحيم الغرناطي‏:‏ بقرب طليطلة نهر عظيم بنت الجن على ذلك قنطرة من الصخر عالية من الجبل إلى الجبل كأنها قوس قزح كل صخرة منها مثل بيت كبير وقد شدت تلك الحجارة بجذوع من حديد وأذيب عليه الرصاص الأسود وهي أزج واحد يتعجب الناظرون منها لجودة بنائها وماء ذلك النهر لا ينقطع أبداً‏.‏

وبها حجر المطر وهو ما أخبر به بعض المغاربة أن بقرب طليطلة حجراً إذا أراد القوم المطر أقاموه فلا يزال يأتي المطر إلى أن يلقوه‏.‏

وكلما أرادوا المطر فعلوا ذلك‏.‏

وبها صورة ثورين من حجر صلد قال العذري‏:‏ ان طارقاً لما غزا طليطلة ركب على الثيران وكان ذلك الموضع معسكره فلعل ذلك شيء من الطلسمات‏.‏

وكان بها بيت الملوك كل من مات من ملوكها ترك تاجه في ذلك البيت وكتب عليه عمر صاحبه ومدة ولايته وكان بها بيت آخر من ملك من ملوكها قفل عليه قفلاً ووصى لمن يكون بعده أن لا يفتح ذلك البيت حتى انتهى الملك إلى رجل اسمه لذريق دخل البيت الأول فوجد فيه أربعة وعشرين تاجاً على عدد ملوكهم ووجد على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلاً ظن أن فيه مالاً فأراد فتحه فاجتمعت الأساقفة والشمامسة وعظموا ذلك وسالوه أن يسلك مسلك الملوك الذين كانوا قبله فأبى إلا فتحه فقالوا له‏:‏ أيها الملك انظر فيما يخطر ببالك من مال تراه فيه لندفعه إليك ولا تفتحه‏.‏فأبى إلا فتحه‏.‏فلما فتحه إذا في البيت صور العرب على خيولهم بعمائمهم ونعالهم وإذا فيه مكتوب‏:‏ الملك فينا ما دام هذا البيت مقفلاً فإذا فتح فقد ذهب الملك‏!‏ فندم لذريق على فتح الباب فدخلت العرب بلدهم في السنة التي فتح فيها الباب في أيام الوليد بن عبد الملك‏.‏

ولما فتحوها وجدوا بها مائدة سليمان بن داود عليه السلام من ذهب فلم يمكن نقلها لعظمها‏.‏

فأمر الوليد أن يضرب منها حلي الكعبة وميزابها ففعل وما زالت بيد المسلمين إلى أن استولى عليها الفرنج في شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة وإلى الآن بيدهم‏.‏

غرناطة مدينة بالأندلس قديمة بقرب البيرة من أحسن مدن بلاد الأندلس وأحصنها ومعناها الرمانة بلغة الأندلسيين يشقها نهر يعرف بنهر قلوم وهو النهر المشهور الذي يلفظ من مجراه برادة الذهب الخالص‏.‏

بها جبل الثلج مطل عليها على ذروته توجد أيام الصيف صنوف الرياحين والرياض المونقة وأجناس الأفاويه وضروب العقاقير‏.‏

وبها شجرة الزيتون التي هي من عجائب الدنيا قال أبو حامد الأندلسي‏:‏ بقرب غرناطة بالأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون والناس يقصدونها في يوم معلوم من السنة فإذا طلعت الشمس ذلك اليوم أخذت تلك العين بإفاضة الماء ففاضت ماء كثيراً ويظهر على الشجرة زهر الزيتون ثم ينعقد زيتوناً ويكبر ويسود في يومه ذلك اليوم فيأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه ومن ذلك الماء للتداوي‏.‏

وقال محمد بن عبد الرحيم الغرناطي إنها بغرناطة‏.‏

وحدثني الفقيه سعيد بن عبد الرحمن الأندلسي انها بسقورة‏.‏

وقال العذري‏:‏ انها بلورقة‏.‏

والقائلون كلهم أندلسيون والمواضع المذكورة كلها من أرض الأندلس فجاز ان كل واحد منهم اضافه إلى موضع قريب منه‏.‏

. فراغة

مدينة بالأندلس بقرب لاردة‏.‏وهي مدينة حسنة البنيان ذات مياه وبساتين كثيرة‏.‏

وإنها حسنة المنظر طيبة المخبر‏.‏

بها سراديب تحت الأرض كثيرة وهي عندهم ملجأ من العدو إذا طرقهم‏.‏وصفتها أنها بئر ضيقة الرأس واسعة الأسفل وفي أسفلها أزقة كثيرة مختلفة كنافقاء اليربوع فلا يوصل إليها من أعلى الأرض ولا يجسر الطالب على دخولها وإن انتشر فيها الدخان دخوا في الأزقة وسدوا أبوابها حتى يرجع الدخان عنهم وإن طموها يكون لها باب آخر خرجوا منه وتسمى هذه السراديب عندهم الفجوج ويخرج في عملها الأموال بالوصية وغيرها‏.‏

وإن ذلك عندهم من أبواب البر

 فهمين

قلعة بأرض الأندلس بقرب طليطلة حصينة جداً‏.‏بها بئر شرب أهل القلعة منها ولم يعرف فيها علق أصلاً فكثر فيها الطين بطول زمان‏.‏

فاحتاجوا إلى كسحها فأخرجوا منها طيناً كثيراً فكثر ماؤها إلا انه تولد فيها علق كثير تعذر معه شرب مائها لأن العلق كان ينشب بحلق شارب الماء فوجدوا في وسط الطين المخرج منها علقاً من النحاس فرموه في البئر فانقطع العلق منها‏

.قادس

جزيرة بقرب الأندلس طولها اثنا عشر ميلاً‏.‏بها آبار مياهها عذبة وفيها آثار قديمة غيرها الزمان‏:‏ منها الطلسم المشهور الذي عمل لدفع البربر عن جزيرة الأندلس وهو ما حكي أن صاحب هذه الجزيرة كان من ملوك الروم قبل الإسلام وكانت له بنت ذات جمال فخطبها ملوك تلك النواحي فقالت البنت‏:‏ لا أتزوج إلا بمن يعمل في جزيرتي طلسماً يمنع البربر من دخولها أو يسوق الماء إليها من البر بحيث يدور الرحا عليها‏!‏ فشرع ملكان أحدهما في عمل الطلسم والآخر في سوق الماء إليها من البر فقيل لها‏:‏ بمن تتزوجين فقالت‏:‏ أتزوج بالسابق منهما‏!‏ أما صاحب الماء فقد اتخذ في وسط البحر بناء محكماً وثقه بالحجارة والرصاص بحيث لا يشرب شيئاً من ماء البحر وسرح الماء إليه من نهر من البر حتى وصل إلى جزيرة قادس وأثره في البحر إلى الآن ظاهر لكنه مهدوم بطول المدة‏.‏وأما صاحب الطلسم فقد اتخذ تمثالاً من الحديد مخلوطاً بالصفر على صورة رجل بربري له لحية متلحف بوشاح ورداء مذهب قد تعلق من منكبه إلى أنصاف ساقيه وقد جمع فضلتيه بيده اليسرى منضمة إلى صدره ويده اليمنى ممدودة بمفتاح قفل في يده قابض عليه مشيراً إلى البحر كأنه يقول‏:‏ لا عبور‏!‏ وهو قائم على رأس بناء عال طوله نيف وستون ذراعاً وطول الصورة قدر ستة أذرع وذكر أن البحر الذي تجاه الصورة ويسمى الابلاية لم ير ساكناً ولا تجري فيه السفن بعد ذلك‏.‏

وحكي أن صاحب سوق الماء سبق صاحب الطلسم فقال صاحب الجزيرة‏:‏ لا تظهروا سبقه حتى لا يبطل علينا عمل الطلسم‏.‏

فلما فرغ الصانع من الطلسم قيل له‏:‏ قد سبقت‏!‏ فالقى نفسه من أعلى الموضع الذي عليه الطلسم فمات‏.‏

فحصل لصاحب الجزيرة الماء والطلسم فما زال الأمر على ذلك‏.‏

كان البحر مضطرباً والجزيرة محفوظة إلى سنة أربعمائة فوقع المفتاح من يد الصورة فحمل إلى صاحب مدينة سبتة فوزنه فكان فيه ثلاثة أرطال فسكن البحر حينئذ وعبرت السفن فيه‏.‏

وذكر أيضاً أن الطلسم هدم في سنة أربعين وخمسمائة هدموه رجاء أن يوجد تحته شيء من المال فلم يوجد شيء فيه‏.‏مدينة بأرمينية تنسب إلى امرأة اسمها قالي فكأنه قال قالي بنت كما يقال دارابجرد وصورت صورة نفسها على باب المدينة‏.‏

يجلب منها البسط والزلالي التي يقال لها قالي‏.‏

ولأهلها يد باسطة في صنعتها ومنها تحمل إلى سائر البلاد‏.‏

بها بيعة الشعانين قال ابن الفقيه‏:‏ انها بيعة للنصارى فيها بيت كبير مخزن مصاحفهم وصلبانهم فإذا كانت ليلة الشعانين يفتح باب في ذلك الموضع معروف يخرج منه تراب أبيض فلا يزال يخرج ليلته إلى الصباح فينقطع حينئذ فيأخذه الراهب ويدفعه إلى الناس‏.‏

وخاصيته دفع السموم ولدغ العقارب والحيات يداف منه وزن دانق في ماء فيشربه الملسوع فيسكن في الوقت ألمه‏.‏

وفيه أعجوبة أخرى وذلك انه ان بيع منه شيء لم ينتفع به صاحبه ويبطل عمله‏.‏

.قرطبة

مدينة عظيمة في وسط بلاد الأندلس‏.‏كانت سرير ملك بني أمية دورتها أربعة عشر ميلاً وعرضها ميلان على النهر الأكبر الذي يعرف بوادي الكبير وعليه جسران‏.‏ومسجدها الجامع من أكبر مساجد الإسلام وأجمعها لمحاسن العمد والبنيان طوله أربعمائة ذراع وعرضه ثلاثمائة وعمده ورخام بنيانه بفسيفساء وذهب وبحذائه سقايات وحياض فيها من الماء الرضراض‏.‏

وبها كنيسة الأسرى وهي مقصودة معتبرة عند النصارى قال العذري‏:‏ إن المسلمين هموا بفتح قرطبة فأسروا راعياً من رعاتها وسألوه عنها فذكر أنها حصينة جداً إلا أن فيها ثغرة فوق باب القنطرة‏.‏

فلما جنهم الليل ذهبوا إلى تلك الثغرة ودخلوا منها وجاؤوا إلى باب المدينة الذي يقال له باب القنطرة وقتلوا الحراس وفتحوا الباب ودخلوا المدينة‏.‏

فلما علم صاحب قرطبة أن المسلمين دخلوا خرج مع وجوه المدينة وتحصن بهذه الكنيسة فحاصرهم المسلمون ثلاثة أيام‏.‏

فبينا هم كذلك إذ خرج العلج على فرس أصفر هارباً حتى أتى خندق المدينة فتبعه أمير المسلمين واسمه مغيث‏.‏

فلما رأى مغيثاً حرك فرسه فسقط واندقت رقبته فأسره مغيث ورجع إلى بقية العلوج فأسرهم وقتلهم فسميت الكنيسة كنيسة الأسرى‏.‏

وبها جبال معدن الفضة ومعدن الشادنج وهو حجر يقطع الدم ومعدن حجر التوتيا ومعدن الشبوب وتجلب من قرطبة بغال قيمة واحد منها تبلغ خمسمائة دينار لحسن شكلها وألوانها وعلوها وصحة قوائمها‏.‏مدينة قديمة بالأندلس بقرب بسطة‏.‏

بها جبل فيه غار يتقاطر الماء من أعلاه في حفيرة تحته لطيفة نقطة نقطة ويجتمع في تلك الحفيرة بذوبانها ولا يغيض فإن شرب من ماء تلك الحفيرة عدد كثير لم ينقص قال العذري‏:‏ أخبرني بهذا جماعة شاهدوها وهذا أمر شائع مستفيض في ذلك الموضع قال‏:‏ وفي هذا الغار ميت لا يغيره طول الأزمنة ولم يعرف له خبر‏.‏

.لبلة

مدينة بالأندلس قديمة بقرب اشبيلية كثيرة الحيرات فائضة البركات بها آثار قديمة بها نهر لهشر وبهذا النهر ثلاث عيون‏:‏ إحداها عين لهشر وهي أغزرها ماء وأعذبها والثانية عين الشب فإنها تنبعث بالشب والثالثة عين الزاج فإنها تنبعث بالزاج فإذا غلبت عين ماء لهشر قال العذري‏:‏ سور المدينة قد عقد بناؤه على تصاوير أربعة‏:‏ صنم يسمى درديا وعليه صنم آخر وصنم يسمى مكيخا وعليه صنم آخر‏.‏

والمدينة مبنية على هذه الأصنام وما علا من البناء موضوع على أعناقها‏.‏

ومدينة لبلة انفردت بهذه البنية على سائر المدن‏.‏

وبها صيد البر والبحر جميعاً‏.‏

ويجلب منها العصفر الجيد والعناب الذي لا نظير له في الآفاق ويعمل بها الأديم الجيد الذي يحاكي الطائفي‏.‏

.لشبونة

مدينة بالأندلس قديمة في غربي قرطبة قريبة إلى البحر‏.‏

بها جبال فيها أوكار البزاة الخلص ولا تكون في غيرها‏.‏

ولعسلها فضل على كل عسل بالأندلس يشبه السكر إذا لف في خرقة لا يلوثها‏.‏

وبها معدن التبر الخالص ويوجد بساحلها العنبر الفائق ملكها الفرنج سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وهي إلى الآن بيدهم‏.‏

. لورقة

مدينة كبيرة بالأندلس قاعدة كورة تدمير‏.‏

هي أكرم بقاع الأندلس وأكثرها خيراً سيما الفواكه فإن بها من أصناف الفواكه ما لا يوجد في غيرها حسناً وكثرة سيما الكمثرى والرمان والسفرجل‏.‏

ومن قوة أرضها ما ذكره العذري أن بها عنباً وزن العنقود منه خمسون رطلاً بالبغدادي وان الحبة من الحنطة تصيب هناك مائة حبة‏.‏

وبأرض لورقة يسقي نهر كنيل مصر يبسط على الأرض فإذا غاض يزرع عليه ويبقى طعامها في المطامير خمسين سنة وأكثر ولا يتغير وكثيراً ما تصيبها آفة الجراد‏.‏

وحكي انه كانت في بعض كنائسها جرادة من ذهب وكانت لورقة آمنة من جائحة الجراد فسرقت تلك الجرادة فظهر الجراد في ذلك العام ولم يفقد بعد ذلك‏.‏

وأيضاً لم توجد بها علة البقر التي تسمى اللقيس إلى أن وجد في بعض الأساس ثوران من صفر أحدهما قدام الآخر يلتفت إليه‏.‏

فلما أخذ من ذلك الموضع وقعت اللقيس في ذلك العام‏.‏

ومن عجائبها شجرة زيتونة في كنيسة في حومة جبل في كل سنة في وقت معلوم تنور وتعقد وتسود وتطيب في يوم آخر وهي مشهورة عرفها الناس حكى العذري أن هذه الشجرة قطعها أصحابها وهم نصارى وإنما فعلوا ذلك لكثرة الواردة عليهم بسببها وتزاحم الناس فبقيت مقطوعة زماناً ثم لقحت بعد ذلك وهي الآن باقية كذا ذكره العذري في شهور سنة خمسين وأربعمائة‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ أخبرني إبراهيم بن أحمد الطرطوشي قال‏:‏ سمعت ملك الروم يقول إني أريد أن أرسل إلى أمير المؤمنين بالأندلس هدية فإن من أعظم حوائجي عنده انه صح عندي أن في الفاتحة الكريمة كنيسة وفي الدار منها زيتونة إذا كانت ليلة الميلاد تورقت وعقدت وأطعمت من نهارها‏.‏

اعلم أن لشهيدها محلاً عظيماً عند الله فأتضرع إلى معاليه في تسلية أهل تلك الكنيسة ومداراتهم حتى يسمحوا بعظام ذلك الشهيد فإن حصل لي هذا كان أجل من كل نعمة‏.‏

وبها وادي الثمرات ذكر العذري أن هناك أرضاً تعرف بوادي الثمرات يرد إليه ماء واد هناك يسقيه فينبت التفاح والكمثرى والتين والزيتون ونحوها سوى شجر التوت من غير غرس أصل لقد حدث بذلك جماعة من ثقات الناس‏.‏.

.مالطة

جزيرة بقرب جزيرة الأندلس عظيمة الخيرات كثيرة البركات طولها نحو ثلاثين ميلاً وهي آهلة وبها مدن وقرى وأشجار وأثمار غزاها الروم بعد الأربعين والأربعمائة‏.‏

حاربوهم وطلبوا منهم الأموال والنساء فاجتمع المسلمون وعدوا أنفسهم وكان عدد عبيدهم أكثر من عدد الأحرار فقالوا لعبيدهم‏:‏ حاربوا معنا فإن ظفرتم فأنتم أحرار وما لنا لكم وإن توانيتم قتلنا وقتلتم‏!‏ فلما وافى الروم حملوا عليهم حملة رجل واحد ونصرهم الله فهزموهم وقتلوا من الروم خلقاً كثيراً ولحق العبيد بالأحرار واشتدت شوكتهم فلم تغزهم الروم بعد ذلك أبداً‏.‏

ينسب إليها ابن السمنطي الشاعر المالطي‏.‏

كان آية في نظم الشعر على البديهة قال أبو القاسم بن رمضان المالطي‏:‏ اتخذ بعض المهندسين بمالطة لملكها صورة تعرف بها أوقات ساعات النهار وكانت ترمي بنادق على الصناج فقلت لعبد الله ابن السمنطي‏:‏ اجز هذا المصراع‏:‏ جارية ترمي الضنج فقال‏:‏ بها القلوب تبتهج كأن من أحكمها إلى السّماء قد عرج وطالع الأفلاك عن سرّ البروج والدّرج كأنه يقرأها من حفظه‏.‏

ما وراء النهر يراد به ما وراء نهر جيحون‏.‏

من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيراً‏.‏

وليس بها موضع خال عن العمارة من مدينة أو قرى أو مزارع أو مراع‏.‏

هواؤها أصح الأهوية ومياهها أعذب المياه وأخفها والمياه العذبة عمت جميع جبالها وضواحيها وترابها أطيب الأتربة وبلادها بخارى وسمرقند وجند وخجند‏.‏

وأهلها أهل الخير والصلاح في الدين والعلم والسماحة فإن الناس في أكثر ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة وما ينزل أحد بأحد إلا كأنه نزل بدار نفسه من غريب وبلدي‏.‏

وهمة كل امريء منهم على الجود والسماح فيما ملكت يده من غير سابقة معرفة أو توقع مكافأة‏.‏

حكى الاصطخري انه نزل منزلاً بالصغد فرأى داراً ضربت الأوتاد على بابها فقالوا‏:‏ إن ذلك الباب لم يغلق منذ زيادة على مائة سنة ولم يمنع من دخوله واصل ليلاً ولا نهاراً‏!‏ والغالب عليهم بناء الرباطات وعمارة الطرق والوقف على سبيل الجهاد وأهل العلم وليس بها قرية ولا منهل ولا مفازة إلا وبها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه‏.‏

وقال‏:‏ بلغني أن بما وراء النهر أكثر من عشرة آلاف رباط في أكثرها إذا نزل الناس به طعام لهم وعلف لدوابهم إن احتاجوا‏.‏

وجميع ما وراء النهر ثغر من حدود خوارزم إلى اسبيجاب وهناك الترك الغزية من اسبيجاب إلى فرغانة الترك الخلخية ولم يزل ما وراء النهر على هذه الصفة إلى أن ملكها خوارزم شاه محمد بن تكش سنة ستمائة وطرد الخطاة عنها وقتل ملوك ما وراء النهر المعروفين بالخانية وكان في كل قطر ملك يحفظ جانبه فلما استولى على جميع النواحي عجز عن ضبطها فسلط عليها عساكره حتى نهبوها وأجلى الناس عنها فبقيت تلك الديار التي وصفت بالجنان لحسنها خاوية على عروشها ومياهها مندفقة معطلة وقد ورد عقيب ذلك عساكر التتر في سنة سبع عشرة وستمائة وخربوا بقاياها‏.‏

والآن بقي بعض ما كان عليها‏.‏

فسبحان من لا يعتريه التغير والزوال وكل شيء سواه يتغير من حال إلى حال‏!‏ مدينة النحاس ويقال لها أيضاً مدينة الصفر‏.‏

لها قصة عجيبة مخالفة للعادة جداً ولكني رأيت جماعة كتبوها في كتب معدودة كتبتها أيضاً ومع ذلك فإنها مدينة مشهورة الذكر‏.‏

قال ابن الفقيه‏:‏ ذهب العلماء الأقدمون إلى أن مدينة النحاس بناها ذو القرنين وأودعها كنوزه وطلسمها فلا يقف عليها أحد وجعل في داخلها حجر البهتة وهو مغناطيس الناس فإن الإنسان إذا وقف حذاءه جذبه كما يجذب المغناطيس الحديد ولا ينفصل عنه حتى يموت وانه في مفاوز الأندلس‏.‏

ولما بلغ عبد الملك بن مروان خبر مدينة النحاس وخبر ما فيها من الكنوز وان إلى جانبها بحيرة فيها كنوز كثيرة وأموال عظيمة كتب إلى موسى بن نصير عامل المغرب وأمره بالمصير إليه والحرص على دخولها وان يعرفه حالها ودفع الكتاب إلى طالب بن مدرك فحمله إلى موسى وهو بالقيروان فلما قرأه تجهز وسار في ألف فارس نحوها فلما رجع كتب إلى عبد الملك‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

أصلح الله الأمير صلاحاً يبلغ به خير الدنيا والآخرة‏.‏

أخبرك يا أمير المؤمنين أني تجهزت لأربعة أشهر وسرت في مفاوز الأندلس ومعي ألف رجل حتى أوغلت في طرق قد انطمست ومناهل قد اندرست وعفت فيها الآثار وانقطعت عنها الأخبار فسرت ثلاثة وأربعين يوماً أحاول مدينة لم ير الراؤون مثلها ولم يسمع السامعون بنظيرها‏.‏

فلاح لنا بريق شرفها من مسيرة ثلاثة أيام فأفزعنا منظرها الهائل وامتلأت قلوبنا رعباً من عظمها وبعد أقطارها‏.‏

فلما قربنا منها إذا أمرها عجيب ومنظرها هائل فنزلنا عند ركنها الشرقي ثم وجهت رجلاً من أصحابي في مائة فارس وأمرته أن يدور حول سورها ليعرف بابها فغاب عنا يومين ثم وافى اليوم الثالث فأخبرني انه ما وجد لها باباً ولا أرى إليها مسلكاً فجمعت أمتعة أصحابي إلى جانب سورها وجعلت بعضها على بعض لأنظر من يصعد إليها فيأتيني بخبر ما فيها فلم تبلغ أمتعتنا ربع الحائط لارتفاعه فأمرت عند ذلك باتخاذ السلالم وشد بعضها إلى بعض بالحبال ونصبتها إلى الحائط وجعلت لمن يصعد إليها ويأتيني بخبر ما فيها عشرة آلاف درهم فانتدب لذلك رجل من أصحابي يتسنم ويقرأ ويتعوذ‏.‏

فلما صار على سورها وأشرف على ما فيها قهقه ضاحكاً ونزل إليها فناديناه أن أخبرنا بما فيها وبما رأيته فلم يجبنا‏.‏

فجعلت لمن يصعد ويأتيني بخبر ما فيها وخبر الرجل ألف دينار فانتدب رجل من حمير وأخذ الدنانير ثم صعد‏.‏

فلما استوى على السور قهقه ضاحكاً ثم نزل إليها فناديناه أن أخبرنا بما ترى فلم يجبنا‏.‏

فصعد ثالث وكان حاله مثل حال الرجلين فامتنع أصحابي بعد ذلك من الصعود فلما أيست عنها رحلت نحو البحيرة وسرت مع سور المدينة فانتهيت إلى مكان من السور فيه كتابة بالحميرية فأمرت بانتساخها فكانت‏:‏ ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن يرجو الخلود وما حيٌّ بمخلود‏!‏ لو انّ حيّاً ينال الخلد في مهلٍ لنال ذاك سليمان بن داود سالت له العين عين القطر فائضةً فيه عطاءٌ جزيلٌ غير مصرود وقال للجنّ أنشوا فيه لي أثراً يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودي فصيّروه صفاحاً ثمّ ميل به إلى البناء بإحكامٍ وتجويد وأفرغوا القطر فوق السّور منحدراً فصار صلباً شديداً مثل صيخود وصبّ فيه كنوز الأرض قاطبةً وسوف تظهر يوماً غير محدود لم يبق من بعدها في الأرض سابغةً حتى تضمّن رمساً بطن أخدود هذا ليعلم أنّ الملك منقطعٌ إلاّ من الله ذي التقوى وذي الجود قال‏:‏ ثم سرت حتى وافيت البحيرة عند غروب الشمس فإذا هي مقدار ميل في ميل كثيرة الأموج فإذا رجل قائم فوق الماء فناديناه‏:‏ من أنت فقال‏:‏ أنا رجل من الجن‏!‏ كان سليمان بن داود حبسه والذي في هذه البحيرة‏.‏

فأتيته لأنظر ما حاله قلنا له‏:‏ فما بالك قائماً فوق الماء قال‏:‏ سمعت صوتاً فظننته صوت رجل يأتي هذه البحيرة في كل عام مرةً وهذا أوان مجيئه فيصلي على شاطئها أياماً ويهلل الله ويمجده‏.‏

قلنا‏:‏ من تظنه قال‏:‏ أظنه الخضر عليه السلام‏.‏

فغاب عنا فلم ندر كيف أخذ‏.‏

قال‏:‏ وكنت أخرجت معي عدة من الغواصين فغاصوا في الماء فرأوا حباً من صفر مطبقاً رأسه مختوماً برصاص فأمرت به ففتح فخرج منه رحل من صفر على فرس بيده رمح مطرد من صفر فطار في الهواء وهو يقول‏:‏ يا نبي الله لا أعود‏!‏ ثم غاصوا ثانية وثالثة فأخرجوا مثل هذا فضجوا خوفاً من قطع الزاد‏.‏

فأخذت الطريق التي سلكتها أولاً حتى عدت إلى قيروان والحمد لله الذي حفظ لأمير المؤمنين أموره وسلم له جنوده والسلام‏.‏

قال‏:‏ فلما قرأ عبد الملك كتاب موسى وكان عنده الزهري قال له‏:‏ ما تظن بأولئك الذين صعدوا السور قال الزهري‏:‏ يا أمير المؤمنين لأن لتلك المدينة جناً قد وكلوا بها‏!‏ قال‏:‏ فمن أولئك الذين يخرجون من الحباب ويطيرون قال‏:‏ أولئك مردة الجن الذين حبسهم سليمان بن داود عليه السلام في البحار هذا ما رواه ابن الفقيه‏.‏

وقال أبو حامد الأندلسي‏:‏ دور مدينة النحاس أربعون فرسخاً وعلو سورها خمسمائة ذراع فيما يقال‏.‏

ولها كتاب مشهور في كتابها أن ذا القرنين بناها والصحيح أن سليمان بن داود عليه السلام بناها‏.‏

وليس لها باب ظاهر وأساسها راسخ وان موسى بن نصير وصل إليها في جنوده وبنى إلى جانب السور بناء عالياً متصلاً به وجعل عليه سلماً من الخشب متصلاً بأعلى السور وندب إليه من أعطاه مالاً كثيراً‏.‏

وأن ذلك الرجل لما رأى داخل المدينة ضحك وألقى نفسه في داخل المدينة وسمعوا من داخل المدينة أصواتاً هائلة ثم ندب إليه آخر وأعطاه مالاً كثيراً وأخذ عليه العهد أن لا يدخل المدينة ويخبرهم بما يرى فلما صعد وعاين المدينة ضحك وألقى نفسه فيها وسمعوا من داخلها أصواتاً هائلة أيضاً ثم ندب إليه رجلاً شجاعاً وشد في وسطه حبلاً قويا فلما عاين المدينة ألقى نفسه فيها فجذبوه حتى انقطع الرجل من وسطه‏.‏

فعلم أن في المدينة جناً يجرون من علا على السور فأيسوا منها وتركوها‏.‏

وذكر أبو حامد الأندلسي في وصف مدينة النحاس قصيدة منها‏:‏ وتقبّل الملكوت ربعي حيث ما فلك البروج يجرّ في سجداته والرّيح يحمله الرّخاء فإنّما شهرين مطلعها إلى روحاته كالطّود مبهمةً بأسٍّ راسخٍ أعيا البريّة من جميع جهاته والقطر سال بها فصاغ مدينةً عجباً يحار الوهم دون صفاته حصن النّحاس أحاط من جنباتها وعلى غلوّ السّهم في غلواته فيها ذخائره وجلّ كنوزه والله يكلأها إلى ميقاته في الأرض آياتٌ فلا تك منكراً فعجائب الأشياء من آياته مراغة مدينة كبيرة مشهورة من بلاد آذربيجان قصبتها‏.‏

وهي كثيرة الأهل عظيمة القدر غزيرة الأنهار كثيرة الأشجار وافرة الثمار‏.‏

بها آثار قديمة للمجوس ومدارس وخانقاهات حسنة‏.‏

حدثني بعض أهلها أن بها بستاناً يسمى قيامتاباذ فرسخ في فرسخ وأن أربابه لا يقدرون على تحصيل ثمرتها من الكثرة فتتناثر من الأشجار‏.‏

وبقرب قيامتاباذ جمة يفور الماء الحار عنها يأتيها أصحاب العاهات يستحمون بها وتنفعهم‏.‏

وهي عيون عدة أكثر ما يأتيها الزمنى والجربى‏.‏

فإذا انفصل هذا الماء عن الجمة ويجري على وجه الأرض يصير حجراً صلداً‏.‏وخارج المدينة غار يدخله الإنسان يرى فيه شبه البيوت والغرف فإذا أمعن يرى فيه شيئاً صليباً لا يقرب منه أحد إلا هلك يزعمون أنه طلسم على كنز والله أعلم‏.‏

وبها جبل زنجقان وهو جبل بقرب مراغة به عين ماء عذب يعجن به الدقيق فيربو كثيراً ويحسن خبزه والخبازون يخمرون أدقتهم به ويصير هذا الماء حجراً ينعقد منه صخور ضخام يستعملها الناس في أبنيتهم‏.‏

ومن مفاخرها القاضي صدر الدين المعروف بالجود والكرم وفنون الخيرات وصنوف المبرات من خيراته سور مدينة قزوين الذي عجز عن مثله أعظم ملوك زماننا فإنه بنى أبواب المدينة بالآجر في غاية العلو وبقية السور بالطين وشرفاتها بالآجر والمدينة في غاية السعة‏.‏

وحكي أنه أراد أن يتخذ لنفسه قبراً بقرب حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلى أمير المدينة وأعلمه ذلك فشرط أن يبعث إليه ملء جراب ذهباً‏.‏

فقال القاضي‏:‏ ابعث إلي الجراب حتى أملأه ذهباً‏!‏ فلما رأى أمير المدينة كبر همته وسماحة نفسه بعث إليه اذن عناق ومكنه من ذلك‏.‏

فلما توفي دفن في المدينة وموضع رأسه قريب من قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وحكى الشيخ نور الدين محمد بن خالد الجيلي وكان من الابدال في كتاب صنفه في كراماته وعجائب حالاته قال‏:‏ رأيت فوجاً من الملائكة لا يدرك عددهم ومعهم تحف وهدايا فسألت‏:‏ إلى من هذه الهدايا قالوا‏:‏ إلى قاضي مراغة‏.‏

قلت‏:‏ ما هو إلا عبد مكرم‏!‏ قالوا‏:‏ ان هذه له لكرامته رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

. مربيطر

مدينة بالأندلس بقرب بلنسية قال صاحب معجم البلدان‏:‏ إن فيها الملعب ذا العجائب لست أعرف كيف يكون ذلك وذاك أن الإنسان إذا نزل فيه صعد وإذا صعد عليه نزل إن صح ذلك فإنه ذو العجائب جداً‏.‏

المستطيلة قال أبو القاسم الجهاني‏:‏ إنها بلاد بأرض الروم على ساحل البحر‏.‏

المطر بها دائم صيفاً وشتاء بحيث أهلها لا يقدرون على دياس بيادرهم وإنما يجمعونها في السنابل ويفركونها في بيوتهم‏.‏

بها بزاة كثيرة عدد الغربان عند غيرهم لكنها ضعيفة رخوة لا تقدر على أخذ الدجاج وأمثالها‏.‏

المصيصة مدينة بأرض الروم على ساحل جيحان‏.‏

كانت من ثغور الإسلام وهي الآن بيد أولاد ليون سميت بالمصيصة بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح عليه السلام قال المهلبي‏:‏ من خاصية هذه المدينة الفراء المصيصية التي لا يتولد فيها القمل وإذا غسلتها لم تتغير عن حالها وتحمل إلى سائر البلدان وربما بلغت قيمة الفروة منها ثلاثين ديناراً‏.‏

 مدينة النساء

مدينة كبيرة واسعة الرقعة في جزيرة في بحر المغرب قال الطرطوشي‏:‏ أهلها نساء لا حكم للرجال عليهن يركبن الخيول ويباشرن الحرب بأنفسهن ولهن بأس شديد عند اللقاء ولهن مماليك يختلف كل مملوك بالليل إلى سيدته ويكون معها طول ليلته ويقوم بالسحر ويخرج مستتراً عند انبلاج الفجر فإذا وضعت إحداهن ذكراً قتلته في الحال وإن وضعت أنثى تركتها وقال الطرطوشي‏:‏ مدينة النساء يقين لا شك فيها‏.‏

آثار البلاد وأخبار العباد زكريا بن محمد بن محمود القزويني

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Géographie médiévale / رحلة - Ecrire un commentaire
Lundi 13 avril 2009 1 13 /04 /Avr /2009 06:09

وبعد فلما تكررت رغبات الأصحاب، شملنا الله وإياهم بسعادته، لإمضاء ما كانت النية اعتقدته، وتبييض ما غدت الهمة قد سودته: من كتاب حاو لأسماء أعيان المالكية وأعلامهم، وتبين طبقاتهم وأزمانهم، وجمع عيون فضائلهم وآثارهم، ونظم نثر فنون سيرهم وأخبارهم، تشمل منفعته، وتجمل معرفته، وتستغرب فوائده، وتستعذب مصادره وموارده، إذ هو فن لم يتقدم فيه تأليف جامع، ولا اختص به تصنيف رائع، يوصل الطالب إلى الغرض، ويقف بالراغب على البغية، مع شدة حاجة المجتهد والمقلد إليه، وضرورة الفقيه والمتفقه إلى ما ينطوي عليه، إلا ما جمعه عبد الله بن محمد بن أبي دليم القرطبي، من ذلك، ومحمد بن حارث القروي، مع تقدم زمنهما، وما اقتضته الشيخ أبو إسحاق الفيروزأبادي في موضع ذكرهم من مختصره، وكل الكتب فما شفت غليلاً، ولا تضمنت من الكثير إلا قليلاً، على أن ابن أبي دليم اتسع اتساعاً حسناً، فيمن ذكره من المغاربة، من أتباع رواة مالك: من المصريين والأندلسيين، وطائفة من القرويين، واقتصر على ذكر طبقاتهم، دون شيء من أخبارهم، وبيان أحوالهم، ولم يجز لأحد من الحجازيين والمشرقيين ذكراً، على جلالة مكانهم، وكثرة أعلامهم، قال القاضي: ولم أزل، منذ سمعت همتي لمعرفة هذا الفن، وتحركت نيتي للاطلاع عليه، أستقرىء سبل مسالكه، وأفحص عن وجوه مداركه وأقيد أثناء مطالعتي شوارده، وأجود، مدة بحثي، جوائده، إلى أن اجتمع لي من ذلك، بعد طول المباحثة الشديدة، والعناية التامة، والمطالعة المتواترة، ما وجدته بغية وغنية، وبسط لي في تحريره أملاً ونية، ولم ألق أحداً ممن يعتنى بقوله، ويلتفت إلى حسن رأيه، ممن وقف على نبذ من أمره، وانتهى إليه رش من ذكره، إلا قلقاً إلى تمامه، شديد التعطش إلى كماله، محرضاً على صرف العناية إلى تحريره وتهذيبه، راغباً في تقريب الفائدة بنظمه وتبويبه، والنفس تمطل بذلك وتسوف، وتوالي القواطع والشواغل تصدف عن ذلك وتصرف إلى أن انبعثت الآن عزمة مصممة للتفرغ، وترتيب مضمنه وتصنيفه. فاستخرت الله تعالى على ذلك، واستعنته، جل اسمه، لتوطئة هذه المسالك، وجمعت قراطيس فقبضتها، عما استودعتها، وطالعت تآليفي فوقفت على خفي أسرارها، واستشبت محفوظاتي فأنجدتني أذكارها، فنظمت منثورها، وفصلت شذورها، ورتبت أعجازها وصدورها، وأبرزت تأليفاً مفرداً في مضمونه، بالغاً فيما قصر عليه من أنواع هذا العلم وفنونه، واقتضى النظر بين يدي الغرض تقديم مقدمات تمس الحاجة إليها، ونتمم الفائدة بالوقوف عليها، تشتمل على أبواب في ذكر المدينة وفضائلها، وتقديم علمائها وعملها، ووجوب الحجج بإجماع أهلها، وترجيح مذهب مالك بن أنس، أمامها، وتقصيت هذه الأبواب تقصياً يشفي الغليل، ونعمتها نظراً يقف بالمنصب على سواء السبيل، ثم قفيته باقتداء الأئمة وثناء العلماء عليه، ونشر فضائله وما أضيف من السر إليه، إلى سائر ما يحتاج إليه، من معرفة تاريخه ونسبه، ويتطلع إليه من مجاري أحواله في معاشرته وأدبه، واستوعبت في هذه الجملة باختصار فنونها، والاقتصار على عيونها، ما طالت به تواليف جمة، وشحنت به مجلدات عدة. إذ ألف فضائل مالك وأخباره جماعة من الأئمة، والسلف والخلف من فرق هذه الأمة، فممن ألف في ذلك وأطال القاضي أبو عبد الله التستري المالكي له في ذلك ثلاث مجلدات ومثل ذلك أبي الحسن بن فهر المصري ولأبي محمد الحسن بن اسماعيل الضراب وألف في ذلك القاضي أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، وأبو بشر الدولابي، وأبو العرب التميمي، والقاضي أبو الحسن بن المنتاب وأبو علاثة محمد بن أبي غسان وأبو اسحاق بن شعبان والزبير بن بكار القاضي الزبيري، وأبو بكر محمد بن محمد اليقطيني، وأبو نصر بن الحباب الحافظ، وأبو بكر ابن أبي دراوية الدمشقي، والقاضي أبو عبد الله البرنكاني وأبو محمد الجارود، والحسن بن عبيد الله الزبيري، وأحمد بن مروان المالكي، والقاضي أبو الفضل القشيدي، وأبو عمر المقاصي، وأحمد بن رشد بن جعفر، وأبو بكر بن محمد بن صالحا الأبهري، وأبو بكر بن اللباد، وأبو محمد عبد الله بن أبي زيد، وأبو عمر بن عبد البر الحافظ والقاضي أبو محمد بن نصر، وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبو ذر الهروي وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن حزم الصدفي، وابن الامام التطيلي، وابن الحارث القروي، وابن حبيب، والقاضي أبو الوليد الباجي، وأبو مروان بن الأصبغ القرشي النقيب.
وأكثر تعويلي فعلى كتابي التستري والضراب وتتبعت من غيرهما ما فيه زيادة فائدة أو نادرة لم تقع فيهما، وحذفت كثيراً مما أطالوا به من كلامه في التفسير والجوامع والرجال، إذ ليس من الغرض وله مظان أخر هي به أليق، ثم اثبت بعد ذلك جريدة في أسماء مشاهير الرواة عن مالك وحملة الفقه والعلم عنه، مختصة بالتعريف بهم معدات من تواريخهم وأخبارهم إذ قد اتسعنا في أخبار الفقهاء منهم بعد هذا، ومن عداهم فليس من غرضنا ذكرهم، ولم أقصد في هذه الورقات لاستيعاب كل من ذكرت له عنه رواية أو مجالسة أو سؤال إذ قد أودعنا ذلك كتاباً آخر في جمهرة رواة مالك انطوى على أزيد من ألف وثلاثمائة راو تقصيتها من الكتب المؤلفة في ذلك إذ ألفت في ذلك كتباً عدة ككتاب أبي الحسن الدار قطني الحافظ، وكتاب اسماعيل الضراب المصري، وأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي، وأبي اسحاق بن شعبان القرطبي، وأبي الحسن بن أبي عمر البلخي، وأبي عبد الله بن حارث القروي، وأبي نعيم الأصبهاني، ومنهم من بلغ الألف ومنهم من قصر دونها.
ومن الأندلسيين أبو عبد الله محمد بن مفرج، وعبد الله بن أبي دليم وهما أقل عدداً وأبو محمد عبد الرحمان بن محمد البكري وفي كل واحد من هذه الكتب ما لم يذكر الآخر، فتتبعت ذلك جهدي وأضفت إليه ما شذ عنها وندر، فيما طالعته من كتب أهل الحديث وغيرهم.
اقتصرنا في هذه الورقات على ذكر ألف اسم ممن عرف اسمه وصحت روايته وشهرت صحبته، ورأينا أن لا نخلي هذا الديوان من هذا القدر لتتم به فوائده وتكمل في فنه معارفه. وبعد هذا، اطردت أغراض التأليف واتسقت طبقات التصنيف، فابتدأنا بذكر الفقهاء من أصحابه خاصة، ثم باتباعهم طبقة طبقة وأخلافهم أمة بعد أمة، إلى شيوخنا الذين أدركناهم وأئمة زمننا الذين عاصرناهم ممن شهرت إمامته، وعرفت معرفته، أو ظهرت تواليفه ونقلت أقواله وامتثلت فتاويه وآراؤه، على حسب تقدم أزمانهم وتعاقب أوقاتهم، فأنبأنا بأسمائهم وأعربنا عن ألقابهم وأنسابهم وقيدنا مهملها لئلا يقع فيها تصحيف، وأزحنا علية مشكلها ليأمن من أطلع عليها من التحريف. فقد قال أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله النجرسي: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس. لأنه لا يداخله قياس لا قبله ولا بعده شيء يدل عليه، وقال علي بن المديني: أشد التصحيف التصحيف في أسماء الرجال.
وقد قال ابن جريج طلبت اسم جندع بن ضمرة ثماني سنين حتى عرفته وكثيراً ما شاهدت وسمعت في بعضها من التصحيف الشنيع ما يقبح ذكره ويشهد على الجاهل بها نقصه، وقد غلب على ألسنة الفقهاء أحمد بن ميسرة بكسر السين وصوابه بفتحها. كذا قيده عبد الغني وغيره. وكذاك أحمد بن المعذل كثير من يقوله بدال مهملة وصوابه بمعجمة، ومن ذكر الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في رواة سحنون من الأندلسيين: إبراهيم بن محمد بن زيان ولا يعرف ذلك في الأندلس وقد رده عليه أهل الصنعة، والأشبه أنه ابن بلز وهو من جلة تلك الطبقة وكذلك صنع في أسماء كثيرة منهم في أنسابهم وذكرهم في غير طبقاتهم فأما تمييز المشتبه منها فمما لا يقف عليه إلا التحرير، ولا يعرفه إلا الفطن بهذا الباب البصير.
ولقد بعث لسحنون في محمد بن رزين وقد بلغه أنه يروي عن عبد الله ابن نافع فقال له أنت سمعت ابن نافع? فقال: أصلحك الله إنما هو الزبيري وليس بالضائع. فقال له: ولم دلست? ثم قال سحنون: ماذا يخرج بعدي من العقارب. فقد رأى سحنون وجوب بيانها، وإن كانا ثقتين إمامين.
حتى لا تختلط روايتاهما وأقوالهما فإن الصائغ أكبر وأقدم وأثبت في مالك، لطول صحبته له. وهو الذي خلفه في مجلسه بعد ابن كنانة، وهو الذي يحكي عنه سحنون ويحيى بن يحيى ويرويان عنه ولم يسمع سحنون منه سماعاً وإنما سمعه من أشهب كما نذكره بعد، ووفاته سنة ست وثمانين ومائة.
والزبيري من متأخري أصحاب مالك وهو شيخ ابن حبيب وسعيد بن حسان ووفاته سنة ست عشرة ومائتين وكثيراً ما تختلط رواياتهم عند الفقهاء، حتى لا علم عند أكثرهم بأنهما رجلان، وربما جاءت رواية أحدهما مخالفة لرواية الآخر، فيقولون في ذلك اختلاف من رواية ابن نافع عن مالك وقد وهم فيهما عظيم من شيوخ الأندلسيين بعد أن فرق بينهما، لكنه زعم أن صاحب السماع هو الزبيري وأنه المذكور في العتيبة، ومثل ذلك علي ابن زياد التونسي وعلي بن زياد الاسكندراني كلاهما من أصحاب مالك فاضل مشهور. فالأول الفقيه شيخ سحنون وغيره، والآخر صالح يعرف بالمحتسب. وقد جرى ذكر ابن زياد مرة بحضرة من يفهم هذا الباب، فلم يكن عنده شك أن الفقيه المذكور اسكندارني فقلت له هما اثنان وأوقفته على من قال ذلك بمعرفة، هذا مما يضطر إليه، لا سيما إذا كان بينهما فرق في العلم ومزية في العدالة والفضل. ثم ذكرنا من مولدهم ووفاتهم وذكر مشايخهم ورواتهم وتصنيف أزمانهم وطبقاتهم ما انتهى ألينا علمه، وصح عندنا نقله، لتعرف بذلك أوقاتهم ولتبين في التقدم والتأخر درجاتهم، ويتميز بذلك المتصل من المنقطع من روايتهم. وكثيراً ما يخلط الفقهاء هذا الباب، وربما حكوا الرواية وأسندوها عن المتقدم عن المتأخر إذا اشتبهت عليهم طبقاتهم ولم تتميز لهم أوقاتهم وقد شاهدت معظماً منهم ذكر عن ابن حارث الفقيه مسألة، قال فيها ابن حارث: وقد شاهدت أحمد بن نصر يفتي بذلك.
فحمل هذا الشيخ أنه ابن نصر الداودي المتأخر وطبقته بعد ابن حارث توفى ابن حارث سنة اثنين وستين وثلائمائة، وتوفى الداودي سنة اثنين وأربعمائة. وإنما أراد ابن حارث أحمد بن نصر بن زياد الهواري من أصحاب ابن سحنون، وابن عبدوس كاتب القاضي همام ووفاته سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فلو عرف الشيخ، والله أعلم، أنهما اثنان وميز طبقتهما لما سقط هذا السقوط ولعدم المعرفة بهذا وهم جماعة فعدوا في الرواة عن مالك وأصحابه من لا تصح عنه رواية ولا جمعه معه زمن والله أعلم. فلقد ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن أبا يحيى الوقار ممن سمع من مالك، وعده في طبقة أصحابه ولم يذكر هذا أحد ممن جمع رواة مالك وإنما عدوه في أتباع أصحابه وهو الصحيح والله أعلم. وكذلك ذكر أبو إسحاق ابن شعبان إبراهيم بم محمد بن باز الأندلسي في رواة مالك، وهو من أصحاب سحنون مولده بعد وفاة مالك بمدة وتوفى سنة أربع وسبعين ومايتين وكذلك ذكر أبو بكر الخطيب، على تقدمه وحفظه، عبد الملك بن حبيب في الرواة عن مالك وأدخل له حديثاً عن المغيرة عنه، وهو غلط عظيم، لاسيما من مثله. وعبد الملك ابن حبيب إنما رحل سنة ثمان ومايتين بعد موت مالك بسنتين على ما تراه في أخباره إن شاء الله تعالى.
وكذلك ما ذكره الشيرازي أيضاً أن عبد الملك بن حبيب تفقه أولاً بيحيى وعيسى وحسين بن عاصم هو وهم.
هؤلاء نظراؤه، وإنما تفقه أولاً بشيوخ هؤلاء الأندلس زياد وصعصعة والغازي بن قيس ونظرائهم، وكذلك ذكره عبد الله بن غافق في طبقة سحنون، وزعم أ،ه سمع من علي بن زياد باطل، هو من أصحاب سحنون وليس من ذوي الأسنان منهم، ومولده بعد موت علي بن زياد بأزيد من عشرين سنة كما سنذكره، وكذلك ذكر الرازي في استيعابه وأحمد بن عبد البر أن عيسى بن دينار سمع من مالك ورحل مع زياد وأقام بعده، وهذا كله وهم. وسنبين ذلك كله في مكانه إن شاء الله تعالى مع أمثاله. ثم ذكرنا بعد هذا من فضائلهم ومناقبهم وثناء الأجلاء عليهم وتوثيق المزكي من الذكاء والعدالة ومراتبهم في العلم والرواية ومن تكلم فيه منهم على قلتهم أوعد منهم في أول التقدم والإمامة، مع ما يحتاج إليه الناظر المجتهد فيمن يعتمد بخلافه وأجماعه، ويضطر إليه المتفقه والمقلد في معرفة من يدين بإمامته وأتباعه. ودحضنا الدلس عن قوم منهم تحامل المتعصبون عليهم، أو تجمل أهل الريب بإضافتهم إليهم.
وقد صح وعرف خلاف ذلك بما سنجلبه إن شاء الله تعالى، إذ نزه الله تعالى أهل هذا المذهب عما خالط من الهوى سواهم من أهل المذاهب، وعصمهم من علة الافتراق والتدابير فليس في أيمتهم بحمد الله من صحت عنه بدعة، ولا من اتفق أهل التزكية على تركه لكذب أو جرحة، وإن كان أبو خيثمة زهير بن حرب تكلم في أبي مصعب الزهري، ويحيى بن معين في إسماعيل بن أبي أويس ويحيى بن بكير. فما ضرهم ذلك. قد خرج عنهم إمام المعدلين صاحب الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري، إذ لم ينسبهم إلى كذب ولا ريبة، وإن كان الباجي تعسف فيما نقله على عبد الملك بن الماجشون في علله، فالصحيح عنه ضد ذلك وهو المشهور من مذهبه حسبما نبينه عند ذكر كل واحد منهم في موضعه.
وكذلك صنع يحيى بعبد الله ابن عبد الحكم فلم يقلد في قوله، وقد خالفه أبو حاتم الرازي في ذلك وغيره كما أن قول القاضي أبي الوليد رحمه الله في القزويني أنه مجهول غير ملتفت إليه وكذلك قال في الصالحي فلو اعتنى رحمه الله بهذا الباب لعلم أن الصالحي هو أبو بكر محمد بن صالح الأبهري، ولما قال فيه هذا ولنفى حال أبي سعيد القزويني وجلالته وإمامته في العلم، وحسن تصانيفه فصحح روايته ولم يرتب في نقله وكذلك ذكر في ابن خويز منداد وهو في شهرته وكثرة تصانيفه حيث لا يذكر أنه مجهول، وقال أن أحداً من أيمتنا البغداديين لم يذكروه، وهذا الشيرازي قد ذكره في كتابه وهذا أبو محمد عبد الوهاب يحكي عنه ويقول فيه، وقال أبو عبد الله البصري وأنت أيها المنصف متى اعتبرتهم مع غيرهم وجدتهم أصح يقيناً وأمتن ديناً وأكثر أتباعاً وأزكى صحابة وأتباعاً حتى أن سيئاتهم حسنات سواهم، وما ينتقد بعضهم على بعض لا يلتف إليه من عداهم، ولهذا قال سحنون رحمه الله: المدني إذا لم يكن هكذا. يريد في الدين وشديده أيسر شيئاً أو كما قال، وفي كتاب الحكم المستنصر إلى الفقيه أبي إبراهيم، وكان الحكم ممن طالع الكتب ونقر عن أخبار الرجال تنقيراً لم يبلغ فيه شأوه كثير من أهل العلم، فقال في كتابه وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه ممن زين على قلبه وزين له سوء عمله وقد نظرنا طويلاً في أخبار الفقهاء وقرأنا ما صنف في أخبارهم إلى يومنا هذا فلم نر مذهباً من المذاهب غيره أسلم منه فإن فيهم الجهمية والرفضية والخوارج والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك رحمه الله تعالى فإنا ما سمعنا أحداً ممن تقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع، فالاستمساك به نجاة إن شاء الله تعالى.
وقد مزق القرويون أسمعتهم من ابن أبي حسان وطرحوها على بابه لكلمة برزت منه لأمير افريقية حرضه بها على العصاة لا يبعد صوابها في بعض الأحوال كان الأولى بمثله غيرها، لامامته وفضله وتقدمه ستأتي مستوعبة إن شاء الله، ولهذا ماتركوا الحمل عن محمد بن رشيد، وكان ثقة من نمط سحنون وإليه كانت الرحلة معه لتساهل رئي منه في المعاملة، وترخص في العينة والأخذ برأي من لم ير الذريعة فتركوه حتى لما مات لم ينظر سحنون في تركته، وأسندها إلى حبيب صاحب مظالمه، قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه: ثم جمعت من أخبارهم وقصصهم وفقر من سير حكامهم وقضاتهم ونوادر من فتاوى فقهائهم وأيمتهم ما يحتاج إليه ولا غنى بالعلماء عنه وأثبتنا من حكم حكمائهم ورقائق وعاظهم ومناهج صلحائهم وزهادهم، ما ترجى بركته ولا تخيب إن شاء الله تعالى منفعته، وقد قال سفيان بن عينية رحمه الله تعالى: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وقال أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من الفقه، لأنها آداب القوم، وقال بعض المشايخ: الحكايات جند من جنود الله يثبت بها قلوب أوليائه. قال وشاهده قوله تعالى وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. وذكرنا من محن ممتحينهم وبلايا مبتليهم ما فيه مسلاة للممتحنين وأدلة على ثبات قدمهم في الصالحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشدهم - يعني الناس - بلاء، الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، وإنما يبتلى المرء على قدر إيمانه، فإن كان إيمانه شديداً كان البلاء عليه أشد، حتى أن العبد يمشي على الأرض ما عليه خطيئة، وقال: إذا أحب الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرعه.
وذكرنا من بلدانهم وأوطانهم ورجالهم وقضاتهم إذ كان ينبوع هذا المذهب بالمدينة فيها تفجر ومنها انتشر، فكانت المدينة كلها على ذلك الرأي وخرج منها إلى جهات من الحجاز واليمن فانتشر هنالك بأبي قرة القاضي ومحمد بن صدقة الفركي وأمثالهم، واستقر ببلاد العراق بالبصرة فغلب عليها بابن مهدي والقعنبي وغيرهما ثم باتباعهم من ابن المعذل، ويعقوب بن شيبة آل حماد بن زيد إلى أن دخلها بعض الشافعية فتشارك المذهبان جميعاً إلى وقتنا هذا وكان آخر الأئمة بها من المالكية في زمننا ومرتبة شيوخنا أبا يعلى العبدي، وابا منصور بن باخي، وأبا عبد الله بن صالح، فدخل هذا المذهب بغداد وغيرها من بلاد العراق فانتشر بها مع غيرها من المذاهب ولكنه غلب وفشي أيام قضاء آل حماد بن زيد وانقطع ببغداد فلم يبق له بها إمام من نحو الخمسين والاربعمائة عند وفاة أبي الفضل بن عبدوس، ثم سكنها ابن صالح بعد التسعين،وأما خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أولاً بيحيى بن يحيى التميمي، وعبد الله بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، فكان له هنالك أئمة على مر الأزمان. وفشى بقزوين وما والاها من بلاد الجبل، وكان آخر من درس منه بينسابور أبو إسحاق بن القطان وغلب على تلك البلاد مذهبا أبي حنيفة والشافعي ودخل أيضاً من أيمة هذا المذهب إلى بلاد فارس القاضي أبو عبد الله البركاني ولي قضاء الأسوار وانتشر عنه هذا المذهب وغلب على بلاد فارس مذهب داود. وأما الشام فكان بها من أصحاب مالك الوليد بن مسلم وأبو مسهر ومروان بن محمد الططوي وغيرهم وغلب عليها أولاً مذهب الأوزاعي ثم دخلتها المذاهب. وأما أرض مصر فأول أرض انتشر بها مذهب مالك بعد المدينة وغلب عليها وأطبق أهلها على الاقتداء به إلى أن قدم عليهم الشافعي فكان واحداً منهم فيهم إلى أن كثر عليه فتيان ابن أبي السمح من فقهائهم وجرت بينه وبينهم خطوب اقتضت تحيزه مع أصحابه كما سنذكره في موضع ذكره، فنبه بها حينئذ مذهب الشافعي وكثر أصحابه والمتعصبون له ومنها انتشر في الآلإاق، ومذهب مالك في كل ذلك ظاهر بها غالب عليها إلى وقتنا هذا. ودخلها أئمة من أصحاب أبي حنيفة، وأما أفريقية وما وراءها من المغرب فقد كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين، إلى أن دخل علي بن زياد وأبن أشرس والبهلول بن راشد، وبعدهم أسد بن الفرات وغيرهم بمذهب مالك فأخذ به كثير من الناس ولم يزل يفشو إلى أن جاء سحنون فغلب في أيامه وفض حلق المخالفين واستقر المذهب بعده في أصحابه فشاع في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا، وكان بالقيروان قوم قلة في القديم أخذوا بمذهب الشافعي ودخلها شيء من مذهب داوود، ولكن الغالب إذ ذاك مذهب المدينة والكوفة، وكان الظهور في دولة بني عبيد لمذهب الكوفيين لموافقتهم إياهم في مسألة التفضيل، فكان فيهم القضاء والرئاسة وتشرق قومهم منهم لمسرتهم واصطياداً لدنياهم وأخرجوا أضغاثهم عن المدنيين فجرت على المالكية في تلك المدة محن، ولكنهم مع ذلك كثير.
والعامة تقتدي بهم والناشىء فيهم ظاهر إلى أن ضعفت دولة بني عبيد بها، من لدن فتنة أبي يزيد الخارجي فظفروا وأفشوا علمهم وصنفوا المصنفات الجليلة وقدم منهم جلة طار ذكرهم بأقطار الأرض ولم يزل ألأمر على ذلك إلى خربت القيروان.
وأهلها وجهاتها وسائر بلاد المغرب مطبقة على هذا المذهب، مجمعة عليه، لا يعرف لغيره قائم.
وأما أهل الأندلس فكان رأيها مذ فتحت على رأي الزاعي، إلى أن رحل إلى مالك زياد بن عبد الرحمن وقرعوس بن العباس والغازي ابن قيس ومن بعدهم بعلمه وأبانوا للناس فضله واقتداء الأئمة به، فعرف حقه ودرس مذهبه إلى أن أخذ أمير الأندلس إذ ذاك هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الناس جميعاً بالتزامهم مذهب مالك وصير القضاء والفتيا عليه وذلك في عشرة الشبعين ومائة من الهجرة في حياة مالك رحمه الله تعالى، وشيخ المفتيين يومئذ صعصعة بن سلام إمام الأوزاعية وروايته، وقد لحق به من أصحاب مالك عدة فالتزم الناس بها هذا المذهب وحموا بالسيف عن غيره جملة، وأدخل بها قوم من الرحالين والغرباء شيئاً من مذهب الشافعي وأبي حنيفة واحمد وداوود فلم يمكنوا من نشره فمات لموتهم على اختلاف أزمانهم إلا من تدين به في نفسه ممن لا يؤبه لقوله.
على ذلك مضى أمر الأندلس إلى وقتنا هذا، فبدأنا في كل طبقة بأهل المدينة ثم بمن والاها من جزيرة العرب ثم بأهل المشرق ثم كررنا على المصريين ومن ورائهم من المغاربة وختمنا بأهل الأندلس إلا من لم نجد له من أهل تلك البلاد في تلك الطبقة اسم منتقد إلى ما بعده على الرسم وانتقينا أثناء ذلك من نوادر ظرفائهم وملح آدابهم ومحاسن شعرائهم ما ينشط النفس عن كسلها ويصقل عنها ريق صدائها فقد قال علي رضي الله عنه: سلوا النفوس ساعة فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد. وذكرنا ما ينتحله كل واحد منهم من المعارف وما أضيف من الخصال إليه منبهنا على الغالب من أنواع العلوم عليه، وسمينا من تواليف مؤليفهم وإملاءات مصنيفهم ما لا غنى عنه، وما ينبه المتفقه على الاقتباس منه ولم نغال فيما جمعنا من ذلك تحرياً للاختصار لفنونه، وتحرياً للاقتصار على فصوصه وعيونه وحذفاً للطرق والأسانيد وضماً للتفاريق والأبادير، واستصفيناه من كبار تصانيف المحدثين وأمهات تآليف المؤرخين، ككتاب أبي عبد الله البخاري وعبد الله بن أبي حاتم وأبي الحسن الدار قطني والزبير بن بكار وأبي بكر بن حيان القاضي ووكيع في تاريخ القضاة، وكتب أبي جعفر الطبري والصولي وأبي كامل وكتاب أبي عمر الكندي، وأحمد بن يونس المصري في المصريين ومن تاريخ أبي عمر الصدفي القرطبي، ومن كتب أبي عبد الله بن حارث في القرويين والأندلسيين ومن كتب أبي العرب التميمي، وأبي إسحاق الرقيق الكاتب، وأبي علي بن البصري في القرويين وتعاليق وجدتها بخط الشيخ أبي عمران الفاسي في ذلك، وما وقع إلي من تاريخ أبي بكر بن أبي عبد الله المالكي في القرويين ومن تواريخ الأندلس ككتاب أبي عبد الملك بن عبد البر وكتاب الاحتفال لأبي عمر بن عفيف، والانتخاب لأبي القاسم بن مفرج وكتاب القاضي أبي الوليد بن الفرضي وتاريخ أبي مروان بن حيان، والرازين وكتاب أحمد بن عبد الرحمن بن مظاهر الطليطلي، وسى هذه الكتب، ككتاب ابن أبي دليم المتقدم ذكره، ومما وقع إلي من كتاب أبي بكر الخطيب في البغدادين، وأوراقاً جمعت للحاكم المستنصر بالله وجدت عليها خطه في كتاب في العراقيين، وما وقع من ذلك في كتاب الأمير أبي نصر وفي كتاب الشيخ أبي اسحق، وكتاب أبي عمر بن عبد البر في ذكر الأئمة الثلاثة ورواتهم وغير هذه الكتب مما عسى أن يكون وقع من غرضنا فيها التافه اليسير إلى ما تلقيناه من أفواه الرجال والتقطناه بفرط الاعتناء والاهتبال وأنا أضرع إلى ذي العزة والجلال أن لا يجعل حظي من هذا الكتاب مجرد التعب والسهر والنصب، وأن يحسن فيه النية ويكمل بعفوه عن زللنا المنة، وجدير لمطالعه أن يحسن الظن ولا يبادر إلى الطعن حتى يجيل النظر ويحقق ما أنكر، فإن تيقن بعد ذلة أصلحها أو وجد مبهمة أوضحها وأن يشكر ما كفيناه في جمعه من شغل الخاطر والفراغ للبحث والطلب المتواتر، ويعذر فيما عساه يعثر عليه من زلل خفي، أو ظاهر، فالغالب على المرء التقصير والأمر الذي ارتكبته خطير، ويفتقر القليل للكثير وصلى الله على سيدنا محمد البشير النذير

ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير - Ecrire un commentaire
Lundi 23 mars 2009 1 23 /03 /Mars /2009 13:25
As for hope, it is one of the spiritual stages of the common people. It means waiting for someone who is absent and looking for something that is missing. Hope is the lowest of the stations of mystical progression, because it can apply either to aloofness from God or to reapproachment with Him. Hope is, in effect, very close to falling into levity. The value of hope, as described in God's revelation, is: "Those (who believe)... may hope for Allah's mercy..." (Qur'ân 2:218) But this attitude means defeat in one's ascetic combat. In another place, we find: "He that hopes to meet his Loard must know that Allah's appointed hour is sure to come. He alone hears all and knows all." (Qur'ân 29:5)
Hope is alson discussed in the prophetic traditions, where it is shown to be useful in cooling down the heat of fear in a man, thus preventing desperation and discouragement. So hope is good therapy for the malady of fear, and it is precisely fear that most often afflicts the common men of our sect. For the chosen sufis, on the other hand, hope is either a mere complaint or a quiet considerationof recompense. Hope is actually a form of blindness, because the slave on the path of piety and benevolence is already in the sea of God's generosity and sympathy. He is submerged under such a torrent of charity that he is no longer able to see the grace of his Master. Also concealed is what he knew of man's two abodes (this world and the next). So hope is weakness, shackles, transitorinen and infirmity. Hope applied to love results eventually in stagnation. God said: "Would you serve false gods instead of Allah?" (Qur'ân 37:86) His existence, His generosity, and His patience leave no goal for the mystics; His generosity leaves them no hope; His comprehensive love in the two worlds leaves no marks on their hearts:
"Do you not see how your Loard lengthens the shadows." (Qur'ân 25:45)
"If three men talk in secret together, He is their fourth;..." (Qur'ân 58:7)
Someone asked: "What is the goal of those who seek intuitive knowledge?" The mystic replied:
"Continuity of the object of that intuition."-whereby he meant the permanence of the will of God and the obliteration of individual choice, because God eternally preserves the object of intuition in His very being. "That which is not true must then be false." (Qur'ân 10/33)It is related that an Arab's female riding-camel lost its way during a night that was pitch-dark. He searched a great deal for his camel, but to no avail. When the moon came out its light spread everywhere, and the Bedouin saw his camel kneeling down with its saddle in a valley. He was delighted, because he had already passed that valley, and the darkness had prevented him fron seeing the animal. So the Arab lifted his head and addressed the moon:
"What can I say, since my emotion chokes me, And you have saved me the trouble of speaking in detail?
If I say you are still risen there, it is surely true. Or if I say that my Master has eclipsed you, it is also true."
And so those who know God have neither hope to cling to nor aspiration to enslave them. Their uppermost hope is that He care slightly for them, and indeed their conditions are apparent to Him. For that reason, the Prophet of God talked as follows about the pleasures of those who dwell in paradise:
"They have in paradise what no eye has ever seen, what no ear has ever heard, and what has never occurred to a human; it is a treasure different from all thet you are acquainted with."
If such is the reward of those in paradise, can you begin to imagine the reward of those mystics whose bearts have merged with God Almighty? One of them has said:
"Tell my hopes to go away!
Let my friends fulfil my promise.
I used to enjoy You as a bosom friend,
One who was kind and pleasing to me.
But now I feel the breeze from the garden of Your Unity.
And I see You as a misty shadow.
With the appearance of such signs,
I have no need for any guide."
God said: "Those that fight for Our cause We will surely guide to Our own paths. Allah is with the righteous." (Qur'ân 29:69)
IBN AL-ARIF, Mahâsin al-Majâlis, translated by William Elliott and Adnan K. Abdulla, Avebury, 1980, pp., 50-56.
Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Mystique التصوف - Ecrire un commentaire
Vendredi 13 mars 2009 5 13 /03 /Mars /2009 22:51

Quand Abd Allah ben Yassyn arriva au pays de Temsna, il apprit que, sur les bords de la mer, vivaient des tribus Berghouata en nombre considérable, et que ces tribus étaient idolâtres, infidèles, perverties, et suivaient une détestable religion ; on lui raconta que les Berghouata ne descendaient ni d'un seul père, ni d'une seule mère, mais que c'était un mélange de plusieurs tribus berbères, réunies dans le temps sous les ordres de Salah ben Thryf, qui prétendait. Être prophète et vint fixer sa résidence à Temsna, sous le règne de Hischam ben Abd el-Malek ben Mérouan ; il était originaire (que Dieu le maudisse !) de Bernatha, forteresse de la province de Chedouna (Sidonia), en Andalousie, et ses premiers disciples furent appelés Bernathy, dont les Arabes firent Berghouaty, d'où leur nom de Berghouata. Salah ben Thryf, le prétendu prophète, était un scélérat, de race juive, descendant des Ouled Chemaoum ben Yacoub (à lui le salut !) ; et avait surgi, en effet, à Bernatha, en Andalousie. De là il était allé en Orient, et s'était instruit chez Obeïd el-Moutazly el-Kadary, auprès duquel il s'occupa de magie et acquit beaucoup d'art ; alors il revint au Maghreb et s'établit à Temsna où il trouva une population de Berbères ignorants, aux yeux desquels il fi t briller l'Islamisme en leur prêchant la continence et la piété. Puis il commença à s'emparer de leur esprit et de leur affection par sa magie, son éloquence et les tours de toute espèce dont il les émerveillait, au point que ces Berbères ne tardèrent pas à croire à ses vertus et à sa sainteté, qu'ils en fi rent leur chef et suivirent ses conseils dans toutes leurs affaires, se soumettant à ses ordres et à ses

défenses. Ce fut alors qu'il se prétendit prophète, et prit le nom de Saleh el-Moumenyn (le vertueux parmi les Croyants), leur disant : «Je suis bien le Saleh el-Moumenyn dont Dieu a parlé dans son livre chéri, qu'il a fait descendre à notre seigneur Mohammed (que Dieu le couvre de sa miséricorde et du salut !)» et en même temps il établit une religion qu'ils adoptèrent. C'était en l'an 125. Cette hérésie, instituée par Salah ben Thryf, consistait à le reconnaître pour prophète, à jeûner pendant le mois de radjeb, et à manger pendant le ramadhan, à faire dix prières, dont cinq pendant la nuit et cinq pendant le jour. Chaque musulman était tenu de faire un sacrifice le 21 de moharrem ; il leur prescrivait dans les ablutions de se laver le nombril et les hanches, de prier en remuant la tête seulement sans se prosterner le front contre terre, excepté dans la dernière rikha, pendant laquelle ils devaient se prosterner cinq fois ; de dire, en commençant à manger ou à boire besm Yakess, (au nom de Yakess), prétendant que cela voulait dire besm Allah (au nom de Dieu) ; de payer la dîme de tous les fruits; il leur permettait d'épouser autant de femmes qu'ils voulaient, à l'exception de leurs cousines, avec lesquelles il leur défendait de se marier ; ils pouvaient répudier et reprendre leurs femmes mille fois par jour si bon leur semblait, les femmes n'étant jamais défendues ; il leur ordonnait de tuer le voleur partout où ils 1e trouveraient, prétendant que le sabre seul pouvait le purifier de sa faute ; il leur permit de payer le prix du sang avec des boeufs, il leur défendit la tête de toute espèce d'animaux et les volailles comme des choses sales et répugnantes. Quant aux coqs, attendu qu'ils indiquaient les heures de prière, il était défendu de les tuer et d'en manger sous peine de rendre la liberté à un esclave ; il leur prescrivait encore de lécher la salive, de leur gouverneur en guise de bénédiction ; et, en effet, lorsqu'il crachait dans la paume de leurs mains, ils léchaient religieusement ces crachats, ou ils les emportaient soigneusement à leurs malades pour assurer la guérison. Il leur fi t un Koran pour lire leurs prières dans leurs mosquées, prétendant que ce Koran lui avait été inspiré et envoyé par Dieu très-haut. Celui qui mettait en doute un seul de ces préceptes était infidèle. Le Koran de Ben Thryf avait quatre vingts chapitres, qui se nommaient pour la plupart des noms des prophètes ; il contenait les chapitres suivants : Adam, Noé, Job, Moïse, Aaron, Asbath, les douze tribus, Pharaon, les fils d'Israël, le coq, la perdrix, la sauterelle, le chameau, Harout et Marout, Eblis, la résurrection, les merveilles dit monde. Il pré tendait que ce livre renfermait la science suprême ; il prescrivait encore de ne point se laver après le coït, à moins que ce ne fût un coït criminel. Mais nous avons déjà parlé plus complètement de ces Berghouata et de leurs rois dans notre grand ouvrage intitulé : Zohrat el-Boustan fi Akhbar el-Zeman ou Deker el-Moudjoub bi mâ ouakâ fi el-Oudjoud, «Fleurs des jardins sur l'histoire des temps anciens, et récits des faits qui se produisent dans ce monde.»

L'auteur de ce livre (que Dieu, lui pardonne !) continue son récit: Lorsque Abd Allah ben Yassyn fut informé de l'état d'ignorance et des erreurs des Berghouata, il vit qu'il fallait commencer par leur déclarer la guerre, et il se mit en campagne avec son armée de Morabethyn pour les attaquer. Les Berghouata avaient alors pour émir Abou Hafs Omar ben Abd Allah ben Aby el-Ansâry ben Aby Obeïd ben Moukhled ben Elyas ben Salah ben Thryf el-Berghouaty, le faux prophète. Il y eut entre les deux partis une guerre terrible et sanglante. Beaucoup de monde périt de part, et d'autre ; et c'est dans un de ces combats que fi nit Abd Allah ben Yassyn el-Djezouly, le chef et le directeur des Morabethyn. Couvert de blessures sur le champ de bataille, il fut transporté, dans son camp ; respirant à peine, il fi t rassembler immédiatement les cheikhs et les chefs Almoravides et leur dit : «Morabethyn! Vous êtes dans le pays de vos ennemis, et je vais mourir aujourd'hui sans doute ; prenez garde d'être lâches ou faibles et de vous laisser décourager ! Que la vérité vous ne l'un à l'autre ; soyez frères en l'amour de Dieu Très-Haut, et gardez-vous de la discorde et de l'envie dans le choix de vos chefs, car Dieu donne la puissance à qui bon lui semble, et charge celui qui lui plaît d'entre ses esclaves d'être son lieutenant sur la terre ! Je vais me séparer de vous ; choisissez donc celui qui vous gouvernera, qui veillera sur vos intérêts, conduira vos armées, combattra vos ennemis, partagera le butin entre vous et percevra vos aumônes et vos dîmes.» Les Morabethyn décidèrent à l'unanimité de nommer Abou Beker ben Omar le Lemtouna, que ben Yassyn leur avait précédemment donné pour chef avec l'assentiment des cheikhs Senhadja. Abd Allah ben Yassyn mourut le soir même, jour du dimanche 24 djoumad el-aouel 451 (1059 J. C.). On l'ensevelit dans un endroit nommé Kerifla, et on bâtit une mosquée sur sa tombe. Abd Allah ben Yassyn était très austère, et pendant tout le temps qu'il resta au Maghreb, il ne mangea point de viande et ne but point de lait, car les troupeaux n'étaient pas purs (allel) à cause de la profonde ignorance du peuple. Ben Yassyn ne vivait que de gibier; mais cela ne l'empêchait point de voir un grand nombre de femmes; chaque mois il en épousait plusieurs et s'en séparait successivement; il n'entendant pas parler d'une jolie fille sans lai demander aussitôt en mariage. Il est vrai qu'il ne donnait jamais plus de quatre ducats de dot. Voici un signe de sa bénédiction. Les Morabethyn qui le suivirent dans ses expéditions au Soudan se trouvèrent un jour sans eau et sur le point de mourir de soif. Abd Allah ben Yassyn, ayant lait ses ablutions avec du sable, récita deux rikha et implora le Très-Haut. Les Morabethyn, se confiant à sa prière, reprirent courage, et quand il l'eut terminée il leur dit : «Creusez l'endroit sur lequel j'ai prié, ils creusèrent, et à un empan de profondeur ils trouvèrent une eaux douce et fraîche dont ils se désaltérèrent ainsi que leurs animaux, et remplirent leurs autres. Cette bénédiction dont il était revêtu lui permit aussi, entre autres choses, de jeûner depuis le premier jour de sa venue dans le Maghreb jusqu'à sa mort. (Que Dieu lui fasse miséricorde !) Et la principale de ses bonnes oeuvres fut d'introduire chez tout un peuple le Sonna et la réunion (dans les mosquées), qu'il affermit en décrétant que celui qui manquerait à la prière dans les mosquées recevrait vingt coups de nerf, et que celui qui en manquerait une partie en recevrait cinq coups.

IBN ABÎ ZAR', RAWD AL-QIRTÂS

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير - Ecrire un commentaire
Vendredi 13 mars 2009 5 13 /03 /Mars /2009 22:48

Abou-Moh'ammed-'Obeïd-Allah-ben-el-H'assar-ben-'Ali-ben-Mouça-ben-Dja'far-ben Moh'ammed-ben-'Ali-ben-el-H'asseïn-ben-'Ali-ben-Abi T'âleb est ainsi désigné dans Ben K'elkan, qui a tiré cette généalogie d'un livre d'histoire sur K'aïrouân, et y a signalé des contradictions. Il est certain qu'on est peu d'accord sur l'origine d'El-Moh'di, ni sur le lieu de sa naissance. Les uns le font naître à Selima, et les autres à Bagdad en 260. Il commença à régner en 297, Il avait un physique avantageux, un peu chargé d'embonpoint, mais d'un aspect imposant. Il était versé dans toutes les connaissances humaines, et possédait les qualités propres au commandement, qu'il voulait exercer sans partage. Il nomma H'acenben-

Ah'med-ben... gouverneur de Sakalia.

Dès les premiers jours du règne d'El-Moh'di, El-'Abbas se montra envieux de sa fortune et intrigua contre lui auprès des personnes qui l'entouraient. Ces dispositions malveillantes furent connues. El-Moh'di dissimula quelque temps ; puis, comme les intrigues

continuèrent, il fi t périr, en 298 , El-'Abbas et son frère Abou-'Obeïd-Allah.

Abou-'Obeïd-Allah-ech-Chii était un homme simple dans ses manières, plein de la crainte de Dieu. Il était ordinairement vêtu de grossiers habits de laine, et ne se nourrissait que de mets très communs. Il fut le fondateur de la dynastie des Fatimites, dans l'Occident, et l'instrument de sa propre mort.

Maître de l'empire, El-Moh'di institua pour son héritier son fils Abi-el-K'âcem-Moh'ammed, qui en prit dès lors le titre dans ses lettres. Il eut à apaiser deux révoltes, l'une en Sakalia, où il envoya une flotte et un gouverneur de son choix, l'autre à Tripoli, dont les habitants furent punis par une amende de 340,000 dinars d'or.

En 300, il se rendit à Tunis, à Carthage et dans d'autres lieux, cherchant un emplacement pour une place forte qui pût le mettre à l'abri du danger qui menaçait sa dynastie, de la part d'un compétiteur, dont ses connaissances dans l'art de la divination lui avaient appris l'apparition prochaine. Il fi t choix du lieu où est actuellement Mohdïa, dont il fut le fondateur. Lorsqu'on commençait à en poser la première pierre, il fi t tirer une flèche qui alla tomber dans un endroit où les fidèles étaient dans l'habitude de faire leurs prières. Il dit ensuite : « Le maître de l'âme arrivera jusqu'au lieu où est tombée la flèche. » Il désignait par ces mots Abou-Izîd-el-Kardji. Il fi t ensuite mesurer la distance parcourue par la flèche, et ayant trouvé qu'elle était de deux cent vingt-trois dra's, il dit : « Ceci indique le nombre d'années pendant lesquelles Mohdïa restera en notre pouvoir. »

L'émir fi t ensuite marcher contre l'Égypte le fils qui devait lui succéder. Ce prince battit le chef de cette contrée, prit Alexandrie et le Fioum, et retourna, après cela, dans le Mor'reb. En 307, il marcha de nouveau vers l'Est ; mais la peste se mit dans son armée et l'obligea de revenir sur ses pas.

En 315, l'héritier du trône se porta vers l'Occident jusqu'à Tahart. Il bâtit une ville qu'il appela Moh'ammedïa et qui est Msîla. Il ordonna à celui qu'il en nomma gouverneur, d'y réunir de grands approvisionnements de bouche.

El-Moh'di mourut au comble de la puissance, au milieu de rebi'-el-oouel de l'année 322, à l'âge de soixante-neuf ans, après un règne de vingt-cinq ans. Il fut enseveli à Mohdïa. Son pouvoir s'était étendu de Barka au fond du Mor'reb, où celui des Edrisites avait été renversé. Il gouvernait toute cette contrée, à l'exception de Sebta, que possédaient les Beni-'Ommîa. En 305, il s'était rendu maître de Fès, par les mains de son k'aïd Mettala.

IBN ABÎ DÎNAR al-QAYRAWÂNÏ, Histoire de l'Afrique

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير - Ecrire un commentaire
Mardi 10 mars 2009 2 10 /03 /Mars /2009 20:36

Certains disent qu'il était de Hazmîrat Iyrûjân, d'autres des Banû S'abîh de Haskûra. Il est mort ayant dépassé les cent ans d'une trentaine d'années. Il fut enterré au jabal Iyrûjân le premier du mois de Chawâl 572. C'était le pôle (qut'b) de son temps et le prodige de son époque.

Je tiens d'Abû calî al-Sawwâl: j'ai entendu Abû Madyan dire: J'ai vu les informations sur les saints du temps d'Uways al-Qaranî jusqu'à notre époque, je n'en ai pas trouvé de plus étonnante que celles concernant Abû Iczza. J'ai étudié, dit-il, les livres de soufisme, et n'en ai pas trouvé qui égale l'Ihyâ' de Ghazâlî.

J'ai entendu Abû-l-cabbâs Ah'mad ibn Ibrâhîm al-Azdî dire: J'ai entendu Abû cabd Allâh ibn al-Kattânî dire: J'ai transcrit les prodiges d'Abû Yaczza avec les listes de garants. Le cheikh Abû-l-Sa'br Ayyûb ibn cabd Allâh al-Fahrî l'a cité en ces termes: j'ai rencontré le cheikh ascète, vertueux, éminent, signe de son temps, Abû Iczza Yilanûr. C'était un miracle en son temps et une assistance (pour la foi). Il est parvenu dans les stations (maqâmât) à la certitude (yaqîn), là où ne parviennent que quelques-uns parmi les gnostiques (carifîn). La célébrité de ses prodiges remplace la vision qu'on en aurait eue. L'ensemble du peuple comme l'élite témoigne de cette célébrité. N'était la crainte de les voir niés par les vains négateurs, ou par les rapporteurs négligents, nous aurions cité certains des prodiges dont nous avons été témoin, que les enquêteurs ne connaissent pas, et que les gens pieux trouvent leur repos à entendre.

J'ai entendu Abû l'cabbâs Ah'mad ibn Ibrâhîm al-Azdî al-bast'î dire: Je tiens d'Abû-l-S'abr: J'ai entendu le cheikh Abû Icazza dire: qu'ont donc ceux-là qui nient les prodiges des saints? Par Dieu, si j'étais proche de la mer, je leur ferais voir de leurs yeux la marche sur l'eau. Abû-l-S'abr a dit: Je me trouvais chez lui, et j'ai vu un homme venir à lui et le saluer. Abû Iczzâ lui dit: Pourquoi trahis-tu ton frère et viens-tu à son épouse quand il est absent? L'homme lui répondit: J'en demande pardon à Dieu. Il dit encore: Un jour lui arriva une lettre d'Abû Chucayb d'Azemmour dans laquelle il lui disait: Jette le voile sur les serviteurs de Dieu et ne les confonds pas. Il répondit: Par Dieu, si on ne me le commandait pas, je ne confondrais personne, et je jetterais un voile sur les créatures. On lui dit: Les juristes de Fès te reprochent de palper les poitrines des femmes et de les regarder. Il leur répondit: Pour eux n'est-il pas permis au médecin de palper ces endroits et de les regarder en cas de nécessité? Ne me comptent-ils pas comme l'un de leurs médecins? Je palpe celles qui ont malades pour les soigner de cette façon.

Abî Iczzâ disait: J'ai servi près de quarante saints de Dieu. Parmi eux certains ont parcouru la terre, d'autres sont demeurés parmi les hommes jusqu'à leurs mort.

Muh'ammad ibn Ah'mad al-Zanâtî m'a dit: Abû calî Mâlik ibn Tâmajûrt m'a raconté: Chaque année je portais une charge d'huile à Abû Iczzâ de Nafîs au Jabal Iyrûjân. Jallai chez lui une (année) avec une charge d'huile. Je la livrai à son muezzin qui la déchargea dans la maison. Je restai là pour causer avec lui. Il me dit: Il faudrait que tu dises au cheikh Iczzâ de jeter le voile sur les gens et de ne pas les confondre. C'est un homme ignorant. Il ne dait rien. Il dit à ceux qui viennent chez lui: Un tel, tu as volé. Un tel, tu as forniqué. TU as fait telle et telle chose. Il dit à chacun ce qu'il a fait. Il cessa de parler. Je le regardai, il s'abstint de parler. Je lui parlai, et il ne me répondit pas. Tandis que que j'étais ainsi avec lui, Abû Iczzâ arriva, son bâton à la main. Il me salua, me demanda comment j'allais, ainsi que ma famille. Puis il alla vers son muezzin, tendit la main, la passa sous sa gorge et lui dit: mon fils, tu as bien dit, je suis ignorant. Je ne sais que ce que mon Mâitre m'enseigne. Puis un grumeau de sang s'échappa de la bouche (du muezzin), il parla et se mit à dire: J'implore le pardon de Dieu. Abû Iczzâ lui demanda/ De quoi demandes-tu pardon, mon fils, puisque tu as dit la vérité? Je suis ignorant, je ne sais que ce que me fait connaître mon Maître.

Plus d'un m'a raconté qu'Abû Iczzâ alla à Marrakech après l'année 541, (il y fut emprosonné) sous le minaret de la mosquée, puis on lui laissa aller. Il avait avec lui des pains de farine de glands. Il y mêlait des feuilles de liserons et les broyait. Après la prière du couchait il en prenait la valeur d'une demi-livre et s'en nourrissait. Il ne mangeait que des plantes produites par la terre et ne s'associait nullement aux gens dans leur façons de vivre. Il nourrissait ceux qui venaient chez lui de miel, de viande de mouton et de volaille.

On dit qu'à ses débuts il était berger, et chacun des propriétaire du bétail qu'il gardaitlui faisait chaque jour deux pains. Il en mangeait un, et donnait l'autre à un homme qui s'adonnait dans la mosquée à la lecture du Coran. Puis un autre homme s'adonna dans la mosquée à la lecture du Coran: il lui donna l'autre pain, et se mit à manger des plantes produites par la terre. Quand il vit que les que les plantes lui suffisaient comme nourriture il dit: Que ferais-je de la nourriture alors que les plantes m'en dispensaient?

J'ai entendu Muh'ammad ibn calî dire: J'ai entendu Abû cabd Allâh al-Bâjî dire: J'ai vu le cheikh Abû Iczzâ se cueillir de la mauve, la cuire, la sécher, l'enlever. Quand il voulait en manger, il la mettait dans la marmite, en prenait une bouchée ou deux en rugissant, comme qui dompte son âme à laquelle il disait: C'est tout ce que j'ai pour toi!

TÂDILÎ. Abû Yacqûb Yûsuf al-, al-Tashawuf ilâ rijâl al-tasawuf. Trad., par DE FENOYL Maurice, Regard sur les temps des soufis. Vies des saints du sud

Marocain des Ve-VIe-VIIe siècles de l'hégire, édit., EDDIF, Casablanca, 1995, 429 P.

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Biographie - Ecrire un commentaire
Dimanche 8 mars 2009 7 08 /03 /Mars /2009 01:59

وأولهم عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق بن محمد المكتوم بن جعفر الصادق ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب من أهل القيروان وغيرهم وبالمحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالطعن في نسبهم، وشهد فيه أعلام الائمة. وقد مرّ ذكرهم فإن كتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسجلماسة، يغريهم بالقبض عليه لمّا سار إلى المغرب شاهد بصحّة نسبهم. وشعر الشريف الرضيّ مسجّل بذلك. والذين شهدوا في المحضر فشهادتهم على السماع، وهي ما علمت. وقد كان نسبهم ببغداد منكرا عند أعدائهم شيعة بني العباس منذ مائة سنة، فتلّون الناس بمذهب أهل الدولة، وجاءت شهادة عليه مع أنها شهادة على النفي، ميم أنّ طبيعة الوجود في الانقياد إليهم، وظهور كلمتهم حتى في مكة والمدينة أدل شيء على صحة نسبهم

وأما من يجعل نسبهم في اليهودية والنصرانية ليعمون القدح وغيره فكفاه ذلك إثماً وسفسفة. وكان شيعة هؤلاء العبيديين بالمشرق واليمن وأفريقية. وكان أصل ظهورهم بأفريقية دخول الحلواني وأبي سفيان من شيعتهم إليها أنفذهما جعفر الصادق، وقال لهما بالمغرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يجيء صاحب البذر فنزل أحدهما ببلد مراغة، والآخر ببلد سوف جمار وكلاهما من أرض كتامة ففشت هذه الدعوة في تلك النواحي، وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص، وكان شيعتهم يتعاهدونه بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين، فجاء محمد بن الفضل من عدن لاعة من اليمن لزيارة محمد الحبيب، فبعث معه رستم بن الحسن بن حوشب من أصحابه لإقامة دعوته باليمن، وأنّ المهدي خارج في هذا الوقت، فسار وأظهر الدعوة للمهدي من آل محمد بنعوته . المعروفة عندهم، واستولى على أكثر اليمن، وتّسمى بالمنصور، وابتنى حصناً بجبل لاعة وملك صنعاء من بني يعفر، وفرّق الدعاة في اليمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر والمغرب. وكان أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب، وكان محتسباً بالبصرة، وقيل أنما المحتسب أخوه أبو العباس المخطوم وأبو عبد الله. هذا يعرف بالمعلم لأنه كان يعلم مذهب الإمامية، فاتصل أبو عبد الله بمحمد الحبيب، ورأى ما فيه من الاهليّة فأرسله إلى ابن حوشب باليمن ليأخذ عنه، ثم يذهب إلى المغرب، يقصد بلد كتامة فيظهر بينهم الدعوة. فجاء أبو عبد الله إلى ابن حوشب ولزمه، وشهد مجالسه، وأفاد علمه.

ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة فلقي بالموسم رجالات كتامة ورؤساءهم، وفيهم من القي الحلواني وابن بكّار واخذوا عنهما فقصدهم أبو عبد الله في رحالهم، وكان منهم موسى بن حريث كبير بني سكان من جملة أحد شعوبهم وأبو القاسم الورنجومي من أحلافهم

ومسعود بن عيسى بن ملال المساكتي، وموسى بن تكاد فجلس إليهم وسمعوا منه مذاهبهم، ورأوا ما هو عليه من العبادة والزهد فعلق ببقلوبهم، وصار يتعهدهم في رحالهم فاغتبطوا به واغتبط بهم. ولما أرادوا الرحلة إلى بلادهم سألوه الصحبة فوافقهم طاوياً وجه مذهبه عنهم، بعد أن سألهم عن قومهم وعصابتهم وبلادهم وملكة السلطان فيهم فكشفوا له علم ذلك وأنهم أنما يعطون السلطان طاعة معروفة فاستيقن تمام أمره فيهم، وخرج معهم إلى المغرب، وسلكوا طريق الصحراء، وعدلوا عن القيروان إلى أن وصلوا بلد سوماثة، وبها محمد بن حمدون بن سماك الاندلسيّ من بجاية الأندلس نزيلا عندهم، وكان قد أدرك الحلواني وأخذ عنه. فنزل أبو عبد الله الشيعي عليه فاكرمه، وفاوضه، وتفرس ابن حمدون فيه أنه صاحب الدولة

ثم ارتحلوا وصحبهم ابن حمدون، ودخلوا بلد كتامة منتصف ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين فنزل على موسى بن حريث ببلده انكجان في بلد بني سكتان من جبيلة، وعين له مكان منزله بفج الأخيار، وأن النص عنده من المهدي بذلك، وبهجرة المهدي، وأن أنصار الأخيار من أهل زمانه، وأن إسمهم مشتق من الكتمان. واجتمع إليه الكثير من أهل كتامة، ولقي علماءهم واشتمل عليه الكثير من أهوائهم فجاهر بمذهبه، وأعلن بإمامة أهل البيت، دعا للرضا من آل محمد، واتبعه أكثر كتامة، وكانوا يسمّونه بأبي عبد الله الشيعي والمشرقيّ. وبلغ خبره إلى أمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، فبعث إليه بالتهديد والوعيد، فأساء الرد عليه، وخاف رؤساء كتامة عادية ابن الأغلب، وأغراهم عمال بلادهم بالشيعي، مثل موسى بن عياش صاحب مسيلة، وعليّ بن حفص بن عسلوجة صاحب سريف. وجاء ابن تميم صاحب يلزمة فاجتمعوا وتفاوضوا في شأنه، وحضريحى المساكتي وكان يدعى الأمير، ومهديّ بن أبي كمارة رئيس لهيعة، وفرج بن حيران رئيس أجانة، وثمل بن بحل رئيس لطانة. وراسلوا بيان بن صفلان رئيس بني سكتان، وأبو عبد الله الشيعي عندهم بجبل ايكجان، في أن يسلمه إليهم أو يخرجه من بلدهم، وحذروه عاقبة أمره فردّ أمره إلى أهل العلم، فجاؤوا بالعلماء وهمّوا باغتياله فلم يتم لهم ذلك، وأطبقت بجيلة على مظاهرته فهزموا هؤلاء المثيرين عليه وردّوهم خائبين

ثم راجعوا بيات بن صقلاب في أمره ولاطفوه حتى صفا إليهم، وشعر بذلك أبو عبد الله الشيعيّ وأصحابه، فبعثوا إلى الحسن بن هارون الغسّاني يسألونه الهجرة إليهم فأجابهم، ولحق ببلدة تازروت من بلادهم واجتمعت غسّان لنصرته مع بطون كتامة الذين بايعوه من قبل، فاعتز وامتنع وعظم أمره. ثم انتفض على الحسن بن هارون أخوه محمد منافسة له في الرياسة، وكان صديقاً لمهدي بن أبي كمارة فداخله في التثريب على أبي عبد الله، وعظمت الفتنة بين لهيعة وغسّان، وولّى أبو عبد الله الشيعي الحسن بن هارون على حروبه، وظهر بعد أن كان مختفياً

وكان لمهدي بن أبي كمارة شيخ لهيعة إخ اسمه أبو مديني، وكان من أحباب أبي عبد الله فقتل اخاه مهديا ورأس على لهيعة مكانه فصاروا جميعاً إلى ولاية أبي عبد الله وأبي مديني شيخهم.

ثم تجمعت كتامة لحرب الشيعي وأصحابه، ونازلوه بمكانه من تازروت، وبعث الشيعي سهل بن فوكاش إلى فحل بن نوح رئيس لطانة، وكان صهره، لينجد له عن حربهم في السلم فمشى إلى كتامة، وأبوا إلأ أن يناجزوهم الحرب، فغلبهم أبو عبد الله وأصحابه، وانهزمت كتامة وابلى عروبة بن يوسف الملوشي في ذلك اليوم بلاءً حسناً، واجتمعت إلى أبي عبد الله غسانّ كلها ويلزمة ولهيعة وعامّة بجاية ورئيسهم يومئذ ماكنون بن ضبارة وأبو زاكي تمام بن معارك. ولحق بجيلة من بجاية فرج بن خيران، ويوسف بن محمد من لطانة، وفحل بن نوح، واستقام أمر الباقي للشيعي وجمع فتح بن يحمى من أطاعه من قومه مسالمة لحرب الشيعي فسار إليهم وأوقع بهم، ولحق فلهم بسطيف.

ثم استأمنوا إليه فأمنهم ودخلوا في أمره، وولّى منهم هارون بن يونس على حروبه، ولحق رئيسهم فتح بن يحيى بعجيسة، وجمع ثانية لحربه الشيعي فسار إليه ومعه جموع كتامة، وتحصّن منه فتح ببعض قلاعهم فحاصره الشيعي وفتحها، واجتمعت إليه عجيسة وزواوة وجميع قبائل كتامة، ورجع إلى تازروت وبثّ دعاته في كل ناحية فدخل الناس في أمره طوعا وكرها. ولحق فتح بن يحى بالأمير إبراهيم بن احمد بتونس، واستحثه لحرب الشيعي. ثم فتح أبو عبد الله مساكتة بمداخلة بعض أهلها، وقتل صاحبها موسى بن عيّاش وولّى عليها ماكنون بن ضبارة الجاي وهو أبو يوسف ولحق إبراهيم بن موسى بن عيّاش بأبي العبّاس إبراهيم بن الاغلب بتونس، بعد خروج أبيه إلى صقلية. وكان فتح بن يحيى المساكتي قد نزع إليه من قبل ذلك، ووعده المظاهرة فجهز العساكر، وعقد عليها لابنه أبي خوال، وزحف من تونس سنة تسع وثمانين فدوّخ كتامة، ثم صمد إلى تازروت فلقيه أبو عبد الله الشيعي في جموعه ببلد ملوسة فهزمهم أبو خوال، وفرّ الشيعي من قصر تازروت إلى ايكجان

فامتنع بها، فهدم أبو خوال القصر، واتبعه. وتوغل أبو خوال في بلاد كتامة فاضطرب أمره، وتوقع البيات

وسار إبراهيم بن موسى بن عيّاش من عسكر أبي خوال إلى نواحي مسيلة يتجسّس الاخبار فتواقع مع طائفة من أصحاب الشيعي فهزموه، واتبعوه إلى المعسكر فاضطرب، وأجفل أبو خوال، وخرج من بلاد كتامة، واستوطن أبو عبد الله ايكجان، وبنى بها بلدا وسمّاها دار الهجرة. واستبصر الناس في امره، ودخلوا في دعوته. ثم هلك الحسن بن هارون، وجهز أبو العباس العساكر ثانية مع ابنه أبي خوال، ورده لحرب الشيعي وكتامة فسار في بلادهم، ورجع منهزماً، وأقام قريباً منهم يدافعهم، ويمنعهم من التقدم. وفي خلال ذلك هلك إبراهيم بن أحمد بن الاغلب، وقتل ابنه أبو العبّاس، وقام بالامر ابنه زيادة الله فاستدعى اخاه أبا خوال وقتله، وانتقل من تونس إلى وقادة، وانهمك في لذاته، وانتشرت جيوش الشيعي في البلاد، وعلا أمره وبشّرهم بأنّ المهدي قرب ظهوره فكان كما قال.

وصول المهدي إلى المغرب واعتقاله بسجلماسة ثم خروجه من الاعتقال وبيعته:

ولما توفي محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسمعيل الإمام، عهد إى ابنه عبيد الله وقال له: أنت المهدي وتهاجر بعدي هجرة بغيدة، وتلقى محنا شديدة. واتصل خبره بسائر دعاته في إفريقية واليمن، وبعث إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم، وانهم في انتظاره. وشاع خبره، واتصل بّالعباسيّين ،فطلبه المكتفي ففر، من أرض الشام إلى العراق. ثم لحق بمصر ومعه ابنه أبو القاسم غلاما حدثا وخاصته ومواليه، بعد أن كان أراد قصد اليمن فبلغه ما أحدث بها عليّ بن الفضل من بعد ابن حوشب، وانه أساء السيرة فانثنى عن ذلك، واعتزم على اللحاق بابي عبد الله الشيعي بالمغرب فارتحل من مصر إلى الإسكندرية، ثم خرج من الإسكندرية في زي التجّار. وجاء كتاب المكتفي إلى عامل مصر، وهو يومئذ عيسى النوشري بخبرهم، والقعود لهم بالمراصد، وكتب نعته وحليته فسرح في طلبهم حتى وقف عليهم، وامتحن أحوالهم فلم بقف على اليقين في شيء منها فخلى سبيلهم

وجدّ المهدي في السير، وكان له كتب في الملاحم منقولة عن آبائه سرقت من رحله في طريقه، فيقال إن ابنه أبا القاسم استردّها من برقة حين زحف إلى مصر، ولما انتهى إلى طرابلس وفارقه التجّار أهل الرفقة بعث معهم أبا العباس أخا أبي عبد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة، ومرّ بالقيروان، وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله، وهو يسأل عنهم فقبض على أبي العباس، وساءله فانكر فحبسه. وكتب إلى عامل طرابلس بالقبض على المهدي ففاته، وسار إلى قسنطينة. ثم عدل عنها خشية على ابم العبّاس، أخي الشيعي المعتقل بالقيروان فذهب إلى سجلماسة، وبها اليسع بن مدرار فأكرمه ثم جاء كتاب زيادة الله، ويقال كتاب المكتفي بأنه المهدي الذي داعيته في كتامة فحبسه اليسع، ثم إن أبا عبد الله الشيعي بعد مهلك أبي خوال الذي كان مضايقاً لهم اجتمعت إليه سائركتامة، وزحف إلى سطيف فحاصرها مدة، وكان بها علي بن جعفر بن عسكوجة صاحبها، وأخوه أبو حبيب فملكها وكان بها ايضا داود بن جاثة من كبار لهيعة، لحق بها فيمن لحق من وجوه كتامة فقام بها من بعد علي وأخيه، واستأمن أهل سطيف فأمّنهم أبو عبد الله ودخلها فهدمها، وجهز زيادة الله العساكر إلى كتامة مع قريبه إبراهيم بن حشيش، وكانوا أربعين ألفا فانتهى إلى قسنطينة، فأقام بها وهم متحصنون بجبلهم. ثم زحف إليهم وواقعهم عند مدينة يلزمة فانهزم إلى باغاية، ولحق بالقيروان. وكتب الشيعي بالفتح إلى المهدي مع رجال من كتامة، اخفوا أنفسهم حتى وصلوا إليه وعرّفوه بالخبر. ثم زحف الشيعي إلى طبنة فحاصرها وقتل فتح بن يحيى المساكتي، ثم افتتحها على الأمان. ثم زحف إلى يلزمة فملكها عنوة.

وجهّز زيادة الله العساكر مع هارون الطبني عامل باغاية فانتهوا إلى مدينة أزمول، وكانوا في طاعة الشيعي فهدمها هارون وقتل أهلها، وزحف إليه عروبة بن يوسف من أصحاب الشيعي فهزمه وقتله. ثم فتح الشيعي مدينة ينجبت كلّها على يد يوسّف الغساني، ولحق عسكرها بالقيروان. وشاع عن الشيعي وفاؤه بالأمان فافنه الناس، وكثر الارجاف بزيادة الله فجهز العساكر وأزاح العلل، وأنفق ما في خزائنه وذخائره، وخرج بنفسه سنة خمس وتسعين، ونزل الأريس

ثم حاد عن اللقاء، وأشار عليه أصحابه بالرجوع إلى القيروان، ليكون ردءاً للعساكر فرجع، وقدم على العساكر إبراهيم بن أبي الأغلب من قرابته، وأمره بالمقام هنالك. ثم زحف الشيعي إلى باغاية فهرب عاملها وملكها صلحاً، وبعث إلى مدينة قرطاجنة فافتتحها عنوة، وقتل عاملها، وسرح عساكره في إفريقية فردّدوا فيها الغارات على قبائل البربر من نفزة وغيرهم. ثم استأمن إليه أهل

تيفاش فأمّنهم، واستعمل عليهم صواب بن أبي القاسم السكتاني فجاء إبراهيم بن الأغلب واقتحمها عليه. ثم نهض الشيعي في احتفال من العساكر إلى باغاية، ثم إلى سكتانة، ثم إلى تبسة ففتحها كفها على الأمان. ثم إلى القصرين من قمودة فأمّن أهلها وأطاعوه، وسار يريد رقادة فخشي إبراهيم بن أبي الأغلب على زيادة الله لقلة عسكره، فنهض إلى الشيعي واعترضه في عساكره واقتتلوا، ثم تحاجزوا، ورجع الشيعي إلى ايكجان، وإبراهيم إلى الأريس

ثم سار الشيعي ثانية بعساكره إلى قسنطينة فحاصرها، واقتحمها على الأمان، ثم إلى قفصة كذلك، ثم رجع إلى باغاية فأنزل بها عسكراً مع أبي مكدولة الجيلي. ثم سار إلى إيكجان، وخالفه إبراهيم إلى باغاية، وبلغ الخبر إلى الشيعي فسرح لقتاله أبا مديني بن فروخ اللهيمي، ومعه عروبة بن يوسف الملوشي، ورجاء بن أبي قنة في اثني عشر ألفاً فقاتلوا ابن أبي الاغلب، ومنعوه من باغاية فرحل عنها، واتبعوه إلى فجّ العرعر ورجعوا عنه. ثم زحف أبو عبد الله الشيعي سنة ست وتسعين في مائتي الف من العساكر إلى إبراهيم بن أبي الاغلب بالاريس. ثم اقتتلوا أياما، ثم انهزم إبراهيم، واستبيح عسكره، وفرّ إلى القيروان، ودخل الشيعي الأريس فاستباحها، ثم سار فنزل قمودة، واتصل الخبر بزيادة الله وهو برقادة ففرّ إلى المشرق، ونهبت قصوره. وافترق أهل رقادة إلى القيروان وسوسة. ولما وصل إبراهيم بن أبي الاغلب إلى القيروان نزل قصر الإمارة، وجمع الناس، وأرادهم على البيعة له على أن يعينوه بالاموال فاعتدوا، وتصايحت به العامّة ففر عنها، ولحق بصاحبه. وبلغ أبا عبد الله الشيعي خبر فرارهم بسبيبة فقدّم إلى رقادة، وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير فساروا، وأمّنوا الناس، وجاء على أثرهم

وخرج أهل رقادة والقيروان للقائه فأفمّهم وأكرمهم، ودخل رقادرة في رجب سنة ست وتسعين، ونزل قصرها، وأطلق أخاه أبا العبّاس من الاعتقال ونادى بالأمان فتراجع الناس، وفر العمّال في النواحي. وطلب أهل القيروان فهربوا، وقسّم دور البلد، على

كتامة فسكنوها، وجمع أموال زيادة الله وسلاحه فأمر بحفظها وحفظ جواريه، واستأذنه الخطباء لمن يخطبون فلم يعين أحداً. ونقش على السكة من أحد الوجهين بلغت حجة الله، ومن الآخرّ تفرق أعداء الله، وعلى لسلاح عدة في سبيل الله، وفي وسم الخيل، الملك لله. ثم ارتحل إلى سجلماسة في طلب المهدي، واستخلف على إفريقية أخاه أبا العبّاس، وترك معه أبا زاكي تمام بن معارك الألجائي، واهتزّ المغرب لخروجه، وفرت زناتة من طريقه. ثم بعثوا إليه بالطاعة فقبلهم، وأرسل إلى اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة يتلطفه فقتل الرسل، وخرج للقائه. فلمّا تراءى الجمعان انفض معسكره، وهرب هو وأصحابه وخرج أهل البلد من الغد للشيعي، وجاؤوا معه إلى محبس المهدي وابنه فأخرجهما وبايع للمهدي، ومشى للمهدي، ومشى مع رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يبكي من الفرح ويقول: هذا مولاكم، حتى أنزله بالمخّيم، وبعث في طلب اليسع فأدرك ،وجيء به فقتل، وأقاموا بسجلماسة اربعين يوماً، ثم ارتحلوا إلى إفريقية، ومروا بأيكجان، فسلم الشيعي ما كان بها من الاموال للمهدي.

ثم نزلوا رقادة في ربيع سبع وتسعين، وحضر أهل القيروان، وبويع للمهدي البيعة العامة، واستقام أمره، وبث دعاته في الناس فأجابوا إلا قليلا عرض عليهم السيف، وقسم الأموال والجواري في رجال كتامة، واقطعهم الأعمال، ودوّن الدواوين وجبى الأموال، وبعث العفال على البلاد فبعث على طرابلس ماكنون بن ضبارة الألجائي، وعلى صقلية الحسن بن احمد بن أبي خنزير، فسار إليها ونزل البحر، ونزل مازر في عيد الأضحى من سنة سبع وتسعين، فاستقضى إسحاق بن المنهال، وولّى اخاه على كريت. ثم أجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلي العدوة الشمالية، ونزل بسيط قلورية من بلاد الافرنج فاثخن فيها، ورجع إلى صقلّية فاساء السيرة في أهلها فثاروا به وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي فقبل عذرهم، وولّى عليهم مكانه علي بن عمر البلويّ فوصل خاتم تسع وتسعين.

مقتل أبي عبل الله الشيعي وأخيه

لما استقام سلطان عبيد الله المهدي بإفريقية استبدّ بأمره، وكفح أبا عبد الله الشيعي واخاه أبا العبّاس عن الاستبداد عليه، والتحكم في أمره فعظم ذلك عليهما، وصرّح أبو العبّاس بما في نفسه فنهاه أخوه أبو عبد الله عن ذلك فلم يصر إليه. ثم استماله أبو العباس لمثل رأيه فأجابه، وبلغ ذلك إلى المهدّي فلم يصدقه. ثم نهى أبا عبد الله عن مباشرة الناس، وقال إنه مفسد للهيبة فتلطّف في ردّه ولم يجبه إليه ففسدت النية بينهما، واستفسدوا كتامة وأغروهم به وذكروهم بما اخذه من أموال أيكجان، واستأثر به دونهم وألقوا اليهم ان هذا ليس هو الإمام المعصوم الذي دعونا إليه، حتى بعث إلى المهدي رجل كان في كتامة يعرف بشيخ المشايخ، وقال له :جئنا بآية على أمرك فقد شككنا فيك، فقتله المهدي، ثم عظمت استرابتهم واتفقوا على قتل المهدي، وداخلهم في ذلك أبو زاكي تمام بن معارك، وغيره من قبائل كتامة.

ونمي الخبر إلى المهدي فتلطفّ في أمرهم وولّى من داخلهم من قّواد كتامة على البلاد، فبعث تمام بن معارك على طرابلس، وبعث إلى عاملها ماكنون بقتله، فقتله عند وصوله. ثم اتهم المهدي ابن الغريم بمداخلتهم، وكان من أصحاب زيادة الله فأمر بقتله واستصفاء أمواله، وكان أكثرها لزيادة الله. ثم إنّ المهدي استدعى عروبة بن يوسف، وأخاه حباسة، وأمرهما بقتل الشيعي وأخيه فوقفا لهما عند القصر، وحمل عروبة على أبي عبد الله فقال له: لا تفعل! فقال :الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك! ثم أجهز عليهما في نصف جمادى سنة ثمان وتسعين. ويقال إن المهدي صلىّ على أبي عبد الله وترحم عليه، وعلم أن الذي حمله على ذلك اغراء أبي العبّاس أخيه، وثارت فتنة بسبب قتلهما من أصحابهما فركب المهدي وسكنها. ثم ثارت فتنة أخرى بين كتامة وأهل القيروان، وفشا القتل فيهم فركب المهدي وسكّنها، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة، وقتل جماعة من بني الأغلب برقادة لما رجعوا إليها بعد زيادة الله.

بقية أخبار المهدي بعد الشيعي

ولما استقام أمر المهدي بعد الشيعي، جعل ولاية عهده لابنه أبي القسم نزار، وولى على برقة وما إليها حباسة بن يوسف. وعلى المغرب أخاه عروبة، وأنزله باغاية فسار إلى تاهرت فاقتحمها، وولّى عليها دواس بن صولات اللهيص. ثم انتقضت عليه كتامة بقتله أبا عبد الله الشيعي، ونصبوا طفلاً لقبوه المهدي، وزعموا أنه نبيّ، وأن أبا عبد الله الشيعي لم يمت فجهز ابنهّ أبا القاسم لحربهم فقاتلهم وهزمهم، وقتل الطفل الذي نصبوه، وأثخن فيهم ورجع ثم انتقض أهل طرابلس سنة ثلاثمائة وأخرجوا عاملهم ماكنون فبعث إليهم ابنه أبا القاسم فحاصرها طويلاً، ثم فتحها وأثخن فيهم وأغرمهم ثلاثمائة ألف دينار. ثم أغزى ابنه أبا القاسم وجموعه كتامة سنة إحدى وثلاثمائة إلى الإسكندرية ومصر، وبعث أسطوله في البحر في مائتين من المراكب، وشحنها بالإمداد، وعقد عليها لحباسة بن يوسف، وسارت العساكر فملكوا برقة ثم الإسكندرية والفيوم.

وبعث المقتدر العساكر من بغداد مع سبكتكين ومؤنس الخادم فتواقعوا مّرات، وأجلاهم عن مصر فرجعوا إلى المغرب. ثم عاد حباسة في العساكر في البحر سنة اثنتين إلى الإسكندرية فملكها، وسار يريد مصر فجاء مؤنس الخادم من بغداد لمحاربته فتواقعوا مّرات، وكان الظهور آخراً لمؤنس، وقتل من أصحابه نحو من سبعة آلاف. وانصرف إلى المغرب فقتله المهدي وانتقض لذلك أخوه عروبة بالمغرب، واجتمع إليه خلق كثير من كتامة والبربر. وسرح إليهم المهدي مولاه غالبا في العساكر فهزمهم، وقتل عروبة وبني عمه في أمم لا تحصى. ثم انتقض أهل صقلية وتقبضوا على عاملهم عليّ بن عمرو، وولوا عليهم أحمد بن قهرب فدعا للمقتدار العبّاسي، وذلك سنة أربع وثلاثمائة، وخلع طاعة المهديّ وجهز إليه الأسطول مع الحسن بن أبي خنزير فلقيه أسطول بن قهرب فغلبه، وقتل ابن أبي خنزير

ثم راجع أهل صقلية أمرهم وكاتبوا المهدي وثاروا بابن قهرب فخلعوه، وبعثوا به إلى المهدي فقتله على قبر ابن أبي خنزير، وولّى على صقلية علي بن موسى بن أحمد، وبعث معه عساكركتامة، ثم اعتزم المهدي على بناء مدينة على ساحل البحر يتخّذها معصماً لاهل بيته لما كان يتوقعه على الدولة من الخوارج. ويحكى عنه أنه قال: بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار، وأراهم موقف صاحب الحمار بساحتها فخرج بنفسه يرتاد موضعاً لبنّائها، ومربتونس وقرطاجنة حتى وقف على مكانها جزيرة متصلة بالبر كصورة كف اتصلت بزند، فاختطّ المهدية بها، وجعلها دار ملكه، وأدار بها سوراً محكماً، وجعل لها أبواباً من الحديد وزن كل مصراع مائة قنطار، وابتدأ ببنائها آخر سنة ثلاث. ولما ارتفع السور رمى من فوقه بسهم إلى ناحية المغرب، ونظر إلى منتهاه وقال: إلى هذا الموضع يصل صاحب الحمار يعني أبا يزيد. ثم أمر أن يبحث في الجبل لإنشاء السفن تسعمائة سفين، وبحث في أرضها

أهراء للطعام ومصانع للماء، وبنى فيها القصور والدور فكملت سنة ست، ولما فرغ منها قال :اليوم أمنت على الفواطم.

ثم جهز إبنه أبا القاسم بالعساكر إلى مصر مرّة ثانية سنة سبع وثلاثمائة فملك الإسكندرية، ثم سار فملك الجيزة والاشمونين وكثيراً من الصعيد. وكتب إلى أهل مكة بطلب الطاعة فلم يجيبوا إليها، وبعث المقتدر مؤنساً الخادم في العساكر وكانت بينه وبين أبي القاسم عدة وقعات ظهر فيها مؤنس، وأصاب عسكر أبي القاسم الجهد من الغلاء والوباء فرجع إلى إفريقية، وكانت مراكبهم قد وصلت من المهدّية إلى الإسكندرية في ثمانين اسطولاً مدداً لأبي القاسم، وعليها سليمان الخادم ويعقوب الكتامي، وكانا شجاعين، وسار الأسطول من طرسوس للقائهم في خمسة وعشرين مركباً والتقوا على رشيد وظفرت مراكب طرسوس، واحرقوا وأسروا سليمان ويعقوب فمات سليمان في حبس مصر، وهرب يعقوب من حبس بغداد إلى إفريقية.

ثم اغزى المهدي سنة ثمان مضالة بن حبوس في رجالات مكناسة إلى بلاد المغرب، فأوقع بملك فاس من الأدارسة، وهو يحيى بن إدريس بن إدريس بن عمرو، واستنزله عن سلطانه إلى طاعة المهدي فأعطى بها صفقته، وعقد لموسى بن أبي العافية المكناسى من رجالات قومه على أعمال المغرب ورجع. ثم عاود غزو المغرب سنة تسع فدوخّه ومهد جوانبه، وأغراه قريبه عامل المغرب موسى بن أبي العافية بيحيى بن إدريس صاحب فاس، فتقبّض عليه، وضم فاس إلى أعمال موسى، ومحا دعوة الإدريسيّة من المغرب، وأجهضهم عن أعماله فتحيزوا إلى بلاد الريف وغمارة واستجدّوا بها ولاية كما نذكره في أخبار غمارة

ومنهم كان بنو حمود العلويون المستولون على قرطبة عند انقراض ملك الأمويين في سنة ثلاث وأربعمائة، كما نذكر هنالك ثم صمد مضالة إلى بلاد سجلماسة فقتل أميرها من آل مدرار المكناسيين المنحرف عن طاعة الشيعة، وعقد لابنّ عمه كما نذكر في أخبارهم. وسار في أتباعه زناتة في نواحي المغرب فكانت بينه وبينهم حروب، هلك مضالة في بعضها على يد محمد بن خرز. واضطرب المغرب فبعث المهدي ابنه أبا القاسم غازيا إلى المغرب في عساكره كتامة وأولياء الشيعة سنة خمس عشرة وثلاثمائة ففرّ

محمد بن خزر، وأصحابه إلى الرمال

وفتح أبو القاسم بلد مزاتة ومطماطة وهوّارة

وسائر الإباضيّة والصفريّة ونواحي تاهرت قاعدة المغرب الأوسط إلى ما وراءها ثم عاج إلى الريف فافتتح بلد لكور من ساحل المغرب الأوسط. ونازل صاحب جراوة من آل إدريس وهو الحسن بن أبي العيش، وضيّق عليه ودوخ أقطار المغرب، ورجع ولم يلق كيداً. ومر بمكان بلد المسيلة وبها بنو كملان من هوّارة، وكان يتوقع منهم الفتنة فنقلهم إلى فجّ القيروان، وقضى الله أن يكونوا أولياء لصاحب الحمار عند خروجه. ولما نقلهم أمر ببناء المسيلة في بلدهم وسمّاها المحمّديّة، ودفع علي بن حمدون الاندلسي من صنائع دولتهم إلى بنائها، وعقد له عليها وعلى الزاب بعد اختطاطها فبناها وحصّنها وشحنها بالأقوات ،فكانت مددا للمنصور في حصار صاحب الحمار كما يذكر

ثم انتقض موسى بن أبي العافية عامل فاس والمغرب، وخلع طاعة الشيعة، وانحرف إلى الأمويّة من وراء البحر، وبثّ دعوتهم في أقطار المغرب فنهض إليه أحمد ابن بصلين المكناسيّ قائد المهدي، وسار في العساكر فلقيه ميسور وهزمه، وأوقع به وبقومه بمكناسة، وأزعجه عن الغرب إلى الصحارى وأطراف البلاد، ودوّخ المغرب، وثقف أطرافه ورجع ظافراً.

وفاة عبيد الله المهدي وولاية ابنه أبي القاسم

ثم توفي عبيد الله في ربيع سنة اثنتين وعشرين، لاربع وعشرين سنة من خلافته، وولّي ابنه أبو القاسم محمد، ويقال نزار بعده، ولقب القائم بأمر الله فعظم حزنه على أبيه حتى يقال أنه لم يركب سائر أيامه إلاًمرتين، وكثر عليه الثوّار. وثار بجهات طرابلس ابن طالوت القرشي، وزعم أنه ابن المهدي، وحاصر طرابلس. ثم ظهر للبربر كذبه فقتلوه. ثم أغزى المغرب وملكه، وولّى على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذابي، وحاصرا الأدارسة ملوك الريف وغوارة فنهض ميسور الخصيّ من القيروان في العساكر، ودخل المغرب، وحاصر فاس، واستنزل عاملها أحمد بن بكر. ثم نهض في اتباع موسى فكانت بينهما حروب، وأخذ الثوري بن موسى في بعضها أسيراً، وأجلاه ميسور عن المغرب، وظاهره عليه الأدارسة الذين بالريف، وانقلب ميسورا إلى القيروان سنة أربع وعشرين، وعقد للقاسم بن محمد كبير أدارسة الريف من ولد محمد بن إدريس على أعمال بن أبي العافية، وما يفتحه من البلاد فملك المغرب كلها ما عدا فاس، واقام دعوة الشيعة بسائر أعماله. ثم جهّز أبو القاسم اسطولًا ضخماً لغزو ساحل الإفرنجة، وعقد عليه ليقرب بن إسحاق فأثخن في بلاد الإفرنجة، وسبى ونازل بلد جنوة وافتتحها، وعظم صنع الله في شأنها، ومروا بسردانية من جزر الفرنج فأثخنوا فيها. ثم مروا بقرقيسا من سواحل الشام فاحرقوا مراكبها. ثم بعث عسكراً إلى مصر مع خادمه زيران فملكوا الإسكندرية، وجاءت عساكر الأخشيد من مصر فأزعجوهم عنها ورجعوا إلى المغرب. أخبار أبي يزيد الخارجي:

وهو أبو يزيد مخلد بن كيراد، وكان أبوه كيراد من أهل قسطيلة من مدائن بلد توزر، وكان يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة وبها ولد ولده أبو يزيد ونشأ بتوزر. وتعلم القرآن وخالط النكاريّة من الخوارج، وهم الصفريّة فمال إلى مذهبهم، واخذ به ثم سافر إلى تاهرت، وأقام بها يعلّم الصبيان. ولما صار الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدي انتقل هو إلى تقيوس، واقام يعلم. فيها. وكان يذهب إلى تكبير أهل ملّته، واستباحة الاموال والدماء والخروج على السلطان. ثم اخذ نفسة بالحسبة على الناس، وتغيير المنكر بسنة ست عشرة وثلاثمائة فكثر أتباعه. ولمّا مات المهدي خرج بناحية جبل أوراس، وركب الحمار، وتلقّب بشيخ المؤمنين، ودعا للناصر صاحب الأندلس من بني أمّية فاتبعه أمم من البربر. وزحف إليه عامل باغاية فلقيه في جموع البربر وهزمه، وزحف إلى باغاية فحاصرها ثم انهزم عنها، وكتب إلى بني واسى من قبائل زناتة بضواحي قسنطينة يأمرهم بحصارها فحاصروها سنة ثلاث وثلاثين. ثم فتح تبسة صلحاً، ومجانة كذلك، وأهدى له رجل من أهل مرماجنة حمارا اشهبّ فكان يركبه وبه لقب. وكان يلبس جبة صوف قصيرة ضيّقة الكميّن

وكان عسكر الكتاميين على الأريس فانفضوا، وملكها أبو يزيد واحرقها ونهبها، وتتل في الجامع من لجأ إليه، وبعث عسكراً إلى سبيبة ففتحها وقتل عاملها. وبلغ الخبر إلى القاسم فقال لا بدّ أن

يبلغ المصلى من المهدية. ثم جهز العساكر وبعثها إلى رقادة والقيروان، وبعث خادمه ميسوراً الخصيّ لحربه0 وبعث عسكرا مع خادمه بشرى إلى باجة فنهض إليه أبو يزيد وهزمه إلى تونس، ودخل أبو يزيد باجة فنهبها وأحرقها، وقتل الأطفال وسبى النساء، واجتمع إليه قبائل البربر، واتخذ الأبنية والبيوت وآلات الحرب، وبعث إليه بشرى عسكراً من تونس. وبعث أبو يزيد للقائهم عسكراً آخر فانهزم أصحاب أبي يزيد وظفر أصحاب بشرى.

ثم ثار أهل تونس ببشرى فهرب فاستأمنوا لأبي يزيد فأمنّهم وولّى عليهم، وسار إلى القيروان، وبعث القائم خديمه بشرى للقائه وأمره أن يبعث من يتجسس عن أخباره فبعث طائفة، وبعث أبو يزيد طائفة أخرى فانهزم عسكر أبي يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وجيء بأسراهم إلى المهديّة فقتلوا فسار أبو يزيد إلى قتال الكتاميّين فهزم طلائعهم، واتبعهم إلى القيروان، ونزل على رقادة في مائتي ألف مقاتل، وعاملها يومئذ خليل بن إسحاق، وهو ينتظر وصول ميسور بالعساكر، ثم ضايقه أبو يزيد وأغراه الناس بالخروج فخرج، وهزمه أبو يزيد فمضى إلى القيروان. ودخل أبو يزيد رقادة فعاث فيها وبعث أيوب الزويلي في عسكر إلى القيروان فملكها في صفر سنة ثلاث وثلاثين، ونهبها وأمن خليلاً فقتله أبو يزيد، وخرج إليه شيوخ أهل القيروان فأمنهم ورفع النهب عنهم وزحف ميسور إلى أبي يزيد، وكان معه أبو كملان فكاتبوا أبا يزيد، وداخلوه في الغدر بميسور، وكتب إليه القائم بذلك فحذّرهم فطردهم عنه. ولحقوا بأبي يزيد، وسار معه إلى ميسور فانهزم ميسور، وقتله بنو كملان وجاؤوا برأسه فاطافه بالقيروان، وبعث بالبشرى إلى البلاد.

وبلغت هزيمة ميسور إلى القائم بالمهدية فاستعد للحصار، وأمر بحفر الخنادق، وأقام أبو يزيد سبعين عاماً في مخيم ميسور، وبث السرايا في كل ناحية يغنمون ويعودون، وارسل سرية إلى سوسة ففتحوها عنوة واستباحوها، وخّرب عمران افريقية من سائر الضواحي، ولحق فلهم بالقيروان حفاة عراة. ومات أكثرهم جوعاً وعطشاً.

ثم بعث القائم إلى رؤساء كتامة والقبائل، وإلى زيري بن مناد ملك صنهاجة بالمسير إلى المهدية فتأهّبوا لذلك، وسمع أبو يزيد بخبرهم فنزل على خمسة فراسخ من المهدية، وبثّ السرايا في جهاتها، وسمع كتامة بافتراق عسكره في الغارة فخرجوا لبياته آخر جمادى الاول. وكان ابنه فضل قد جاء بالمدد من القيروان فبعثه للقاء كتامة، وركب في أثرهم، ولقي أصحابه منهزمين. ولما رآه الكتاميون انهزموا بغير قتال

وأتبعهم أبو يزيد إلى باب المهدية ورجع. ثم جاء أيام لقتالهم فوقف على الخندق المحدث، وعليه جماعة من العبيد فقاتلهم ساعة، وهزمهم وجاوز السور إلى البحر، ووصل المصلى على رمية سهم من البلد، والبربر يقاتلون من الجانب الاخر. ثم حمل الكتاميون عليهم فهزموهم، وبلغ ذلك أبا يزيد، وسمع بوصول زيري بن مناد فاعتزم ان يمر بباب المهدية، ويأتي زيري وكتامة من ورائهم فقاتلوا أهل الأرباض، ومالوا عليه لما عرفوه ليقتلوه، وتخلّص بعد الجهد، ووصل إلى منزله فوجدهم يقاتلون العبيد كما تركهم فقوي أصحابه وانهزم العبيد.

ثم رحل وتأخّر قليلا وحفر على معسكره خندقاً، واجتمع عليه خلق عظيم من البربر ونفوسة والزاب واقاصي المغرب، وضيق على أهل المرية، ثم زحف إليها آخرّ جمادى فقاتلها وتورط في قتالها يومه ذلك. ثم خلص، وكتب إلي عامل القيروان أن يبعث إليه مقاتلتها فجاؤوا، وزحف بهم آخر رجب فانهزم، وقتل من أصحابه. ثم زحف الزحف الرابع آخر شوال ولم يظفرّ، ورجع إلى معسكره، واشتد الحصار على أهل المهدية حتى أكلوا الميتات والدواب وافترق اهلها في النواحي، ولم يبق بها إلا الجند. وفتح القائم أهراء الزرع التي أعدهّا المهدي وفرقها فيهم. ثم اجتمعت كتامة وعسكروا بقسنطينة فبعث إليهم أبو يزيد بعثاً من ورجومة وغيرهم فهزموا كتامة ووافت أبا يزيد حشود البربر من كل ناحية واحاط بسوسة وضيّق عليها.

ثم انتقض البربر عليه بما كان منه من المجاهرة بالمحرّمات والمنافسة بينهم فانفضوا عنه، ورجع إلى القيروان سنة أربع وثلاثين. وغنم أهل المهديّة معسكره، وكثر عبث البربر في امصار إفريقية وضواحيها، وثار أهل القيروان بهم، وراجعوا طاعة القائم. وجاء علي بن حمدون من المسيلة بالعساكر فبيته أيوب بن أبي يزيد وهزمه، وسار إلى نونس وجاءت عساكر القائم فواقعوه مرّات، وانهزم إلى القيروان في ربيع سنة أربع وثلاثين. فبعث ايوب ثانية لقتال عليّ بن حمدون ببلطة. وكانت حروبه معه سجالاً إلى ان اقتحم عليه البلد بمداخلة بعض أهلها. ولحق ابن حمدون ببلاد كتامة، واجتمعت قبائل كتامة ونفزة ومزاتة وعسكروا بقسطنطينة. وبعث ابن حمدون العساكر إلى هوارة فأوقعوا بهم، وجاءهم مدد أبي يزيد فلم يغن عنهم. وملك ابن حمدون مدينة يتجست وباغاية

ثم زحف أبو يزيد

إلى سوسة في جمادى الاخر من سنته وبها عسكر القائم، وتوفي القائم وهو بمكانه من حصارها

وفاة القائم وولاية ابنه المنصور:

ثم توفي القائم أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي صاحب أفريقية، بعد أن عهد إلى ولده إسمعيل بعده، وتلقّب بالمنصور، وكتم موت أبيه حذراً أن يطلع عليه أبو يزيد وهو بمكانه من حصار سوسة، فلم يسمّ بالخليفة، ولا غّير السكة ولا الخطبة ولا البنود إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد كما يذكر

بقية أخبار أبي يزيد ومقتله

ولمّا مات القائم كان أبو يزيد محاصراً لسوسة كما تقدّم، وقد جهد أهلها الحصار، فلمّا وليّ إسمعيل المنصور، وكان أول عمله أن بعث الأساطيل من المهديّة إلى سوسة مشحونة بالمدد من المقاتلة والأمتعة والميرة مع رشيق الكاتب، ويعقوب بن إسحق، وخرج بنفسه في أثرهم وأشار أصحابه بالرجوع فرجع ووصل الاسطول إلى سوسة، وخرجوا لقتال أبي يزيد، وعساكر سوسة معهم فانهزم أبو يزيد، واستُبيح معسكره نهبا وإحراقاً، ولحق بالقيروان فمنعه أهلها من الدخول، وثاروا بعامله فخرج إليه، ورحل إلى سبيبة وذلك أواخر شّوال سنة أربع. وجاء المنصور إلى القيروان وأمّن أهلها، وأبقى على حرم أبي يزيد وأولاده، وأجرى عليهم الرزق، وخرجت سرية من عسكر المنصور لاستكشاف خبر أبي يزيد. وجاءت أخرى من عسكر أبي يزيد لمثل ذلك، فالتقوا وانهزمت سرية المنصور، فقوي أبو يزيد بذلك، وكثر جمعه، وعاد فقاتل القيروان وخندق المنصور على عساكره، وقاتلهم أبو يزيد فكان الظفر أول يوم للمنصور ثم قاتلهم ثانياً فانهزموا وثبت المنصور وراجع أصحابه من طريق المهديّة وسوسة.ولما رأى أبو يزيد امتناعهم عليه رحل آواخر ذي القعدة، ثم رجع فقاتلهم، وكانت الحرب سجالا، وبعث السرايا إلى طريق المهديّة وسوسة نكاية فيهم، وبعث إلى المنصور في حرمه وأولاده فبعثهم إليه بعد أن وصلهم

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير - Ecrire un commentaire
Samedi 7 mars 2009 6 07 /03 /Mars /2009 23:44

الخبر عن الأدارسة ملوك المغرب الأقصي ومبد أ دولتهم

وانقراضها ثم تجدّدها مفترقة في نواحي المغرب

لما خرج حسين بن عليّ بن حسن المثلّث. بن حسن المثّنى بن الحسن السبط بمكة في ذي القعدة سنة ست وتسعين ومائة أيام المهدي، واجتمع عليه قرابته وفيهم عماه إدريس ويحيى، وقاتلهم محمد بن سليمان بن علي بعجة على ثلاثة أميال عن مكة فقتل الحسين في جماعة من أهل بيته وإنهزموا وأسر كثير منهم. ونجا يحيى بن إدريس وسليمان، وظهر يحيى بعمد ذلك في الديلم، وقد ذكرنا خبره من قبل وكيف استنزله الرشيد وحبسه

(وأمّا إدريس )ففّر ولحق بممصر، وعلى بريدها يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور ويرف بالمسكين، وكان واضح يتشّيع فعلم شأن إدريس وأتاه إلى الموضع الذي كان به مستخفياً، ولم ير شيئا أخلص من أن يحمله على البريد إلى المغرب ففعل، ولحق إدريس بالمغرب الأقصي حر ومولاه راشد، ونزل بو ليلى سنة اثنتين وسبعين، وبها يومئذ إسحاق بن محمد بن عبد الحميد امير أوربة وكبيرهم لعهده فاجاره، واجمع البرابر على القيام بدعوته، وكشف القناع في ذلك، واجتمعت عليه زواغة ولواتة ومدراته وغياثة ونفرة ومكناسة وغمارة وكافة البربر بالمغرب فبايعوه، وقاموا بأمره

وخطب الناس يوم بويع فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه لا تمدّن الأعناق إلى غيرنا فإنّ الذي تجدونه عندنا من الحق لا تجدونه عند غيرنا ولحق به من إخوته سليمان، ونزل بأرض زناتة من تلمسان ونواحيها ونذكر خبره فيما بعد

(ولما استوثق) أمر إدريس وتمت دعوته زحف إلى البرابرة الذين كانوا بالمغرب على دين المجوسيّة واليهوديَّة. والنصرانيَّة مثل قندلاوة وبهلوانة ومديونة وما زار، وفتح تامستا ومدينة شالة وتادلا، وكان أكثرهم على دين اليَّهودية والنصرانيّة فأسلموا على يديه طوعاً وكرهاً وهدم معاقلهم وحصونهم. ثم يزحف إلى تلمسان وبها من قبائل بني يعرب ومغراوه سنة ثلاث وسبعين، ولقيه أميرها محمد بن حرز بن جزلان فأعطاه الطاعة، وبذل له إدريس الأمان ولسائر زناتة فأمكنه من قياد البلد، وبنى مسجدها وأمر بعمل

منبره، وكتب اسمه فيه حسبما هو مخطوط في صفح المنبر لهذا العهد. ورجع إلى مدينة وليلى، ثم دسّ إليه الرشيد مولى من موالي المهدي اسمه سليمان بن حريز ويعرف بالشمّاخ أنفذه بكتابة إلى ابن الأغلب فأجازه، ولحق بإدريس مظهراً النزوع

إليه فيمن نزع من وهران المغرب متبرئا من الدعوة العبّاسية ومنتحلًا للطلب. واختصه الإمام إدريس وحلا بعينه وكان قد تأبّط سمَّا في سنون، فناوله إيّاه عند شكايته من وجع أسنانه، فكان فيه كما زعموا حتفه ودفن بوليلى سنة خمس وسبعين.

وفر الشمّاخ ولحقه فيما زعموا راشد بوادي ملويَّة فاختلفا ضربتين قطع فيها راشد يد الشمّاخ، وأجاز الوادين فاعجزه، واعتلق بالبرابر من أوربة وغيرهم فجمل من دعوته في ابنه إدريس الأصغر من جاريته كنزه، بايعوه حملاً ثم رضيعاً ثم فصيلاً إلى أن شبّ واستنم فبايعوه بجامع وليلى سنة ثمان وثمانين ابن إحدى عشرة سنة، وكان ابن الأغلب دسّ إليهم الأموال واستمالهم حتى قتلوا راشداً مولاه سنة ست وثمانين، وقام بكفالة إدريس من بعده أبو خالد بن يزيد بن الياس العبديّ، ولم يزل كذلك إلى أن بايعوا لإدريس، فقاموا بأمره وجردوا لانفسهم رسوم الملك بتجديد طاعته، وافتتحوا بلاد المغرب كلّها واستوثق لهم الملك بها، واستوزر إدريس مصعب بن عيسى الأزدي المّسمى بالملجوم من ضربة في بعض حروبهم

وسمته على الخرطوم وكأنها خطام، ونزع إليه كثير من قبائل العرب والأندلس، حتى اجتمع إليه منهم زهاء خمسمائة فاختصهم دون البربر، وكانوا له بطانة وحاشية، واستفحل بهم سلطانه. ثم قتل كبير أوربة إسحاق بن محمود سنة اثنتين وتسعين لما أحسّ منه بموالاة إبراهيم بن الاغلب، وكثرت حاشية الدولة، وأنصارها، وضاقت وليلى بهم فاعتام موضعاّ لبناء مدينة لهم، وكانت فاس موضعا لبني بوغش وبني الخير من وزاغة، وكان في بني بوغش مجوس ويهود ونصارى، وكان موضع شيبوبة منها بيت نار لمجوسهم، وأسلّموا كلهم على يده. وكانت بينهم فتن فبعث للإصلاح بينهم كاتبه أبا الحسن عبد الملك بن مالك الخزرجيّ. ثم جاء إلى فاس وضرب أبنيته بكزواوه، وشرع في بنائها فاختط عدوة، الأندلس سنة اثنين وتسعين. وفي سنة ثلاث بعدها اختطّ عدوة القرويين وبنى مساكنه، وانتقل إليها، وأسس جامع الشرفاء، وكانت عدوة القرويّين من لدن باب السلسلة إلى غدير الجوزاء والجرف، واستقام له أمر الخلافة وأمر القائمين بدعوته وأمر العزَ والملك

ثم خرج غازياً المصامدة سنة سبع وتسعين فافتتح بلادهم ودانوا بدعوته. ثم غزا تلمسان وجدّد بناء مسجدها وإصلاح منبرها، وأقام بها ثلاث سنين، وانتظمت كلمة البرابرة وزناتة ومحوا دعوة الخوارج منهم، واقتطع الغربيّين عن دعوة العبّاسيين من لدن الشموس الاقصى إلى شلف. ودافع إبراهيم بن الأغلب عن حماه بعد ما ضايقه بالمكاد، واستقاد الأولياء، واستمال بهلول بن عبد الواحد المظفري بمن معه من قومه عن طاعة إدريس إلى طاعة هارون الرشيد. ووفد عليه بالقيروان، واستراب إدريس بالبرابرة فصالح ابراهيم بن الأغلب، وسكن من غربه. وعجز الأغالبة من بعد ذلك عن مدافعة هؤلاء الأدارسة، ودافعوا خلفاء بني العبّاس بالمعاذير بالغضّ من إدريس والقدح في نسبه إلى أبيه إدريس بما هو أوهن من خيوط العناكب

(وهلك إدريس) سنة ثلاث عشرة، وقام بالأمر من بعده ابنه محمد بعهده إليه فأجمع أمره بوفاة جدّته كنزة أمّ إدريس، على أن يشرك إخوته في سلطانه ويقاسم ممالك أبيه. فقّسم المغرب بينهم أعمالاً اختص منها القاسم بطنجة وبسكلة وسبته وتيطاوين وقلعة حجر النسر وما إلى ذلك من البلاد والقبائل واختصّ عمر بتيكيسان وترغة وما بينهما من قبائل صنهاجة وغمارة واختص داود ببلاد هوارة وتسول وتازى وما بينهما من القبائل: مكناسة وغياثة واختص عبد الله بإغمات وبلد نفيس وجبال المصامده وبلاد لمطة والسوس الأقصى واختص يحيى <*>، بأصيلاً والعرائش وبلاد زوغة وما إلى ذلك

واختص عيسى بشالة وسلا وأزمور وتامستا وما إلى ذلك من القبائل. واختص حمزة بوليلى وأعمالها، وأبقى الباقين في كفالتهم وكفالة جدّتهم كنزة لصغرهم. وبقيت تلمسان لولد سليمان بن عبد الله. وخرج عيسى بأزمور على أخيه محمد طالباً الأمر، لنفسه فبعث لحربه أخاه عمر بعد أن دعا القاسم لذلك فامتنع. ولما أوقع عمر بعيسى وغلب على ما في يده إستنابه إلى أعماله باذن أخيه محمد. ثم أمره أخوه محمد بالنهوض إلى حرب القاسم لقعوده عن إجابته في محاربة عيسى فزحف إليه، وأوقع به، واستناب عليه إلى ما في يده فصار الريف البحري كلّه من عمل عمر هذا من تيكيسان، وبلاد غمارة إلى سبتة، ثم إلى طنجة. وهذا ساحل البحر الرومي ثم ينعطف إلى أصيلا ثم سلا، ثم أزمور وبلاد تامستا، وهذا ساحل البحر الكبير. وتزهد القاسم وبنى رباطا بساحل أصيلا للعبادة إلى أن هلك

واتسعت ولاية عمر بعمل، عيسى والقاسم، وخلصت طويته لأخيه

محمد الأمير، وهلك في إمارة أخيه محمد ببلد صنهاجة بموضع يقال له :فجّ الفرص سنة عشرين ومائتين، ودفن بفاس وعمر هذا هو جدّ المحمودييّن الدائلين بالأندلس من بني أمية كما نذكره. وعقد الأمير محمد على عمله لولده عليّ بن عمر. ثم كان مهلك الأمير محمد لسبعة أشهر من مهلك أخيه عمر سنة إحدى وعشرين ومائتين بعد أن استخلف ولده علياًّ في مرضه وهو ابن تسع سنين فقام بأمره الأولياء والحاشية من العرب وأوربة وسائر البربر وصنائع الدولة، وبايعوه غلاماً مترعرعاً، وقاموا بأمره وأحسنوا كفالته وطاعته فكانت أيامه يخر أيام، وهلك سنة أربع وثلاثين لثلاث عشرة سنة من ولايته، وعهد لأخيه يحيى بن محمد فقام بالأمر، وامتدّ سلطانه، وعظمت دولته، وحسنت آثار ايامه

واستجدّت فاس في العمران وبنيت بها الحمامات والفنادق للتجار، وبينت الأرباض، ورحل إليها الناس من الثغور القاصية واتفق أن نزلتها امرأة من أهل القيروان تسمّى أم البنين بنت محمد الفهريّ ،وقال ابن أبي ذرع اسمها فاطمة، وإنها من هّوارة، وكانت مثرية بموروث أفادته من ذويها واعتزمت على صرفه في وجوه الخير فاختطت المسجد الجامع بعدوة القرويين أصغر ما كان سنة خمس وأربعين في أرض بيضاء كان أقطعها الإمام إدريس، وأنبطت بصحنها بئراً شراباً للناس، فكأنما نبّهت بذلك عزائم الملوك من بعدها، ونقلت إليه الخطبة من جامع ادري لضيق محلته وجوار بيته

واختط بعد ذلك أحمد بن سعيد بن أبي بكر اليغرنيّ صومعته سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، على رأس مائة سنة من اختطاط الجامع حسبما هو منقوش في الحجارة بالركن الشوقي منها. ثم أوسع في خطته المنصور بن أبي عامر، وجلب إليه الماء وأعدّله السقاية والسلسلة بباب الحفاة منه. ثم أوسع في خطته آخر ملوك لمتونة من الموحدين، وبنى مرين واستمرّت العمارة به، وانصرفت هممهم إلى تشييده والمنافسات في الاحتفال به فبلغ الاحتفال فيه ما شاء الله حسبما هو مذكور في تواريخ المغرب. وهلك يحيى هذا سنة وولي ابنه يحيى بن يحيى فأساء السيرة وكثر عبثه في الحرم، وثارت به العامّة لمركب شنيع أتاه وتولى كبر الثورة عبد الرحمن بن أبي سهل الحزامي، وأخرجوه من عدوة القرويّين إلى عدوة الأندلسيّين فتوارى ليلتين، ومات أسفاً لليلته. وانقطع الملك من عقب محمد

بن ادريس. وبلغ الخبر بشأن يحيى إلى ابن عمّه علي بن عمر صاحب الريف ،واستدعاه أهل الدولة من العرب والبربر والموالي فجاء إلى فاس ودخلها وبايعو، واستولى على أعمال المغرب إلى أن ثار عليه عبد الرزاق الخارجي، خرج بجبال لمتونة وكان على رأي الصفريّة فزحف إلى فاس، وغلب عليها ففرّ إلى أوربة، وملك عبد الرزاق عدوة الأندلس، وامتنعت منه عدوة القروييّن، وولوا على أنفسهم يحيى بن القاسم بن إدريس، وكان يعرف بالصرام، بعثوا إليه فجاءهم في جموعه، وكانت بينه وبين الخارجي حروب. ويقال إنه اخرجه من عدوة الأندلس، واستعمل عليها ثعلبة بن محارب بن أبي صفرة. ثم استعمل إبنه عبد الله ،المعروف بعبود من بعده، ثم ابنه محارب بن عبود بن ثعلبة إلى أن اغتاله الربيع بن سليمان سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وقام بالأمر مكانه يحيى بن إدريس بن عمر صاحب الريف، وهو ابن أخي عليّ بن عمر فملك جميع أعمال الأدارسة، وخطب له على سائر أعمال المغرب، وكان أعلى بني ادريس ملكاً وأعظمهم سلطانً، وكان فقيهاً عارفاً بالحديث، ولم يبلغ احد من الأدارسة مبلغه في السلطان والدولة، وفي أثناء ذلك كله خلط الملك للشيعة بأفريقيا، وتغلّبوا على الإسكندرية واختطوا المهديّة كما نذكره في دولة كتامة. ثم طمحوا إلى ملك المغرب، وعقدوا لمضالة بن حبوس كبير مكناسة، وصاحب تاهرت على محاربة ملوكه سنة خمس وثلاثمائة، فزحف إليه في عساكر مكناسة وكتامة، وبرز لمدافعته يحيى بن إدريس صاحب المغرب بجموعه من المغرب، وأولياء الدولة من أوربة وسائر البرابرة والموالي، والتقوا على مكناسة وكانت الدبرة على يحيى وقومه، ورجع إلى فاس مغلولاً، وأجاز له بها معاملة إلى أن صالحه على مال يؤديه إليه وطاعة معروفة لعبيد الله الشيعي سلطانه، يؤدّيها فقبل الشرط، وخرج عن الأمر، وخلع نفسه، وأنفذ بيعته إلى عبيد الله المهدفيّ وابقى عليه مصالحه في سكنى فاس، وعقد له على عملها خاصة، وعقد لابن عمه موسى بن أبي العافية أمير مكناسة يومئذ وصاحب سنوروتازه على سائر أعمال البربر كما نذكره في أخبار مكناسة ودولة موسى

وكان بين موسى بن أبي العافية وبين يحيى بن إدريس شحناء وعداوة، يضطغنها كل واحد

لصاحبه حتى إذا عاد مضالة إلى المغرب في غزاته الثانية سنة تسع أغزاه موسى بن أبي العافية بطلحة بن يحيى بن إدريس صاحب فاس، فقبض عليه مضالة واستصفى أمواله وذخائره وغّربه إلى أصيلا والريف عمل ذي قرباه ورحمه، وولىّ على فاس ريحان الكتامّي. ثم خرج يحيى يريد إفريقيا فاعترضه ابن أبي العافية وسجنه سنتين واطلقه ولحق بالمهدية سنة إحدى وثلاثين، وهلك في حصار أبي يزيد سنة واستبد ابن أبي العافية بملك المغرب وثار على ريحان الكتامّي بفاس سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس الملقب بالحجّام، ونفى ريحان عنها وملكها عامين، وزحف للقاء موسى بن أبي العافية، وكانت بينهما حروب شديدة هلك فيها ابنه منهال بن موسى، وانجلت المعركة على أكثر من ألف قتيل، وخلص الحسن إلى فاس منهزماً وغدر به حامد بن حمدان الأوربي واعتقله

وبعث إلى موسى فوصل إلى فاس وملكها وطالبه بإحضار الحسن فدافعه عن ذلك، وأطلق الحسن متنكراً فتدلى من السور فسقط ومات من ليلته. وفّر حامد بن حمدان إلى المهدّية، وقتل موسى بن أبي العافية عبد الله بن ثعلبة بن محارب وابنيه محمداً ويوسف، وذهب ملك الأدارسة، واستولى ابن أبي العافية على جميع المغرب وأجلى بني محمد بن القاسم بن إدريس، وأخاه الحسن إلى الريف فنزلوا البصرة، واجتمعوا إلى كبيرهم ابراهيم بن محمد بن القاسم أخي الحسن وولّوه عليهم، واختط لهم الحصن المعروف بهم هنالك وهو حجر النسر سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وانزلوه وبنو عمر بن إدريس يومئذ بغمارة من لدن تيجساس إلى سبتة وطنجة، وبقي إبراهيم كذلك. وشمّر الناصر المرواني لطلب المغرب، وملك سبتة عليّ بن إدريس سنة تسع عشرة، وكبيرهم يومئذ أبو العيش بن ادريس بن عمر فانجابوا له عنها وأنزل بها حاميته. وهلك إبراهيم بن محمد كبير بني محمد فتوليّ عليهم من بعده أخوه القاسم الملقب بكانون، وهو اخو الحسن الحجّام، واسمه القاسم بن محمد بن القاسم، وقام بدعوة الشيعة انحرافاٌ عن أبي العافية ومذاهبه. واتصل الأمر في ولده، وغمارة أولياؤهم والقائمون بأمرهم كما نذكره في أخبار غمارة

ودخلت دعوة المروانيين خلفاء قرطبة إلى المغرب، وتغلّبت زناتة على الضواحي. ثم ملك بنو يعرب فاس وبعدهم مغراوة وأقام

الأدارسة بالريف مع غمارة وتجدّد لهم به ملك في بني محمد، وبني عمر بمدينة البصرة وقلعة حجر النسر ومدينة سبتة وأصيلا. ثم تغلّب عليهم المروانيون وأنخنوهم إلى الأندلس،، ثم أجازوهم إلى الاسكندرية. وبعث العزيز العبيديّ بن كانون منهم لطلب ملكهم بالمغرب فغلبه عليه المنصور بن أبي عامر وقتله

وعليه كان انقراض أمرهم، وانقراض سلطان أوربة من المغرب، وكان من أعقاب الأدارسة الذين أووا إلى غمارة فكانوا الدائلين من ملوك الأموية بالأندلس. وذلك أنّ الأدارسة لما انقرض سلطانهم، صاروا إلى بلاد غمارة واستجدّوا بها رياسة، واستمرّت في بني محمد وبني عمر من ولد إدريس بن إدريس، وكانت للبربر إليهم بسبب ذلك طاعة وخلطة. وكان بنو حمود هؤلاء من غمارة فأجازوا مع البربر حين أجازوا في مظاهرة المستعين. ثم غلبوه بعد ذلك على الأمر وصار لهم ملك الأندلس حسبما نذكر في أخبارهم

(وأما سليمان) أخو إدريس الاكبر فإنه فرّ إلى المغرب أيام العبّاسيّين فلحق بجهات تاهرت بعد مهلك أخيه ادريس، وطلب الأمر هناك فاستنكره البرابرة وطلبه ولاة الاغالبة فكان في طلبهم تصحيح نسبه. ولحق بتلمسان فملكهما واذعنت له زناتة وسائر قبائل البربر هنالك، وورث ملكه ابنه محمد بن سليمان على سننه ،ثم افترق بنوه على ثغور المغرب الأوسط، واقتسموا ممالكه ونواحيه فكانت تلمسان من بعده لابنه حمد بن أحمد بن القاسم بن محمد بن أحمد، وأظنّ هذا القاسم هو الذي يدعي بنو عبد الواد نسبه فإنّ هذا أشبه من القاسم بن ادريس بمثل هذه الدعوى. وكانت أرشكول لعيسى بن محمد بن سليمان وكان منقطعاً إلى الشيعة، وكانت جراوة لإدريس بن محمد بن سليمان، ثم لابنه عيسى، وكنيته أبو العيش، ولم تزل إمارتها في ولده ووليها بعده ابنه ابراهيم بن عيسى، ثم ابنه يحمى بن ابراهيم، ثم أخوه ادريس بن ابراهيم، وكان إدريس بن إبراهيم، صاحب أرشكول منقطعا إلى عبد الرحمن الناصر وأخوه يحيى كذلك. وأرتاب من قبله ميسور قائد الشيعة فقبض عليه سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ثم انحرف عنهم فلما أخذ ابن أبي العافية بدعوة العلوية نابذ أولياء الشيعة فحاصر صاحب جراوة الحسن بن أبي العيش، وغلبه على جراوة فلحق بابن عمه إدريس بن إبراهيم صاحب أرشكول. ثم حاصرها البوري بن موسى ابن أبي العافية وغلب عليهما، وبعث بهما إلى الناصر فأسكنهما قرطبة، وكانت تنس لإبراهيم بن محمد بن سليمان، ثم لابنه محمد من بعده، ثم لابنه يحيى بن محمد، ثم ابنه عليّ بن يحيى، وتغلّب عليه زيري بن مناد سنة إثنتين وأربعين وثلاثمائة ففرّ إلى الجبر بن محمد بن خزر، وجاز إبناه حمزة ويحيى إلى الناصر فتلقّاهما رحباً وتكرمة. ورجع يحيى منهما إلى طّلب تنس فلم يظفر بها. وكان من ولد إبراهيم هذا أحمد بن عيسى بن إبراهيم صاحب سوق إبراهيم، وسليمان بن محمد بن إبراهيم من رؤساء المغرب الأوسط. وكان من بني محمد بن سليمان هؤلاء وبطوش بن حناتش بن الحسن بن محمد بن سليمان، قال ابن :حزم وهم بالمغرب كثير جداً، وكان لهم بها ممالك، وقد بطل جميعها، ولم يبق منهم بها رئيس بنواحي بجاية. وحمل بني حمزة هؤلاء جوهر إلى القيروان، وبقيت منهم بقايا في الجبال والأطراف معروفون هنالك عند البربر، والله وارث الأرض ومن عليها

Par Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش - Publié dans : Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير - Ecrire un commentaire

Bonjour, nous sommes le

normal Bismillah 456

. 

Calendrier

Juin 2012
L M M J V S D
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30  
<< < > >>

Présentation

  • Histoire du Maghrib تاريخ المغرب الوسيط
  • : Histoire du Maghrib تاريخ المغرب الوسيط
  • : A la mémoire du Shayh Abderrahmân al-'Amayrî al-Yaznâsnî al-Darqâwî al-Zanâtî. الى روح الشيخ عبد الرحمان العميري اليزناسني
  • : 08/02/2007
  • Contact
  • Partager ce blog
  • Retour à la page d'accueil

Profil

  • Abdelkader HADOUCH عبد القادر حادوش
  • Histoire du Maghrib تاريخ المغرب الوسيط

Flux RSS FeedBurner

 

footer_logo.gif link

Liens des articles

blog

La question de tahmîs al-Barbar تخميس البربر

L'éloignement du mystique (النفور)

Les étrangers du géographe al-Ya'qûbî en Ifrîqiya.

الرحلة السياسية للمؤرخ إبن خلدون

L'homme politique Muhammad Ibn Tûmart

A propos d'al-Karâma الكرامة

Umma et dâr al-islâm au Moyen-Age

La mutation militaire de la conquête arabe au Maghreb

Jihâd, shahîd et économie de la conquête arabe au Maghreb.

L'innovation البدع au sein du soufisme mérinide.

Le pouvoir de Sijilmâsa (سجلماسة)

La justice sociale selon Ibn Abbâd (إبن عباد)

أمير المسلمين وشرعية المرابطين

أمير المؤمنين وشرعية الموحدين

L'héritage de la sainteté héréditaire (Banû Amghâr بنو أمغار)

Quelques lignes sur l'officialisation de la fête du Mawlid المولد النبوي

Les Mérinides et les Shurafâ' -Le rapprochement politique-

(1) الخلفية وقوى التغيير الوسيطية

L'austérité des fondateurs mérinides: sainteté et miracles.

La méfiance du pouvoir almohade et l'alternative de la wilâya الولاية.

Le glissement des traditions à l'époque almohade الولي - الرباط - الطائفة

(2) الخلفية وقوى التغيير الوسيطية

La révolte des Murîdûn de l'Algavare.

الإحياء من المواجهة إلى الواجهة

(4) ممارسة قوى التغيير الوسيطية

(3) ممارسة قوى التغيير الوسيطية

Les Idrisides et les chrétiens du Maghrib occidental.

Les chrétiens de Tâhert dans la chronique d'Ibn Saghîr.

Les chrétiens d'al-Qal'a et Bougie

أمير المسلمين وشرعية المرينيين

Les chrétiens à la période zîrîde.

Les chrétiens et la politique almoravide.

Le syndrome des complots, le commerce et les étrangers sécuritaires et économiques du sultanat hafsîde de Tunis.

Le culte des martyres et l'église de Marrakech au XIII siècle.

L'extinction de la hiérarchie épiscopale au Maghreb médiéval.

Les Shu'aybiyûn taifa d'Azemmour.

Les Majâruyûn et tâ'ifat al-Hujâj

Les Hâhiyûn du mystique Abû Zakariyâ' al-Hâhî

Indépendance et extériorité du pouvoir.

(شفاء السائل) de l'historien Ibn Khaldûn et le soufisme.

Sur la problématique de l'exil des Rûms.

Aperçu sur le statut des protégés (أهل الكتاب) au Maghreb médiéval (1).

Aperçu sur le statut des protégés (أهل الكتاب) au Maghreb médiéval (Suite).

Le consultatif et l'absolu dans l'allégeance au Maghrib.

La justice au nom de la ligne orthodoxe (Madhab).

Gouverneurs et Provinces: Loyauté, service et attachement.

Le régime foncier du Maghreb et la conquête arabe (1).

Le régime foncier du Maghreb et la conquête arabe (suite 2)

Le régime foncier du Maghreb et la conquête arabe (Suite 3).

La géographie d'al-Bakrî et la survivance du christianisme.

Les lieux de culte chrétiens entre la réalités et les légendes.

Les Zanâta au pouvoir après Las Navas de Tolosa.

Bibliographie / Maghreb

Bibliographie / Maghreb (suite1)

Bibliographie / Maghreb (suite 2)

Bibliographie / Maghreb (suite 3)

Le réformisme mérinide: les Madrasa.

Les tendances du soufisme à l'époque almoravide.

Soufisme collectif et individualités à l'époque mérinide.

Les Banû Amghâr et les Almohades de Marrakech.

Quelques lignes sur les sources hagiographiques.

La pratique politique d'Ibn Yâsîn et Ibn Tûmart (hijrat-ribât).

الفئات الإجتماعية المغربية والغزو البرتغالي للمغرب الأقصى

إبن خلدون والنقد التاريخي

Survivance chrétiennes, harijites et prophètes berbères de Ghumâra.

La paysannerie dimmî et le harâj الخراج (Impôts de la terre)

Le rêve de l'unité du Maghreb et la fiscalité dans les réformes d'Abû al-Hasan.

Ibn Âshir et le mérinide Abû Inân.

Le partage des mérinides et des Abd al-Wadides d'un héritage militaire (Les milices chrétiennes).

حول الفترة الوجيزة لكتابة المقدمة الخلدونية : ملاحظات أولية

التأريخ للحركة الزناتية والبناء الروائي الخبري عند إبن خلدون

التحريف والمغالط في علم التاريخ أسبابها الموضوعية والذاتية في نقد إبن خلدون

النخبة والجمهور في السياسة السلطانية من خلال المسند لإبن مرزوق

إقتصاد الإقطاعات في السياسة السلطانية من خلال المسند لإبن مرزوق

الإدارة في السياسة السلطانية من خلال المسند الصحيح لإبن مرزوق

المنشآت المدنية في السياسة السلطانية من خلال المسند لإبن مرزوق

السياسة الخارجية في السياسة السلطانية من خلال المسند لإبن مرزوق

التعريف بإبن مرزوق الفقيه الخطيب والسياسي أيام بني مرين

التجريح والتعديل وترجيح المطابقة في الخبر المخرج الخلدوني لكتابة التاريخ

تقسيم العمل ونظرية القيمة في الفكر الخلدوني

إشكالية الخطاب السياسي الدعائي التومرتي بين المرجعية والتأويل

المشروعية الإدريسية بين الإنتماء المذهبي والمغربة

Question d’une naissance politique : l’arrière plan almohade.

Question d’une naissance politique : l'arrière plan almoravide

Quelques lignes sur le projet et l’attitude d’Ibn Yâsîn.

Référence au califat et le titre d'Amîr al-Muslimîn almoravide

La période Mahdisto-almohade et Imârat al-Mu’minîn almohade

La légitimité mérinide : le califat de référence et Imarat al-Muslimîn

التوافقية في مؤسسة ثالثة

المغاربة والإنتماء للأندلس الإسلامية

La conquête normande: politique et religion sur les côtes d'Ifrîqiya.

Images Aléatoires

  • La révolution tunisienne (80)
  • Révolution egyptienne (91)
  • 55.jpg
  • Révolution egyptienne (21)
  • Révolution libyenne du 17 février
  • Révolution egyptienne (14)

Consulter depuis votre mobile

Rechercher

overblog

Syndication

  • Flux RSS des articles

Recommander

Musiques

الطقطوقة الجبلية
سيدة الطرب العربي أم كلثوم
الأستاذ محمد عبد الوهاب

Gharnatî de l'orchestre de Oujda
Taqâsîm
Jacques BREL et Francis Cabrel

Edith PIAF


 

Découvrez la Radio Variété française


Découvrez la Radio Chanson française

 

 

 

 
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Signaler un abus - Articles les plus commentés