Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

المهدوية في المحاضرات لليوسي

مهدوية أحمد بن أبي محلى

وممن ابتلي بهذا قريباً أحمد بن عبد الله بن أبي محلى، وكان صاحب ابن مبارك التستاوتي في الطريق حتى حصل له نصيب من الذوق، وألف فيها كتباً تدل على ذلك، ثم نزعت به هذه النزعة، فحدثونا أنه في أول أمره كان معاشراً لابن أبي بكر الدلائي المتقدم الذكر، وكان البلد إذ ذاك قد كثرت فيه المناكر وشاعت، فقال لابن أبي بكر ذات ليلة: هل لك أن تخرج غداً إلى الناس فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلم يساعفه لما رأى من تعذر ذلك لفساد الوقت وتفاقم الشر، فلما أصبحا خرجا، فأما ابن أبي بكر فانطلق إلى ناحية النهر فغسل ثيابه وأزال شَعَثَهُ بالحلق، وأقام صلاته وأوراده في أوقاتها، وأما ابن أبي محلى فتقدم لما هم به من الحسبة فوقع في شر وخصام أدّاه إلى فوات الصلاة عن الوقت ولم يحصل على طائل، فلما اجتمعا بالليل قال له ابن أبي بكر: أما أنا فقد قضيت مآربي، وحفظت ديني، وانقلبت في سلامة وصفاء، ومن أتى منكراً فالله "هو" حسيبُهُ أو نحو هذا، وأما أنت فانظر ما الذي وقعت فيه. ثم لم ينته إلى أن ذهب إلى بلاد القبلة ودعا لنفسه وادعى أنه المهدي المنتظر، وأنه بصدد الجهاد، فاستخف قلوب العوام واتبعوه، فدخل بلد سجلماسة وهزم عنه والي الملوك السعدية واستولى عليه، ثم أخرجهم من درعة، ثم تبعهم إلى حضرة مراكش، وفيها زيدان بن أحمد المنصور فهزمه. وأخرجه منها، وذهب فاستغاث بأهل السوس الأقصى فخرجوا إلى ابن أبي محلى فقتلوه وهزموا عسكره شذر مذر فكان آخر العهد به، ورجع زيدان إلى ملكه. وحدثونا أنه كان ذات يوم عند أستاذه ابن مبارك قبل ذلك فورد عليه وارد حال فتحرك وجعل يقول: أنا سلطان، أنا سلطان، فقال له الأستاذ: يا أحمد "هب أنك تكون سلطاناً" (إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً)

وفي يوم آخر وقع للفقراء سماع فتحرك وجعل يقول: أنا سلطان، فتحرك فقير أخر في ناحية وجعل يقول: ثلاث سنين غير ربع، وهذه هي مدة ملكه، "وقد رمزوا له ذلك" فقالوا: قام طيشاً، ومات كبشاً، أي قام في تسعة عشر بعد ألف، ومات في اثنين وعشرين بعدها. وزعموا أن إخوانه من الفقراء ذهبوا إليه حين دخل مراكش برسم زيارته وتهنئته، فلما كانوا بين يديه أخذوا يهنئونه ويفرحون له بما حاز من الملك، وفيهم رجل ساكت لا يتكلم، فقال: ما شأنك لا تتكلم? وألح عليه في الكلام، فقال له الرجل: أنت اليوم سلطان، فإن أمنتني على أن أقول الحق قلته، فقال له: أنت آمن فقل، فقال: إن الكرة التي يلعب بها يتبعها المائتان وأكثر من خلفها، وينكسر الناس وينجرحون، وقد يموتون، ويكثر الصياح والهول فإذا فتشت لم تجد "بداخلها" إلاّ شراويط أي خرقاً بالية ملفوفة فلما سمع ابن أبي محلى هذا المثال وفهمه بكى وقال: رمنا أن نحيي الدين فأتلفناه

واعلم أن هذه الدعوى أعني دعوى الفاطمية بلوى قديمة كما أشار إلى ذلك بعض الأئمة، وكان الشيعة ادعوا ذلك لزيد بن علي، فلما قام على هشام ظفر به يوسف بن عمر فصلبه، فقال بعض شعراء بني مروان يخاطب الشيعة

صلـبـنـا لـكـم زيداً عـلـى جـذع نـخــلة          ولم نر مهدياً على الجذع يصلب

لله الأمر من قبل ومن بعد

المهدي بن تومرت وأتباعه

وأول من تظاهر بهذا جداً ببلاد المغرب "فيما علمنا" يهدي الموحدين، وهو أبو عبد الله محمد بن تومرت السوسي، وكان رجلاً فقيهاً، له رحلة إلى المشرق ولقي فيها المشايخ كالإمام الغزالي رضي الله عنه، فلما قفل إلى المغرب لقي في طريقه عبد المؤمن بن علي قد ارتحل في طلب العلم وهو شاب صغير، وكان عنده فيما يقال علم من علم الحدثان فلما بصر به توسم فيه أنه صاحب الأمر فقال له: اذهب معي وأنا أعلمك ما تشاء من العلوم، فصحبه عبد المؤمن في دخوله إلى المغرب، فلما وصلوا إلى حضرة مراكش -حرسها الله- وجدوا فيها آخر المرابطين، ووجدوا أموراً مختلفة كما هو المعهود في أذناب الدول، فدخل ابن تومرت وأظهر شيئاً مما حمل من العلوم العقلية، فأنكر أهل البلد ذلك، وكانوا إذ ذاك أهل بادية، فوشوا به إلى صاحب الوقت، فاستدعى وناظر حتى ظهر عليهم، فخلى السلطان سبيله، وبقي في البلد، ثم جعل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وشاع ذلك، فأنهوا أمره ثانية إلى السلطان وأغروه به، فأمر بإخراجه فخرج إلى تلك الجبال وجعل يدعو إلى الدين، وأقبل عليه الناس، ثم تظاهر بأنه هو المهدي، فلما اجتمع إليه الناس حضهم على إعلاء الدين، وجهاد المفسدين، فتقدم بهم إلى مراكش، وجرت بينهم وبين المرابطين حروب شديدة مات في خلالها بعد أن أوصى بعبد المؤمن وهيأ الأمر له، فولي عبد المؤمن واستوسق الأمر له، ولولده من بعده، وهم أتباع المهدي مع كل من يشايعهم في أنه هو المهدي من الطائفة التومرتية، وقد أنكر الفقهاء عليهم ذلك وضللوهم، ولا شك في ضلالهم في ذلك عند كل من يعترف بوجود المهدي في آخر الزمان

وقد ألف بعد ذلك الجلال السيوطي كتابه: "العرف الوردي، في أخبار المهدي" و"الكشف في مجاوزة هذه الأمة الألف" وبسط القول في ذلك بما فيه غنية من أن المهدي متأخر حتى يكون في آخر الزمان لوقت خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، وأنه ليس هو ابن تومرت ولا أمثاله من كل من يدعي ذلك إلى زماننا

وكنت لا أحسب أن للطائفة التومرتية في دعواهم أزيد من مجرد الدعوى وتقليد شيخهم "المذكور" فكان من غريب الاتفاق أني منذ نظرت في كتب التصوف وقع في يدي كتابان في هذا العلم ينسبان لأبي زيد عبد الرحمن اللجائي، أحدهما "قطب العارفين"، والآخر "شمائل الخصوص"، فكنت أستحسنهما مع العلم من نفسهما أن مؤلفهما ليس من فحول العلماء، ولكن ما فيهما حسن المسلك، سهل المدرك، فكنت أتمنى زيارة المؤلف لاعتقادي أنه من أهل الطريق، وكنت إذا ارتحلت لزيارة الشيخ عبد السلام بن مشيش -رضي الله عنه- أسأل عنه فأجده بعيداً عني حتى إذا كان الحصار على مدينة فاس- حرسها الله- حين قتلوا القائد زيدان خرجت منها وأخذت على جبل بني زروال، فإذا بجبل لجاية قريباً مني، فأجمعت زيارته وتركت الركب وانخزلت إليه في نفر من أصحابي، فصعدنا الجبل إليه، وإذا هم يسمونه سيدي عبد الرحمن التراري فلما وصلنا إلى مقامه خرج إلينا أولاده "فأنزلونا" وأكرموا مثوانا، فلما اطمأن بنا المنزل وزرنا قالوا: هل لك في أن نخرج إليك كتب الشيخ لتراها، فقلت: نعم، فأخرجوا الكتابين المذكورين، فلما رأيتهما سررت بهما واستدللت بذلك على أنه هو ذاك، وأنه هو المؤلف لهما، وأخرجوا كتاباً ثالثاً مجلداً ضخماً ففتحته فإذا هو يسميه "المقصد الأسنى، في المهدي الأقنى"، فلما رأيت ذلك ظننت أنه يتكلم في المهدي المنتظر على نحو ما تكلم عليه الأئمة وإذا هو يخرج أحاديث لعبد الرزاق ويذكر حساباً يتضمن ظهوره إثر المائة الخامسة، وإذا هو يصفه ويذكر أحواله، وإذا كلامه في ابن تومرت المذكور، وإذا هو من الطائفة التومرتية، وذكر في أثناء الكتاب المذكور أنه امتحن على يد قضاة الوقت في ذلك حتى دعي إلى فاس ثم إلى مراكش، وأنه أنقذه الله من المحنة ورجع إلى بلده سالماً، فلما رأيت ذلك استضحكت في نفسي وقلت كما قال أبو علي الفاسي حين وجد الياء منقوطة: ضاعت خطواتنا، واستعجلت القيام، والخروج عن ذلك المقام، ولم أنتظر ما يضعون من طعام، وتخلصت بالاعتذار، بأصحابي الذين خلفت بعدي في الدار، ولما فصلنا عنهم تأملت فقلت: حصل العلم بأن هذا الرجل من تلك الطائفة، والعلم بأن تلك الطائفة قد كان فيها من يحتج لدعواهم الباطلة من أهل العلم، وهاتان فائدتان غريبتان، فلم تضع الخطوات مع أن الخطب سهل، والمجتهد مصيب مأجور، أو مخطئ معذور

لله الأمر من قبل ومن بعد

Partager cet article

Repost 0

Commenter cet article