Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

خروج عبيد الله المهدي إلى المغرب من اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي

وكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سير إلى عبيد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه، فوافوه بسلمية من أرض حمص، قد كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس، فطلبه المكتفي، ففر من سلمية ومعه ابنه أبو القاسم نزار الذي قام بالأمر من بعده، وخرج معهما خاصته ومواليه

فلما انتهى إلى مصر أقام مستتراً بزي التجار، فأتت الكتب إلى عيسى التوشري أمير مصر من المعتضد بالله العباسي بصفة عبيد الله وحليته، وأنه يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكل من يشبهه؛ فلما قرئت الكتب كان في المجلس ابن المدير الكاتب، فبلغ ذلك عبيد الله، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة، فأوسع في النفقة على من صحبه، وفرق النوشري الأعوان في طلب عبيد الله، وخرج بنفسه، فلما رآه لم يشك فيه، وقبض عليه، ووكل به وقد نزل في بستان، ثم استدعاه ليأكل معه، فأعلمه أنه صائم، فرق له، وقال: أعلمني حقيقة أمرك حتى أطلقك

فخوفه الله تعالى وأنكر حاله، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلى سبيله، وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة إلى ذلك، ودعا له

وقيل إنه أعطاه مالاً في الباطن حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليرده

وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيع كلباً كان يصيد به، وهو يبكي عليه، فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده، فلما رآه النوشري سأل عن خبره، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده، فقال النوشري لأصحابه: قبحكم الله، أردتم أن تحملوني على هذا الرجل حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريباً لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه، ولا كان يرجع في طلب كلب وتركه، ولم يعرض له

فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له: الطاحونة، فأخذوا بعض متاعه، منه كتب وملاحم كانت لآبائه، فعظم أمرها عليه، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان

ثم إن عبيد الله انتهى هو وولده إلى مدينة طرابلس، ففارق التجار، وكان في صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله، فقدمه عبيد الله إلى القيروان، فسار إليها، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب، فقبض على أبي العباس وقرره، فأنكر، وقال: أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل، فحبس

وبلغ الخبر إلى عبيد الله، فسار إلى قسنطينة

ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر طرابلس بأخذ عبيد الله، فلم يدركه، ووافى عبيد الله قسطنطينة، فلم يقصد أبا عبد الله، لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ، وسار إلى سجلماسة، فوافت الرسل في طلبه، وقد سار فلم يوجد، ووصل إلى سجلماسة فأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات

وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار، فأهدى إليه عبيد الله وواصله، فقربه اليسع وأحيه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أن الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي عنده، فلم يجد بداً من القبض على عبيد الله وحبسه

وأخذ زيادة الله في جمع العساكر، فقدم إبراهيم بن حنيش من أقاربه على أربعين ألفا، وسلم إليه الأموال والعدد، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه، فنزل مدينة قسنطينية، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، وقتل في طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبي عبد الله هذا، وأبو عبد الله متحصن بالجبل، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر، فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا، فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط، فقاتلهم قتالا كثيرا، وأدركهم أبو عبد الله، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح، فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، فسار إبراهيم إلى القيروان، وعظم أمر أبي عبد الله، واستقرت دولته

وكتب كتاباً إلى عبيد الله وهو بسجن سجلماسة يبشره، وسير الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل عليه السجن في زي قصاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرفه

ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف، وضايق زيادة الله، فحشد وجمع عساكره، وبعث إليه هرون الطيبي في خلق كثير، فقتل هرون في خلائق لا تحصى. فاشتد الأمر على زيادة الله، وخرج بنفسه، فوصل إلى الأربس في سنة خمس وتسعين ومائتين، وسير جيشاً مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب

واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه، وأبو عبد الله يأخذ المدائن شيئاً بعد شيء عنوة وصلحا، فأخذ مجانة، وتيفاش، ومسكيانة وتبسة، وسار إلى إبراهيم، فقتل من أصحابه، وعاد إلى جبل إيكجان

فلما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد الله عسكره فبلغت مائة ألف فارس وراجل، وجمع زيادة الله ما لا يحصى، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، فالتقوا مع أبي عبد الله، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمنه، وظهر أصحاب زيادة الله، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم، فانهزم أصحاب زيادة الله، وأوقع فيهم القتل، وغنم أموالهم، وكان ذلك في آخر جمادى الآخرة، ففر زيادة الله إلى ديار مصر، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، ونادى بالأمان، وتسكين الناس، وذكر زيادة الله وذمه، وصغر أمر أبي عبد الله، ووعد الناس بقتاله، وطلب منهم الأموال، فقالوا: إنما نحن فقهاء وعامة التجار، وما في أموالنا ما يبلغ غرضك، ثم إنهم ثارا به ورجموه. فخرج عنهم

ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، فأمن الناس، ومنع من النهب، وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبي عبد الله، وسلموا عليه، وهنوه بالفتح، فرد عليهم ردا حسنا، وأمنهم، وقد أعجبوا به وسرهم، فأخذوا في ذم زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم: ما كان إلا قوياً وله منعة ودولة شامخة، وما قصر في مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع

فامسكوا عن الكلام

وكان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ونادى بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع منه كثير، وكان له دعة من الجواري لهن حظ من الجمال، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن بما يصلحهن.

فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا، وأمر بضرب السكة وألا يتسم عليها اسم، وجعل في الوجه الواحد: بلغت حجة الله، وفي الآخر: تفرق أعداء الله

ونقش على السلاح: عدة في سبيل الله

ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله

وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون، والقليل من الطعام الغليظ

ولما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد المخطوم، ففرح به، وكان هو الكبير

ذكر ظهور عبيد الله المهدي من سجلماسة

وذلك أن أبا عبد الله الشيعي لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين سار من رقادة وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية في جيوش عظيمة، فاهتز المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وأتته رسلهم فدخلوا في طاعته، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله وهو في جيشه يسأله عن نسبه وحاله، وهل أبو عبد الله قصد إليه ? فحلف به أنه ما رأى أبا عبد الله، وإنما أنا رجل تاجر، فأفرده معتقلا بدار وحده، وأفرد ابنه أيضا، فجعل عليهما الحرس، وقرر ولده، فما حال عن كلام أبيه، وقرر رجالا كانوا معه وضربهم، فلم يقروا بشيء

وبلغ ذلك أبا عبد الله، فشق عليه، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم يقصده للحرب، وإنما له حاجة مهمة عنده، فرمى الكتب وقتل الرسل، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله، ولم يذكره، فقتل الرسول ثانيا، فأسرع أبو عبد الله في السير، ونزل عليه، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كله، فلما جنه الليل فرق أصحابه من أهله وبني عمه، وبات أبو عبد الله في غم عظيم خوفا على عبيد الله

فلما أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه بهرب اليسع، فدخل هو وأصحابه البلد، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه في يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وقد انتشر في الناس سرور عظيم كادت تذهب منه عقولهم؛ فأركبهما أبو عبد الله، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: هذا مولاكم، وهو يبكي من شدة الفرح، حتى وصل إلى فسطاط ضربه له فنزل فيه، وبعث الخيل في طلب اليسع، فأدرك وأخذ، فضرب بالسياط وقتل

وأقام عبيد الله المهدي بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقية، وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحالا، وصار بها إلى رقادة في العشر الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين

وزال مالك بني الأغلب من إفريقية، وملك بني مدرار من سجلماسة، وملك بني رستم من تاهرت

وملك المهدي جميع ذلك، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وابنه خلفه، فسلموا عليه، فرد عليهم رداً جميلا، وأمرهم بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة

وأمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة، ويلقب بالمهدي أمير المؤمنين في جميع البلاد، فما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة ، وأحضروا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم، وقتل من لم يوافق

وعرض المهدي جواري زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده، وفرق ما بقي على وجوه كتامة، وقسم عليهم أعمال إفريقية، ودون الدواوين، وجبا الأموال، واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها

وكان سبب قتله أن المهدي لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه، وكف يد أبي عبد الله ويد أخيه أبي العباس، فداخل أبا العباس الحسد، وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي، والأخذ والعطاء، فأقبل يزري على المهدي في مجلس أخيه، ويتكلم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يزيده ذلك إلا لجاجا، ولام أخاه وقال له: ملكت أمراً، فجئت بمن أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك

وما زال به حتى أثر في قلب أبي عبد الله، وقال للمهدي: لو كنت تجلس في قصرك وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم، لأني عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب لك في أعين الناس

وكان قد بلغ المهدي ما يجهر به أبو العباس، فرد ردا لطيفا، وأسر ذلك في نفسه.

وأخذ أبو العباس يسر إلى المقدمين بما في نفسه، ويقول

ما جازاكم على ما فعلتم، بل أخذ هو الأموال من إيكجان، ولم يقسمها فيكم

وكل ذلك يبلغ المهدي وهو يتغافل، فزاد أبو العباس في القول، حتى قال: إن هذا ليس بالذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه، لأن المهدي يأتي بالآيات الباهرة

فأثر ذلك في قلوب كثير من الناس، حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدي بذلك وقال: إن كنت المهدي فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك

فقتله المهدي

وخافه أبو عبد الله، وعلم أن المهدي قد تغير عليه، فاتفق مع أخيه بجماعة من كتامة على المهدي، ودخلوا عليه مراراً، فلم يجسروا على قتله، ونقل ذلك إلى المهدي من رجل كان يوافقهم على ما هم فيه، ثم يأتي المهدي فيخبره، فأخذ المهدي في تفريق القوم في البلاد، وكان كبيرهم أبو زاكي تمام بن معارك الإيكجاني، فسيره واليا على طرابلس، وكتب إلى عاملها سرا بقتله عند وصوله، فلما وصل أبو زاكي قتله العامل، وأرسل برأسه إلى المهدي، فأمر حينئذ بقتل جماعة، وأعد رجالاً لأبي عبد الله وأخيه أبي العباس، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبي عبد الله، فقال: لا تفعلوا فقالوا له: إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك، فقتل هو وأخوه في اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي، وذلك يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة، وصلى عليه المهدي، وقال: رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك

وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرد أصحابها السيوف، فركب المهدي وأمن الناس فسكنوا ثم تتبعهم حتى قتلهم

وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير، فخرج المهدي وسكن الفتنة، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة

وكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون، أحد رجالات العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال

ولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدي عهد إلى ولده أبي القاسم بالخلافة، ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا، وقالوا: هذا هو المهدي، ثم زعموا أنه يوحى إليه، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت، فبعث إليهم المهدي ابنه أبا القاسم، فقاتلهم حتى هزمهم، واتبعهم إلى البحر، وقتل منهم خلقا كثيرا، وقتل الطفل الذي أقاموه

ثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدي، فأنفذ إليها، وقتل من أهلها

وخالف عليه أهل تاهرت، فغزاها، وقتل أهل الخلاف، وتتبع بني الأغلب، فقتل منهم جماعة برقادة

فلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهز المهدي العساكر من إفريقية مع ولده أبي القاسم إلى مصر، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها في ذي الحجة، وساروا إلى الاسكندرية والفيوم فضيق على أهلهما، وبعث المقتدر بالله مؤنساً الخادم في جيش كثيف، فحاربهم وأجلاهم عن مصر إلى المغرب

وكان سبب تحرك أبي القاسم بن المهدي إلى حرب أهل مصر أنه وجه إلى بغداد قصيدة يفخر فيها بنسبه، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها، فمنها

فلو كانت الدنيا مثالاً لـطـائرٍ                   

لكان لكم منها بما حزتم الذّنب

فحرك همته هذا البيت، وقال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه

وكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بها، وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه، فشغلته الفتن، وكان الظافر بها المعز

فلما كان في سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدي جيشا مع قائد من قواده يقال له حباسة في البحر، فغلب على الاسكندرية، ثم سار منها يريد مصر، فأرسل المقتدر بالله مؤنساً في عسكر إلى مصر، وأمده بالسلاح والأموال، فالتقى بحباسة في جمادى الأولى، فكانت بينهما حروب كثيرة، قتل فيها من الفريقين جمع عظيم، وانهزم حباسة في سلخ جمادى الآخرة، ويقال إنه قتل في هذه الواقعة سبعة آلاف ولما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدي

وفيها، خالف عليه عروبة بن سيف الكتامي بالقيروان، واجتمع عليه خلق كثير من كتامة والبرابر، فأخرج إليهم المهدي موالاه غالبا، فاقتتلوا، فقتل غالب في عالم لا يحصى، وجيء بعدة رءوس إلى المهدي في قفة، فقال: ما أعجب أمور الدنيا، قد جمعت هذه القفة رؤوس هؤلاء، وقد كان يضيق بهم فضاء المغرب

ثم إن المهدي خرج بنفسه يرتاج موضعاً على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة، وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد النكاري على دولته، فلم يجد موضعاً أحسن ولا أحصن من موضع المهدية، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند، فبناها، وجعلها دار ملكه، وجعل لها سوراً محكماً، وأبوابا عظيمة، زنة كل مصراع مائة قنطار

وكان ابتداء بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة، فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب، فرمى بسهم فانتهى موضع المصلى، فقال: إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار يعني أبا يزيد الخارجي فإنه كان يركب حمارا

وكان يأمر الصناع بما يعملون، وأمر أن تنقر دار صناعة في الجبل تسع مائة شينى، وعليها باب مغلق، ونقر في أرضها أهراء للطعام، ومصانع للماء، وبنى فيها القصور والدور، فلما فرغ منها قال: اليوم آمنت على الفاطميات يعني بناته ، وارتحل عنها

ولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال: هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار، فكان كذلك، لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة وعاد ولم يظفر

فلما كان في سنة ست وثلاثمائة جهز المهدي جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم إلى مصر، وهي المرة الثانية، فوصل الاسكندرية في ربيع الآخر، ودخلها القاسم، ثم سار منها، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد، وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى طاعته، فلم يقبلوا منه، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في شعبان، فوصل إلى مصر، وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات

ووصل من إفريقية ثمانون مركباً نجدةً للقائم من أبيه، فأرست بالاسكندرية، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكتامي، وكانا شجاعين. فأمر المقتدر أن تسير مراكب طرسوس، فسار إليهم خمس وعشرون مركبا، فيها النفط والعدد، فالتقت المراكب على رشيد، فظفرت مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية، وأهلك أكثر أهلها وأسر منها كثير، فيهم سليمان ويعقوب، فمات سليمان بمصر في الحبس، وحمل يعقوب إلى بغداد، فهرب منها، وعاد إلى إفريقية

وغلب مؤنس عساكر القائم، ووقع فيهم الغلاء والوباء، فمات كثير منهم، ورجع من بقي إلى إفريقية، وفيهم القائم، وتلقب مؤنس الخادم من حينئذ بالمظفر، لغلبته عساكر المغرب غير مرة

فلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سير المهدي ابنه أبا القاسم من المهدية إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، بسبب خارجي خرج عليه، وقتل خلقا، فوصل إلى ما وراء تاهرت

وعاد فخط برمحه في الأرض صفة مدينة سماها المحمدية، وكانت خطة لبني كملان، فأخرجهم منها إلى فحص القيروان، كالمتوقع منهم أمراً، فلذلك أحب أن يكونوا قريبا منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجي

وكان المهدي يشبه في خلفاء بني العباس بالسفاح، فإن السفاح خرج من الحميمة بالشام، يطلب الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر، ويبث دعوته؛ وعبيد الله خرج من سلمية في الشام، وقد أذكيت العيون عليه، وأبو عبد الله الشيعي ساع في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر، وقتل من قام بدعوته

وانتقل كثير من الناس إلى المحمدية، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام، ويخزنه ويحتفظ به، ففعل ذلك، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد، ولقيه المنصور بن القائم بن المهدي، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها

فلما كان يوم الاثنين الرابع عشر، وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفي أبو محمد عبيد الله المهدي بالمهدية، وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنةً لتدبير كان له، فإنه كان يخاف الناس إذا علموا بموت المهدي

وكان عمر المهدي لما توفى ثلاثا وستين سنة لم تكمل

وكانت ولايته منذ دخل رقادة ودعى له بالإقامة إلى أن توفي أربعا وعشرين سنة، وعشرة أشهر، وعشرين يوماً

وقيل: كانت ولادته بسلمية من أرض الشام في سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومائتين؛ وقيل: ولد بالكوفة

ودعى له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين

وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة

ونقش خاتمة: بنصر الإله الممجد، ينتصر الإمام أبو محمد

وقال فيه سعدون الورجيلي  

كفّي عن التثـبـيط إنّـي زائرٌ                   

من أهل بيت الوحي خير مزور

هذا أمير المؤمنين تضعضعـت                

لقدومـه أركـان كـلّ أمـير

هذا الإمام الفاطميّ ومـن بـه                  

أمنت مغاربها من المـحـذور

والشرق ليس لشامه وعـراقـه                

من مهربٍ من جيشه المنصور

حتى يفوز من الخـلافة بـالـغ                  

ويفاز منه بعدله المـنـشـور

Partager cet article

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :