Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

التنازع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم للمقريزي

   في اختصاص بني هاشم بالدعوة والنبوة والكتاب على سائرهم من بين قريش

فصل: لما كانت بنو هاشم من بين قريش كلها قد اختصها الله سبحانه بهذا الأمر- أعنى: الدعوة إلى الله تعالى والنبوّة والكتاب، فحازت بذلك الشرف الباقى، وكانت أحوال الدنيا من الخلافة والملك ونحوه زائلة؛ لهذا زواها الله عنهم تنبيها على شرفهم وعلّو مقدارهم، فإن ذلك هو خيره الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلّم، كما قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلّم لما خيّر اختار أن يكون نبيا عبدا ولم يختر أن يكون نبيا ملكا وسأل مثل ذلك لآله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عمارة بن زرعة عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا

وروى أبو عيسى الترمذى من حديث عبد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلّم قال: «عرض علّى ربى ليجعل لى بطحاء مكّة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما، وقال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» قال الترمذى: هذا حديث حسن

وخرج البخارى من حديث ابن أبى ليلى، حدثنا على رضى الله عنه أن فاطمة عليها السلام اشتكت ما تلقى من الرحى مما يطحن، فبلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أتى بسبى، فأتته تسأله خادما فلم توافقه، فذكرت عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم، فقال: على مكانكما، حتى وجدت برد قدميه على صدرى، فقال أدلكما على خير مما سألتما: إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتمانى. وأخرجه مسلم أيضا

ولأبى داود من حديث أبي الورد عن على بن أعبد قال: قال لى على- رضى الله عنه: ألا أحدثك عنى وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكانت من أحب أهله إليه، قلت: بلى، قال: فإنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثر في نحرها، وكنست البيت حتى أغبرّت ثيابها، فأتى النبى صلى الله عليه وسلّم خدم، فقلت: لو أتيت أباك فسألتيه خادما، فأتته فوجدت عنده أحداثا فرجعت فأتاها من الغد فقال: ما كان حالك، فسكتت، فقلت: أنا أحدثك يا رسول الله، جرت الرحى حتى أثرت في يدها، وحملت القربة حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما تقيها حرّ ما هى فيه، فقال: اتقى الله يا فاطمة وأدّى فريضة ربك واعملى عمل أهلك، فإذا أخذت مضجعك فسبحى ثلاثا وثلاثين واحمدى ثلاثا وثلاثين وكبرى أربعا وثلاثين فهى خير لك من خادم، قالت: رضيت عن الله وعن رسوله

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عامر بن سعد عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلىّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه وفي رواية «فو الله إنى لأعطى الرجل وأدع الرجل، والذى أدع أحب إلىّ من الذى أعطى، ولكنى أعطى أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير

ومن حديث أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلّم «إنى أعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم» ، وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن جنادة حدثه أن أبا سالم الحبشانى حدثه عن أبى ذر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: كيف ترى جعيلا قال: قلت: [مسكينا] كشكلة من الناس، قال كيف ترى فلانا، قال: قلت: سيدا من سادات الناس، قال: فجعيل خير من ملء الأرض أو ألف، ونحو ذلك من فلان قال: قلت: يا رسول الله ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع قال: «إنه رأس قومه، وأنا أتألفهم به» ، قال جامعه: وهذا على بن أبى طالب رضى الله عنه، كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يربأ ببنى هاشم عن ولاية الأعمال

كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن مالك عن ابن شهاب أن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، حدّثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا، والله لو بعثنا هذين الغلامين (قال لى وللفضل بن العباس) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فكلّماه فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدى الناس وأصابا مما يصيب الناس، قال: فبينما هما فى ذلك، جاء على بن أبى طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك فقال: لا تفعلا فو الله ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك، فو الله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فما نفسناه عليك

قال على- رضى الله عنه: أرسلوهما، فانطلقنا واضطجع، فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا، قال: أخرجا ما تصرّرانه ، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرأ الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتأمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدى إليك كما يؤدى الناس ونصيب كما يصيبون. فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه، قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغى لآل محمد، إنما هى أوساخ الناس ادعوا لى محمية (وكان على الخمس) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فجاءه فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس، فأنكحه، وقال لنوفل: أنكح هذا الغلام ابنتك لى، فأنكحنى، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا

فهذا- أعزك الله- وإن كان إنما فيه منع بنى هاشم من تناول الصدقة لأنها محرمة عليهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم إنما كانت أعماله التى يستعمل عليها عماله على قسمين: إما للحرب، أو على الصدقات، فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بنى هاشم من العمل على الصدقة بنصيب العامل وهو الصحيح: أنهم لا يستعملون عليها تنزيها لهم ولبنى المطلب عن أوساخ الناس لكرامتهم، وقد كان غير واحد من فضلاء الصحابة رضى الله عنهم يعلمون أن البيت أرفع قدرا عند الله من أن يبتليهم بعمال الدنيا، منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، لما خرج الحسين بن على رضى الله عنهما يريد العراق وقد كتب إليه شيعتهم بالبيعة وحثوه على مسيرة إليهم ليقوم بأمر الأمة، بدل يزيد بن معاوية، لحقه عبد الله على مسيرة ليلتين، وقال: أين تريد؟ قال: العراق. قال: لا تأتهم هذه. قال الحسين: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال ابن عمر: إن الله- عز وجل- خيّر نبيه صلى الله عليه وسلّم بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، والله لا يليها أحد منكم وما صرفها الله عنكم إلا للذى هو خير لكم فارجع، فأبى الحسين، وقال: هذه كتبهم وبيعتهم فاعتنقه عبد الله بن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل فكان كما قال ابن عمر، وكذلك قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما للحسين: والله يابن أخى ما كان الله ليجمع لكم بين النبوة والخلافة ، وهذا من فقههما، وقد أشار الحسن بن على رضى الله عنهما إلى ذلك في خطبته لما ترك الخلافة التى صارت إليه بعد أبيه وتنزه عنها وترّفع عن منازعة معاوية رضى الله عنه، فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسين فيخطب الناس ظنا منه أنه يعى، فخطب معاوية ثم أشار إلى الحسن أن يخطب فقام وحمد الله، ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول وإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلّم: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ

فلما قالها، قال معاوية: اجلس ونقدها على عمرو وقال هذا من رأيك  فصدق الحسن رضى الله عنه فيما قال

 في بيان السر في خروج الخلافة بعد رسول الله ص عن على بن أبى طالب  إلى أبى بكر وعمر ثم عثمان

فصل: ذهب بعضهم إلى أن السر في خروج الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن على بن أبى طالب إلى أبى بكر وعمر ثم عثمان، أن عليا لما ولىّ الخلافة حينئذ- وهو أبو الحسين- لأوشك أن يقول قائل، ويتخيل متخيل، أنه ملك متوارث لا يكون إلا في آل البيت كما يزعمه الرافضة ، فصان الله العقائد من هذه الشبهة كما صانها من شبهة قول القائل عن النبى صلى الله عليه وسلّم هو رجل يطلب ملك أبيه وهو معنى حسن، ولهذا السر جعل صلى الله عليه وسلّم الخلافة العامة في قريش ولم يخص بها أهل بيته ولا بنى هاشم حتى لا يتخيل أنه ملك متوارث والله أعلم وقد ظهر لى أن ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلّم لبنى أمية الأعمال كانت إشارة منه صلى الله عليه وسلّم أن الأمر سيصير إليهم، ولى بحمد الله في هذا النحو خير سلف وأجل قدوة

منهم: سعيد بن المسيب رحمه الله، قد ثبت في الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه في حديث جلوس رسول الله صلى الله عليه وسلّم على بئر أريس ودخول أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وجلوسهما عن يمينه وشماله معه صلى الله عليه وسلّم في القف، ودخول عثمان بن عفان رضى الله عنه وجلوسه تجاههم من الشق الآخر، وإن سعيد بن المسيب قال: فتأولت ذلك قبورهم، اجتمعت هاهنا وانفرد قبر عثمان رضى الله عنه

وثبت من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم نحر في حجته التى يقال لها: حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة فكان في نحره هذا العدد من البدن إشارة إلى أن مدة حياته صلى الله عليه وسلّم ثلاث وستون سنة

وثبت من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: إن أحقّ الناس علىّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ألا خلّة الإسلام، لا تبقين خوخة في المسجد إلا خوخة أبى بكر

فكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بإبقاء خوخة أبى بكر رضى الله عنه في المسجد مع منع الناس كلهم من ذلك، إشارة ودليل على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلّم تنبيه للناس إلى المسجد كما كان يصير إمام المسلمين ويخرج من بيته إلى المسجد كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يخرج، ذكره أبو بطال. وقد جعل جمهور الصحابة رضى الله عنهم استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلّم أبا بكر رضى الله عنه فى الصلاة وهو مريض دليلا وإشارة إلى أنه الخليفة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقالوا: قد رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم لديننا فلا نرضاه لدنيانا؟

وثبت في الصحيح من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان عمر رضى الله عنه يدخلنى مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم يدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله، فقال: إنه ممن قد علمتهم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعانى معهم، وما رأيته دعانى يومئذ إلا ليريهم منى، فقال: ما تقولون في إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً حتى ختم السورة؟

فقال: أمرنا أن نحمد ونستغفر إذا جاء نصرنا وفتح علينا

وقال بعضهم: لا ندرى، ولم يقل بعضهم شيئا. فقال لى: يا ابن عباس، أكذا هو؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أعلمه الله له يقول: إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، فذلك علامة أجلك، نسبح بحمد ربك ونستغفره، إنه كان توابا

قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم ، فهذا فهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين وهم القدوة وهم الأسوة ووفقنا الله لاتبّاعهم

 في الاعتراض على أخذ بنى العباس بن المطلب بن هاشم الخلافة نيفا على خمسمائة وعشرين سنة

فصل: إياك والاعتراض على ما تقدم أخذ بنى العباس بن المطلب بن هاشم الخلافة، وأقاموا خلفاء نيفا على خمسمائة وعشرين سنة، فإن الخلافة إنما صارت إليهم بعد ما ضعف أمر الدين، وتخلخلت أركانه، وتداول الناس أمر الأمة بالغلبة، ونقذها حينئذ بنو العباس بأيدى العجم أهل خراسان، ونالوها بالقوة ومناهضة الدول وتناولوا العز كيف كان في وصل أمر الأمة أهل العدالة والطهارة، ولا وليهم ذو الزهادة والعبادة، ولأساسهم أرباب الورع والأمانة، بل استحالت الخلافة كسروية وقيصرية بحيث إن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس لما وجّه أبا مسلم الخراسانى بخراسان ووصّاهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال له: إنك رجل منا أهل البيت، احفظ وصيتى، انظر هذا الحى من اليمن فأكرمهم واسكن بين ظهورهم فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم وإنهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، اقتل من شككت فيه، وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتممه فاقتله ، فأين- أعزك الله- هذه الوصية من وصايا الخلفاء الراشدين لعمّالهم، وتالله لو توجه أبو مسلم إلى أرض الحرب ليغزو أهل الشرك، بالله لما جاز أن يوصى بهذا، فكيف؟ وإنما توجه إلى دار السلام وقتال أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من العرب لينزع من أيديهم ما فتحه آباؤهم من أرض الشرك ليتخذ مال الله دولا وعبيده خولا، فعمل أبو مسلم بوصية الإمام حتى غلب على ممالك خراسان وتحطمت عساكره إلى العراق، فيقال: إنه قتل ستمائة ألف إنسان وصار في الناس بالعسف والجبرية لمرسى سيرته، إنه لما قوى أقره وصار في عسكر، ودخل مرو في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومائة، واستولى عليها، أراد الغدر بنصر بن سيار  ، وقد أنسه وبسطه وضمن له أن يكف عنه ويقوم بشأنه عند الإمام، فبعث إليه لاهز بن قريط وسليمان بن كثير وعمران بن إسماعيل وداود بن كراز، يعلمه أن كتابا أتاه من الإمام يعده فيه ويمنّيه ويضمن له الكرامة، ويقول له: إنى أريد مشافهته وأقرأ كتاب الإمام عليه، يريد بذلك أنه إذا أتاه قبض عليه، فلما أتته الرسل تلا تلاهز قول الله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ

 فتنبه نصر على ما أراد من تحذيره فقال: أنا صائر معكم إلى الأمير أبى مسلم، ودخل بستانا له، كأنه يريد أن يلبس ثيابه ويركب دابته وهرب إلى الرى، وسأل أبو مسلم عنه فأخبره بتلاوة لاهز له الآية فقال: فاضربا عنقه، فضربت عنق لاهز. وكان سليمان بن كثير الخزاعى أحد نقباء الدعوة فقتله أبو مسلم؛ لأنه كره سيرته، وأخذ عنقود عنب، فقال: اللهم سوّد وجه أبى مسلم كما سودت هذا العنقود واسقنى دمه، وقال أيضا: حفرنا نهرا بأيدينا فجاء غيرنا فأجرى فيه الماء- يعنى: أبا مسلم. وقتل زياد بن صالح من أجل أنه بلغه عنه أنه يقول: إنما بايعنا على إقامه العدل وإحياء السنن وهذا جائر ظالم يسير بسير الجبابرة، وكان مخالفا وكان لزياد بلاء حسن في إقامة الدولة، فلم يرع له ذلك فغضب عيسى بن ماهان مولى خزاعة، لقتل زياد، ودعى لحرب أبى مسلم سرا، فاحتال عليه بأن دس على بعض ثقاته بقتله فكتب إليه: إنى رسول أمير المؤمنين- يعنى: السفاح، قد قدم على الأمير بخلع....  وللأولياء قصر إلينا لتشركنا في أمرنا فقدم عليه فأخذه وأدخله جوالق وضربه بالخشب حتى قتل

وكان أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة القوارى بخراسان وكان صديقا لأبى مسلم يلاعبه الشطرنج ويؤانسه، وكان ذا اقتداء بخراسان، فلما ظهرت الدعوة قدم على أبى مسلم وقال (شعرا)

قل للأمير أمين الإمام            وصيّ وصيّ وصيّ وصيّ

أتيتك لا طالبا حاجة              وما لي في أرضكم من كفي

وكان أبو مسلم يبّره ويكرمه، ثم أمر بقتله. فقيل له: صديقك وأنيسك، فقال رأيته ذا همة وأبهة فقتلته مخافة أن يحدث حدثا، وكان لا يقعد على الأرض إذا قعدت على السرير، ولقد كان على كريما وكنت له محبا فعيّر أبو جعفر المنصور أبا مسلم بقتله فيما عيّره به لما عزم على قتله، وكان أبو مسلم يخدم يونس بن مسلم فابتاعه منه بكير بن ماهان بأربعمائة درهم، وبعث به إلى إبراهيم الإمام، فلما ملك أبو مسلم مرو، قدم عليه ابن عاصم فأكرمه غاية الإكرام، ثم دسّ إليه رجلا

فقال، سله عن حاله عندى ولم أكرمه، فسأله فقال: كنت قهرمانا له ناصحا، فقال أبو مسلم: أبيت إلا كرما، فقال: يا ابن الخنا «2» أردت أن أقول: إنك كنت لى خادما فتقتلنى، فبالله أسلكك لو لم أقلب المعنى ما كنت فاعلا، قال: قد والله كنت قدرت موضع خشيتك، قال: أكان هذا جزائى، قال: ومن جازيناه بجزائه وضعت سيفى فلم يبق بر ولا فاجر إلا قتلته. ومثل هذا كثير وما زال يسعى جهده حتى أزال بنى أمية، وأقيم عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح فبعث عمه عبد الله بن على لقتال مروان بن محمد، فقتله وبطش في أهل الشام بطش الجبارين، وصارت من الجور سيرة لم يسرها أحد قبله؛ وذلك أنه لما عزم مروان بالزاب وغلب على بلاد الشام، وقتل أهل دمشق وهدم سورها وسار إلى فلسطين نادى وهو على نهر فطرس في بنى أمية بالأمان واجتمعوا إليه فعجلت الخراسانية إليهم بالعمد فقتلوهم، وقتل عبد الله جماعة منهم ومن أتباعهم، وأمر بنبش قبر معاوية بن أبى سفيان فما وجد منه إلا خطا، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجد منه سلاميات رجله، ووجد من عبد الملك بعض شؤون رأسه، ولم يوجد من الوليد وسليمان بنى عبد الملك إلا رفات، ووجد هشاما صحيحا إلا شيئا من أنفه وشيئا من صدغه ، فضرب عدة سياط  وصلب ووجدت جمجمة مسلمة بن عبد الملك فاتخذت عرضا حتى تناثرت، ولم يعرض لعمر بن عبد العزيز وجمع ما وجد في القبور فأحرقه، وخطب عبدة بنت عبد الله ابن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، زوجه هشام بن عبد الملك بن مروان، فأبت عليه التزويج فأمر ببقر بطنها وتقتل، وجعلت حين أتى بها لبقر بطنها تنشد شعرا

فقل للشامتين بنا أفيقوا            سيلقى الشامتون كما لقينا

فهذه سيرة عبد الله بن على وولى السفاح ابن أخيه: إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على سنة ثلاث وثلاثين ومائة، و أما الموصل فدخلها في اثنى عشر ألفا، فأول ما بدأ به أن دعا أهل الموصل فقتل منهم اثنى عشر وجزءا، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فنادى من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه فأقام الرجال على أبواب الجامع، وقتل الناس فيه قتلا ذريعا تجاوز فيه الحد وأسرف فى المقدار فيقال: إنه قتل أحد عشر ألف إنسان ممن له خاتم سوى من ليس في يده خاتم وهم عدد كثير جدا بحيث لم ينج من رجال الموصل مع كثرتهم إلا نحو أربعمائة رجل، صدموا الجند فأخرجوا لهم، فلما كان الليل سمع صراخ النساء اللاتى قتل رجالهن فأمر من الغد بقتلهن، فأقام رجاله ثلاثة أيام يقتلون النساء والصبيان، وكان في عسكره قائد ومعه أربعة آلاف زنجى، فأخذوا النساء قهرا، فلما فرغ إبراهيم من قتل الناس في اليوم الثالث، ركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف مسلولة، فأخذت امرأة بلجام دابته، فأراد أصحابه قتلها، فكفهم عنها، فقالت له: ألست من بنى هاشم، ألست ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أما تأنف العربيات المسلمات أن ينكحن الزنوج؟ فلم يجبها وبعث معها من بلّغها مأمنها، ثم جمع من الغد الزنوج للعطاء وقتلهم عن آخرهم، ثم أمر أن لا يترك في الموصل ديك إلا ذبح ولا كلب إلا عقر، فنفذ ذلك فكانت هذه فعلة لم يسمع بأقبح منها إلا ما كان من السفاح فإن زوجته أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية قالت له: يا أمير المؤمنين لأى شىء استعرض ابن أخيك أهل الموصل بالسيف، فقال لها: وحياتك لا ما أدرى ولم يكن عنده من إنكار هذا الأمر القطب سوى هذا، ولعمرى لقد فاق فرعون في فساده، وأربى عليه في عتوه وعناده، وابن السفاح بما فعله ابن أخيه قد صار يسوء أمة محمد صلى الله عليه وسلّم من العذاب أشد وأقبح ما كان فرعون يسوء بنى إسرائيل به، فكيف بها إذا ضمت مع ما حكاه البلاذرى ، قال: كان أبو العباس السفاح يسمع الغناء، فإذا قال للمغنى: أحسنت، لم ينصرف من عنده إلا بجائزة وكسوة، فقيل له: إن الخلافة جليلة، فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ فاحتجبت عنهم، وكانت صلاته قائمة لهم. فأين هذا من الهدى النبوى وسير أئمة الهدى، فما أبعده عن هداهم، ولله درّ القائل

نزلوا بمكة في قبائل نوفل                  ونزلت بالبيداء أبعد منزل

وأما أبو جعفر: عبد الله محمد المنصور فإنه تزيا بنى الأكاسرة، وجعل أبناء فارس رجالا دولتهم كبنى يرمك، وبنى نوبخت وأحدث تقبيل الأرض، وتحجب عن الرعية وترفع عليهم بحيث إن عقال بن شيبة قال له: احمد الله، فقد حزت هدى الخلفاء. فغضب المنصور، وقال: كبرت يا عقال وكبر كلامك. ففطن وقال: أجل، لقد أحزن سهلى واضطرب نقلى، وأنكرت أهلى، ولا أقوم هذا المقام بعد يومى

فلم يعش المنصور بعد ذلك إلا شهرين وأياما، وحتى أن الربيع حاجبه ضرب رجلا شمّت  المنصور عند العطسة، فلما اشتكى ذلك إلى المنصور قال: أصاب الرجل السنة وأخطأ الأدب. فأين قول أبى جعفر من حديث النبوة الناطقة والإمامة الصادقة؟! والله ما الأدب كله إلا في السنة النبوية، فإنها هى الجامعة للأدب النبوى والأمر الإلهى، لكنه غلب على القوم الجبروت، ودخلت النفرة في أنوفهم، وظهر الخسران بينهم فسموا موائد العجم أدبا وقدموها على السنة التى هى ثمرة النبوة فزادهم ذلك جفاء وقسوة، حتى أن أبا جعفر كان بايع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ليلة تشاور بنى هاشم فيمن يعقدون له الإمامة، وذلك حين اضطربت بنو أمية، فلما أقيم أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح في الخلافة وعهد بها عند وفاته لأخيه أبى جعفر عبد الله بن محمد المنصور وقام من بعده بالأمر، أهمه أمر محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم، وألح على أبيهما عبد الله بن الحسن أن يحضرهما إليه لما حج، وكان قد شردهما خوف جوره، ثم حبس عبد الله وعدّه من بنى حسن ومعهم محمد الديباج ابن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان، وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت أبى عبد الله الحسين ابن على بن أبى طالب، وجعل القيود والأغلال في أرجلهم، وأركبهم محامل بغير وطاء، وسار بهم كذلك من المدينة النبوية وطنهم ووطن آبائهم حتى قدموا عليه وهو بالربذة ، فأمر بالديباج فانشقت عنه ثيابه وضرب خمسين ومائة سوط فأصاب سوط منها في وجهه، فقال: ويحك اكفف عن وجهى فإن له حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقال المنصور للجلاد: الرأس الرأس فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا، فأصاب إحدى عينيه سوط منها، فسالت على خده، ثم قتله، ومضى ببنى حسن إلى الكوفة فسجنهم بقصر ابن هبيرة، وأحضر محمد بن إبراهيم بن حسن وأقامه ثم بنى عليه أسطوانة وهو حى وتركه حتى مات جوعا وعطشا، ثم قتل أكثر من معه من بنى حسن، وكان إبراهيم القمر بن الحسن بن الحسن بن على ابن أبى طالب رضى الله عنهم فيمن حمل مصفدا بالحديد من المدينة إلى الأنبار، فكان يقول لأخويه عبد الله والحسن: أعوذ بالله من مناطهر منايا ما تمنينا ذهاب سلطان بنى أمية، واستبشرنا بسلطان بنى العباس، ولم يكن قد انتهت بنا الحال إلى ما نحن عليه، وقد قتل أبو جعفر أيضا إسماعيل الديباج بن إبراهيم القمر ومحمد بن إبراهيم فدفنه حيا، وكان لأبى القاسم الرسى بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج ضيعة بالمدينة يقال لها: الرّس، فلم يسمح له أبو جعفر بالمقام بها حتى طلبه، ففرّ إلى السند وقال: شعرا

لم يروه ما أراقا لبقى دمّنا                  فى كل أرض ولم يقصر من الطلب

وليس يشفى غليلا في حشاه سوى        أن لا يرى فوقها أبناء ليت بنى

وكتب صاحب السند إلى أبى جعفر أنه في خان بالمولتين مكتوبا يقول القاسم ابن إبراهيم طباطبا العلوى: انتهيت إلى هذا الموضع بعد أن انتقلت الدم من المشى، وقد قلت شعرا

عسى منهل يصفو فترى طميه          أطال صداها المشرب المتكدر

عسى جابر العظم الكسير بلطفه        سيرتاح للعظم الكسير فيجبر

عسى صور أسا لها الجرح              سيبعثها عدل يجىء فتظهر

عسى الله لا تيأس من الله إنه             ييأس منه ما يعز ويعسر

فكتب إليه: قد فهمت كتابك وأنا وعلى وأهله كما قيل يحاول إذلال العزيز، لأنه بدأنا بظلم واستمرت مرائره واستحلف ريطة امرأة ابنه محمد المهدى ألا تفتح بيتا عرضه عليها إلا مع المهدى بعد وفاته، ففتحه مع المهدى، فإذا فيه من قتل من الطالبين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وفيهم أطفال، فأمر المهدى فحفرت لهم حفرة ودفنوا فيها فأين هذا الجور والفساد عن عدل الشريعة المحمدية وسيرة أئمة الهدى، وأين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة القريبة من رحمة النبوة، وتالله ما هذا من الدين في شىء، بل هو من باب قول الله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ

وكان أبو الجهم بن عطية مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وأعظمهم غنى، وهو الذى أخرج أبا العباس السفاح من موضعه الذى أخفاه فيه أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال وحرسه، وقام بأمره حتى بويع بالخلافة، فكان أبو العباس يعرف له ذلك، وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه، فلما استخلف أبو جعفر المنصور وجار فى أحكامه، قال أبو الجهم: ما على هذا بايعناه، إنما بايعناهم على العدل، فأسرها أبو جعفر في نفسه ودعاه ذات يوم فجلس عنده ثم سقاه شربة من سويق لوز وقعت في جوفه هاج به وجع، فتوهم أنه قد سم، فوثب، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم، قال: إلى حيث أرسلتنى. ومات بعد يوم أو يومين فقال شعرا

أحذر سويق اللوز لا تشربنه            فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم

وأما غدره بأبى مسلم فغير خاف على رواة الأخبار، وكان أشد ما يحقده عليه كتابه إليه: أما بعد، فإنى اتخذت أخاك إماما وكان في قرابته برسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومحله من العلم على ما كان ثم استخف بالقرآن وحرّفه طمعا في قليل من الدنيا، قد نعاه الله لأهله، ومثلت له ضلالته على صورة العدل فأمرنى أن أجرد السيف وآخذ بالظنة ، ولا أقبل معذرة وأن أسقم البرىء وأبرئ السقيم، وأثر أهل الدين في دينهم، وأوطأنى في غيركم من أهل بيتكم العتوة  بالإفك والعدوان، ثم إن الله بحمده ونعمته استنقذنى بالتوبة وكره إلى الحومة، فإن يعرف فقد عرف ذلك منه، وإن يعاقب فبذنوبى وما الله بظلام للعبيد. فكتب إليه أبو جعفر: قد فهمت كتابك أيها المدّل على أهل بيته بطاعته ونصرته ومحاماته وجميل بلائه، فقال: فلا يريك الله في طاعتنا إلا ما تحب، فراجع أحسن نيتك وعملك ولا يدعونك ما أنكرته إلى التجنى، فإن الغيظ ربما تعدى في العول فأخبر بما لا يعلم والله ولى توفيقك وتسديدك، فأقدم رحمك الله  مبسوط اليد في أمرنا محكما فيما هويت الحكم فيه، ولا تشمت الأعداء بك وبنا إن شاء الله تعالى . فقدم عليه فقتله

فانظر- أعزك الله- إلى كتاب أبى مسلم يفصح لك عن سيرة القوم، ولن تجد أخبر بهم منه، ثم انظر إلى كتاب أبى جعفر جوابا له كيف لم ينكر عليه ما رماهم به ولا كذّبه في دعواه، ذلك يحقق عندك صدقه ولا يوحشنك هذا من أخبارهم بل ضمه إلى وصية إبراهيم الإمام تجدهما خرجا من آل واحد، وكان عبد الله بن ذؤابة وهو المقفع قد كتب لعبد الله بن على أمانا حين أجاب أبو جعفر إلى أمانه، فكان فيه: فإن عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين، لم يف بما جعل لعبد الله بن على، فقد خلع نفسه والناس في حل وسعة من نقض بيعته، فأنكر أبو جعفر ذلك وأكبره واشتد غيظه على ابن المقفع

وكتب إلى سفيان بن معاوية عامله على البصرة: اكفنى ابن المقفع. ويقال: إنه شافهه بذلك عند توديعه إياه، فجاءه ابن المقفع يوما فأدخله حجرة، ثم سجر له تنورا ألقاه فيه وهو يصيح: يا أعوان الظلمة، وقيل: إنه ألقى في بئر وأطبق عليه حجر. وقيل: حماما، فلم يزل فيه حتى مات، وقيل: دقت عنقه وقطّع عضوا عضوا وألقيت أعضاؤه في النار، وهو يراها ويصيح صياحا شديدا، وقيل: فى بئر النورة في الحمام وأطبق عليه صخرة فمات

وشكا بنو على بن عبد الله ما صنع سفيان بابن المقفع إلى أبى جعفر المنصور، فأمر بحمل سفيان إليه، فلما جىء به وجاء عيسى بن على وغيره ليشهدوا عليه أن ابن المقفع دخل داره فلم يخرج، وصرفت دوابه، وغلمانه يصرخون وينعونه وجاء عيسى بتاجرين يثبتون الشهادة على قتله، فقال لهم المنصور: أرأيتكم إن أخرجت ابن المقفع إليكم، ماذا تقولون؟ فانكسروا على الشهادة، وكف عيسى عن الطلب بدم ابن المقفع، وكان سديف بن ميمون مولى آل المهلب مائلا إلى أبى جعفر، فلما استخلف وصله بألف دينار، ثم اتصل بمحمد وإبراهيم ابنى عبد الله بن حسن حتى قتلا، فاختفى حتى أمنه عبد الله بن على والى المدينة، فلما قدمها أبو جعفر جد فى طلبه حتى ظفر به فجعله في جوالق، وضرب حتى كسر، ثم رمى به في بئر وبه رمق حتى مات

فهذا وأمثاله من سيرته خلاف سنن الهدى، وكان الفضل بن الربيع يمنع عائد الخليفة أن يسأل عن شىء يقتضى جوابا ويقول: اجعلوا عيادتكم دعاء، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير بالكرامة، وإن أردت السؤال عن حاله فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فإن المسألة توجب الجواب، وإن لم يجبك اشتد عليك وإن أجابك اشتد عليه. وكانت الخلفاء إذا عطست شمتت، فعطس هارون الرشيد فشمته، فقال له الفضل: لا تعد، أتكلف أمير المؤمنين ردا وجوابا فجروا على ذلك فيما بعد. وهذا المأمون عبد الله بن هارون الرشيد قد أثر في الإسلام أقبح أثر، وهو أنه عرّب كتب الفلسفة حتى كاد بها أهل الزيغ والإلحاد للإسلام وأهله، وحمل مع ذلك الناس كافة على القول بخلق القرآن، وامتحنهم فيه أشد محنة، وأكثر من شراء الأتراك وتغالى في أثمانهم، حتى كان يشترى المملوك منهم بمائتى ألف درهم، وافتدى به أخوه أبو إسحاق المعتصم ، فاشتد على الناس فى امتحانهم بالقول بخلق القرآن، وانتهك أعراضهم وبرح بالضرب الشديد أبشارهم، وأخرج العرب- قوم رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذين أقام الله بهم دين الإسلام- من الديوان، وأسقط عطاءهم فسقط فلم يفرض لهم بعده عطاء، وأقام بدلهم من الترك ، وخلع لباس العرب وزيهم ولبس التاج وتزيا بزى العجم الذين بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلّم بقتلهم وقتالهم، فزالت به وعلى يديه الدولة العربية، وتحكم منذ عهده وأيام دولته الأتراك الذين أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقتالهم، فغلبوا من بعده على الممالك، وسلطهم على ابنه جعفر المتوكل فقتلوه ثم قتلوا ابنه المستعين وتلاعبوا بدين الله وتغلبوا على الأطراف كلها، وفعل المتوكل جعفر بن المعتصم فى خلافته من الانهماك في الترف المنهى عنه ما يقبح مثله من آحاد الرعية، وجهر بالسوء من القول في أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، حتى قتله الله بيد أعوانه- وهو أنه كتب إلى الآفاق بأن لا يقبل علوى ضيعة ولا يركب فرسا ولا يسافر إلى طرف من الأطراف، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، ومن كان بينه وبين واحد من الطالبين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه، ولم يطالبه ببينة، وقرئ هذا الكتاب على منبر مصر، فيالله هل سمع في أخبار الجائرين أهل العناد والشقاق بمثل ما أمر به هذا الجائر!! لا جرم أن الله أخذه ولم يمهله فكانت دولته ستة أشهر

وما زالت أمور الإسلام تتلاشى والدولة تضعف إلى أن انتقل الملك والدولة فى آخر أيام المتقى إبراهيم بن جعفر المقتدر ، وأول أيام خلافة المستكفى عبد الله ابن المكتفى من بنى العباس إلى بنى بويه الديلم، فلم يبق بيد بنى العباس من الخلافة إلا اسمها فقط من غير تصرف في ملك بحيث صار الخليفة منهم في يد الدولة البويهية ثم في الدولة السلجوقية إنما هو كان رئيس الإسلام إلا أنه لا ملك ولا حاكم تتحكم فيه الديلم، ومع الأتراك، منذ استولى معز الدولة أحمد بن بويه ببغداد في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة تحت الحكم إلى أن قتلوا عن آخرهم وسبى حريمهم وهدمت قصورهم، وهلكت رعاياهم على يد عبد الله هولاكو وكانوا هم السبب في ذلك كما قد ذكر في سيرة الناصر أحمد بن المستضىء، وقد ثبت في الصحيح من حديث معاوية رضى الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين

وروى وكيع عن كامل أبي العلاء عن حبيب عن أبى ثابت عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضى الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: «يا معشر قريش إن هذا الأمر لا يزال فيكم حتى تحدثوا أعمالا تخرجكم منه فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شر خلقه فليحتوكم  كما يلتحى القضيب» وهو حديث مرسل وعبيد الله هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو عبد الله الهذلى المدنى الأعمى أحد الفقهاء السبق، ومات سنة تسع وتسعين  والله أعلم بالصواب

 اتفق في الخلافة الإسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذاة بالقذاة

فصل: وقد اتفق في الخلافة الإسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذاة بالقذاة ، وذلك أن العرب كلها ترجع إلى قحطان وعدنان  فيقال لسائر قحطان: اليمن، ويقال لسائر بنى عدنان: المضرية والنزارية وهى قيس. والعرب كلها على ست طبقات: شعوب، وقبائل، وعمائر، وبطون، وأفخاذ، وفصائل، وما بينهما من الآباء يعرفها أهلها

قال الله جلت قدرته: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا

فالشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو أكبر من القبيلة، وقيل: الشعب هو الحى العظيم مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج سموا بذلك لتشعبهم واجتماعهم كتشعب أغصان الشجر، وقيل: الشعب القبيلة نفسها، وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم حتى قيل: المحتقر أمر العرب شعوبى والقبائل جمع قبيلة من الناس بنو أب واحد، وهو دون الشعب، كبكر من ربيعة وتميم من مضر وقيل: القبيلة الجماعة التى تكون من واحد، ويقال لكل جمع على شىء واحد: قبيل

قال الله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ

والشعب: القبيلة من قبائل الشجر وهى أغصانها وقيل: من قبائل الرأس وهى أطباق الأربع، وقيل: لأن العمائر تقابلت عليها، والعمائر واحدة عمارة، وهى أصغر من القبيلة وقيل: العمارة هى الحى العظيم الذى يقوم بنفسه، فدودان بن أسد عمارة

قال: الشعب يجمع القبائل، والعمارة تجمع البطون، والبطون واحدها: بطن، وهو دون القبيلة، وفخذ الرجل حيّه من أقرب عشيرته ورهطه الأدنون، وقيل الفصيلة أقرب أب الرجل إليه فكأنه قبيلة، وقريش بطن، وقصّى عمارة، وهاشم فخذه، وبنو العباس فصيلة. وكما أن الله تعالى جعل العرب شعوبا وقبائل، فقد جعل بنى إسرائيل أسباطا، فالسبط من بنى إسرائيل كالقبيلة من العرب وبنو إسرائيل ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم اثنا عشر سبطا، وهم: يوسف النبى، وبنيامين، وكاد، ويهوذا، ونفتالى، وزبولون، وشمعون، ورؤوبين، ويساخار، ولاوى، ودار، وياشر وكل ولد من هؤلاء الاثنى عشر يقال له: سبط. ومنهم كلهم سائر بنى إسرائيل

فإذا عرفت ذلك فاعلم أن موسى صلوات الله عليه وسلامه هو موسى بن عمران بن فاهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام فهو من سبط لاوى، فلما مات لم يخلفه في بنى إسرائيل أحد من سبط لاوى الذين هم قرابته القريبة، وإنما خلفه يوشع عليه السلام، وهو من سبط أفرايم بن يوسف عليه السلام، وهو بعيد من سبط لاوى؛ وذلك أن يوشع بن نون بن اليشع بن صيهود بن لهذان بن تالح بن راشد بن بريعا بن أفرايم بن يوسف النبى بن يعقوب عليهما السلام. وهكذا وقع في الإسلام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سيد بنى هاشم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بلا خلاف في ذلك

ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يخلفه في أمته أحد من بنى هاشم الذين هم أقرب العرب إليه، بل خلفه أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وهو من بنى تميم بن مرة بن كعب، فإنه أبو بكر عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة. فانظر كيف كان أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم في البعد من جذم رسول الله صلى الله عليه وسلّم كبعد يوشع من أصل موسى عليهما السلام، فإن أبا بكر رضى الله عنه إنما يلتقى مع رسول الله في مرة بن كعب بن لؤى بعد عدة آباء، وكذلك يوشع إنما يلتقى مع موسى في يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام بعد عدة آباء، كما أنه قام بأمر بنى إسرائيل بعد يوشع خليفة قومه جماعة مختلفو الأنساب بعضهم من سبط يهوذا، وبعضهم من سبط بنيامين، وبعضهم من سبط منشا بن يوسف عليه السلام، وبعضهم من سبط غان، وبعضهم من سبط ذان، كذلك قام في الخلافة بعد أبى بكر رضى الله عنه، جماعة مختلفة أنسابهم بعضهم من بنى عدى وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدى بن كعب، وبعضهم من بنى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص، وبعضهم من بنى هاشم وهو على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى وابنه الحسن بن على بن أبى طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وبعضهم من بنى حرب بن أمية بن عبد شمس وهم معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما صخر بن حرب بن أمية وابنه يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وبعضهم من بنى أسد بن عبد العزّى بن قصى بن كلاب وهو عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما ابن العوام بن أسد بن عبد العزى، وبعضهم من بنى الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وبنوه

وكما أن بنى إسرائيل استقر أمرهم بعد من ذكرنا في يهود كذلك استقرت الخلافة بعد من ذكرنا في بنى العباس، وكما أن يهوذا عم موسى عليه السلام كذلك العباس بن عبد المطلب بن هاشم هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وكما أن يهوذا قدّمه يعقوب على إخوته وبشره ومدحه كذلك العباس رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يجله ويكرمه ويثنى عليه. وكما أن أمر بنى إسرائيل افترق في دولة بنى يهوذا وصاروا بعد موت سليمان بن داود عليهما السلام فرقتين: فرقة بالقدس مع ابنه رجيعم بن سليمان عليه السلام وهو يهوذا وسبط بنيامين، وفرقة بشمرون مع بربعام ابن نياط وهم بقية الأسباط، كذلك لما صارت الخلافة في بنى العباس افترق أمراء الأمة فصار في الأنبار ثم في بغداد بنو العباس وفي الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم وبنوه من بعده فلم تدخل الأندلس تحت طاعة بنى العباس، كما أنه تدخل شمرون تحت حكم سبط يهوذا

وكما أن مدينة القدس التى هى دار ملك يهوذا كانت تدعى أورشليم ومعناه: «دار السلام» ، كذلك بغداد دار ملك بنى العباس، كان يقال لها: دار السلام. وكما أن دولة بربعام من بعده بشمرون التى عرفت اليوم بنابلس انقرضت قبل دولة بنى يهوذا بالقدس، فإنها لم تقم غير مائتين وإحدى وستين سنة، فكذلك دولة بنى أمية بالأندلس فإنها انقرضت قبل انقراض دولة بنى العباس، فكانت مدتهم مائتين وسبع وستين سنة. وكما أن دولة بنى يهوذا بالقدس أقامت من عهد داود عليه السلام وهو أول من ملك منهم إلى أن انقرضت نحوا من خمسمائة سنة، فإنها قامت أربعمائة وعشر سنين، كذلك بنو العباس أقامت خلافتهم منذ أبي العباس عبد الله السفاح أول قائم منهم إلى أن انقرضت أيامهم خمسمائة وأربعا وعشرين سنة

وكما أن دولة بنى يهوذا انقرضت على يد بختنصر، فإنه سار إليهم من بلاد المشرق وقاتلهم وهدم مدينة القدس دار ملكهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم، فكذلك زالت دولة بنى العباس على يد هولاكو لما قدم إلى بغداد من بلاد المشرق فقتل الرجال وسبى النساء

وكما أن أمر بنى إسرائيل لم يجمع بعد زوال دولتهم لواحد يقوم بدينهم، كذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلّم لم تجتمع بعد انقراض خلافة بنى العباس لواحد، بل صار فى كل قطر ملك. وكما عاد لبنى إسرائيل- بعد إزالة بختنصر دولتهم- ملك كانوا فيه تحت يد اليونان وغيرهم مدة عمارة بيت المقدس بعد عودهم من الجالية، كذلك أقام الأتراك ملوك مصر رجلا من بنى العباس وجعلوه خليفة وليس له أمر ولا نهى ولا نفوذ كلمة. وكما أن بنى إسرائيل قوم موسى عليه السلام قطعهم الله فى الأرض، إنما كذلك قريش قوم رسول الله صلى الله عليه وسلّم تفرقوا في أقطار الأرض وصاروا رعية ورعايا ليس لهم ملك ولا دولة. وكما أن أنساب بنى إسرائيل جهلت بأسرها إلا بعض بنى يهوذا، فإن نسبهم متصل بداود عليه السلام، كذلك قريش جهلت فى هذه الأيام أنساب جميع بطونها إلا ما كان من بنى حسن وحسين، فإن أنساب كثير منهم متصلة إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه. فانظر- أعزك الله- كيف تشابه أمر هذه الأمة المحمدية بأمر الأمة الموسوية، وقد أنذر بذلك رسول الله، وكان هذا من أعلام نبوته لما بينته في كتاب «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأخوال والحفدة والمتاع صلى الله عليه وسلّم

 مطابقة السنن الكونية في الأمة الإسلامية لماسبقها من الشعوب والأمم من اليهود والنصارى وغيرهم

فصل: ثبت في غير موضع من الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن» هذا لفظ مسلم، ولفظ البخارى «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذارع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن» هذا لفظ مسلم، ولفظ البخارى «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم  الحديث  بمثله وفي لفظ له: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟. قال: فمن؟. ولبقىّ بن مخلد من حديث أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلّم قال: «لتتبعن سنن من كان من قبلكم باعا بباع وذراعا بذارع وشبرا بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم معهم. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟

والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

تم

Partager cet article

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :