Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

أهل الورع من الفتوحات المكية لمحيي الدين ابن عربي

اعلم أيدك الله بروح القدس إن رجال هذا الباب هم الزهاد الذين كان الورع سبب زهدهم وذلك إن القوم تورّعوا في المكاسب على أشد ما يكون من عزائم الشريعة فكلما حاك له في نفوسهم شيء تركوه عملاً على قوله صلى الله عليه وسلم "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وقوله "استفت قلبك" وقال بعضهم ما رأيت أسهل عليّ من الورع كل ما حاك له في نفسي شيء تركته إلى أن جعل الله لهم علامات يعرفون بها الحلال من الحرام في المطاعم وغيرها إلى أن ارتقوا عن العلامات إلى خرق العوائد عندهم في الشيء المتورّع فيه فيستعملونه فيظنّ من لا علم له بذلك أنه أتى حراماً وليس كذلك فاتسع عليهم ذلك الضيق والحرج وقد ذقنا هذا من نفوسنا وزال عنهم ما كانوا يجدونه في نفوسهم من البحث والتفتيش عن ذلك وهذه العلامة وهذا الحال التي ارتقوا إليها لا تكون أبداً إلا من نفس الرحمن رحمهم بذلك الرحمن لما رآهم فيه من التعب والضيق والحرج وتهمة الناس في مكاسبهم وما يؤدّيهم إليه هذا الفعل من سوء الظنّ بعباد الله فنفس الرحمن عنهم بما جعل لهم من العلامات في الشيء وفي حق قوم بالمقام الذي ارتقوا إليه الذي ذكرناه فيأكلون طيباً ويستعملون طيباً فالطيبات للطيبين والطيبون للطيبات واستراحوا إذ كانوا على بينة من ربهم في مطاعمهم ومشاربهم وأدّاهم التحقق بالورع إلى الزهد في الكسب إذ كان مبنى اكتسابهم الورع ليأكلوا مما يعلمون إن ذلك حلال لهم استعماله ثم عملوا على ذلك الورع في المنطق من أجل الغيبة والكلام فيما يخوض الإنسان فيه من الفضول فرأوا أن السببالموجب لذلك مجالسة الناس ومعاشرتهم وربما قدروا على مسك نفوسهم عن الكلام بما لا ينبغي لكن بعضهم أو أكثرهم عجز أن يمنع الناس بحضوره عن الكلام بالفضول وما لا يعنيهم فأدّاهم أيضاً هذا الحرج إلى الزهد في الناس فآثروا العزلة والانقطاع عن الناس باتخاذ الخلوات وغلق بابهم عن قصد الناس إليهم وآخرون بالسياحة في الجبال والشعاب والسواحل وبطون الأودية فنفس الله عنهم من اسمه الرحمن بوجوه مختلفة من الأنس به أعطاهم ذلك نفس الرحمن فأسمعهم أذكار الأحجار وخرير المياه وهبوب الرياح ومناطق الطير وتسبيح كل أمة من المخلوقات ومحادثتهم معه وسلامهم عليه فأنس بهم من وحشته وعاد في جماعة وخلق ما لهم كلام إلا في تسبيح أو تعظيم أو ذكر آلاء إلاهية أو تعريف بما ينبغي وهو جليس لهم ويسمع جوارحه وكل جزء فيه يكلمه بما أنعم الله عليه به فتغمره النعم فيزيد في العبادة ومنهم من ينفس عنه بالأنس بالوحوش رأينا ذلك فتغدو عليه وتروح مستأنسة به وتكلمه بما يزيده حرصاً على عبادة ربه ومنهم من يجالسه الروحانيون من الجان ولكن هو دون الجماعة في الرتبة إذا لم يكن له حال سوى هذا لأنهم قريب من الأنس في الفضول والكيس من الناس من يهرب منهم كما يهرب من الناس فإن مجالستهم رديئة جداً قليل أن تنتج خيراً لأن أصلهم نار والنار كثيرة الحركة ومن كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كل شيء فهم أشد فتنة على جليسهم من الناس فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها غير أن الأنس لا تؤثر مجالسة الإنسان إياهم تكبراً ومجالسة الجن ليست كذلك فإنهم بالطبع يؤثرون في جليسهم التكبر على الناس وعلى كل عبد لله وكل عبد لله رأى لنفسه شفوفاً على غيره تكبراً فإنه يمقته الله في نفسه من حيث لا يشعر وهذا من المكر الخفيّ وعين مقت الله إياه هو ما يجده من التكبر على من ليس له مثل هذا ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت ثم اعلم أن الجان هم أجهل العالم الطبيعيّ بالله ويتخيل جليسهم بما يخبرونه به من حوادث الأكوان وما يجري في العالم مما يحصل لهم من استراق السمع من الملأ الأعلى فيظنّ جليسهم إن ذلك كرامة الله به وهيهات لما ظنوا ولهذا ما ترى أحداً قط جالسهم فحصل عنده منهم علم بالله جملة واحدة غاية الرجل الذي تعتني به أرواح الجنّ أن يمنحوه من علم خواص النبات والأحجار والأسماء والحروف وهو علم السيمياء فلم يكتسب منهم إلا العلم الذي ذمّته ألسنة الشرائع ومن ادّعى صحبتهم وهو صادق في دعواه فاسألوه عن مسئلة في العلم الإلهيّ ما تجد عنده من ذلك ذوقاً أصلاً فرجال الله يفرّون من صحبتهم أشد فراراً منهم من الناس فإنه لابد أن تحصل صحبتهم في نفس من يصحبهم تكبراً على الغير بالطبع وازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدم وقد رأينا جماعة ممن صحبوهم حقيقة وظهرت لهم براهين على صحة ما ادّعوه من صحبتهم وكانوا أهل جد واجتهاد وعبادة ولكن لم يكن عندهم من جهتهم شمة من العلم بالله ورأينا فيهم عزّة وتكبرا فما زلنا بهم حتى حلنا بينهم وبين صحبتهم لأنصافهم وطلبهم الأنفس كما أيضاً رأينا ضد ذلك منهم فما أفلح ولا يفلح من هذه صفته إذا كان صادقاً وأمّا الكاذب فلا نشتغل به ومنهم من نفس الرحمن عنه بمجالسة الملائكة ونعم الجلساء هم هم أنوار خالصة لا فضول عندهم وعندهم العلم الإلهيّ الذي لا مرية فيه فيرى جليسهم في مزيد علم بالله دائماً مع الأنفاس فمن ادّعى مجالسة الملأ الأعلى ولم يستفد في نفسه علماً بربه فليس بصحيح الدعوى وإنما هو صاحب خيال فاسد ومنهم من ينفس الرحمن عنه بأنس بالله في باطنه وتجليات دائمة معنويات فلا يزال في كل نفس صاحب علم بحال جديد بالله وأنس جديد ومنهم من ينفس الرحمن عنه ذلك الضيق بمشاهدته عالم الخيال يستصحبه ذلك دائماً كما يستصحب الرؤيا النائم فيخاطب ويخاطب ولا يزال في صور دائماً في لذة وفي نكاح إن جاءته شهوة جماع ولا تكليف عليه مادام في تلك الحال لغيبته عن إحساسه في الشاهد فينكح ويلتذ ويولد له في عالم الخيال أولاد فمنهم من يبقى له ذلك في عالمه ومنهم من يخرج ولده إلى عالم الشهادة وهو خيال على أصله مشهود للحس وهذا من الأسرار الإلهية العجيبة ولا يحصل ذلك إلا للأكابر من الرجال وما من طبقة ذكرناها إلا وقد رأينا منهم جماعة من رجال ونساء بإشبيلية وتلمسان وبمكة وبمواضع كثيرة وكانت لهم براهين تشهد بصحة ما يقولونه وأما نحن فلا نحتاج مع أحد منهم لبرهان فيما يدعيه فإن الله قد جعل لكل صنف علامة يعرف بها فإذا رأينا تلك العلامة عرفنا صدق صاحبها من حيث لا يشعروكم رأينا ممن يدعي ذلك كاذباً أو صاحب خيال فاسد فإن علمنا منه أنه يرجع نصحناه وإن رأيناه عاشقاً لحاله محجوبا بخياله الفاسد تركناه وأصدق من رأينا في هذا الباب من النساء فاطمة بنت ابن المثنى بإشبيلية خدمتها وهي بنت خمس وتسعين سنة وشمس أم الفقراء بمرشانة وأم الزهرا بإشبيلية أيضاً وكلبهار بمكة تدعى ست غزالة ومن الرجال أبو العباس بن المنذر من أهل إشبيلية وأبو الحجاج الشبربلي من قرية بشرف إشبيلية تسمى شبربل ويوسف بن صخر بقرطبة وهذا قد أعربنا لك عن أحوال رجال هذا الباب وما أنتج لهم الزهد في الناس وما وجدوه من نفس الرحمن لذلك وعلى هذا الحد تكون أعمال الجوارح كلها يجمعها ترك الفضول في كل عضو بما يستحقه ظاهراً وباطناً فأولها الجوارح وأعلاها في الباطن الفكر فلا يتفكر فيما لا يعينه فإن ذلك يؤديه إلى الهوس والأماني وعدم المسابقة بحضور النية في أداء العباداةت فإن الإنسان لا يخلو فكره في أحد أمرين إمّا فيما عنده من الدنيا وإمّا فيما ليس عنده منها فإن فكر فيما عنده فليس له دواء عند الطائفة إلا الخروج عنه والزهد فيه صرّح بذلك أبو حامد وغيره وإن فكر فيما ليس عنده فهو عند الطائفة عديم العقل أخرق لا دواء له لا المداومة على الذكر ومجالسة أهل الله الذين الغالب على ظواهرهم المراقبة والحياء من الله والله يقول اعلحق وهو يهدي السبيل

Partager cet article

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :