Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

أَخْبَارُ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ

قَالَ: فَنَادَاهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: نُصْبِحُ وَنَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: فَانْصَرَفَ النَّاسُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ انْحَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَانْحَازَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْخَزْرَجِيِّ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، قَالَ: وَجَلَسَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي مَنْزِلِهِ مَغْمُومًا بِأَمْرِ النبي صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَفِيهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جَمِيعِ جَنَبَاتِ الْمَدِينَةِ يَسْمَعُونَ مَا يَكُونُ مِنْ كَلامِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ قَدْ قَدَّمْتُمْ قُرَيْشًا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنْتُمُ الأَنْصَارُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وجل،وَإِلَيْكُمْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ، وَفِيكُمْ قَبْرُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ عَلَى رَجُلٍ تَهَابُهُ قُرَيْشٌ وَتَأْمَنُهُ الأَنْصَارُ، قَالَ: فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: صَدَقْتَ يَا خُزَيْمَةُ، إِنَّ الْقَوْلَ لَعَلَى مَا تَقُولُ، قَدْ رَضِينَا بِصَاحِبِنَا سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: فَقَطَّبَ الْمُهَاجِرُونَ وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ وَثَبَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ الأَوْسِيُّ ، وَكَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ عِنْدَ الأَنْصَارِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّهُ قَدْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ سَمَّاكُمُ الأَنْصَارَ وَجَعَلَ إِلَيْكُمُ الْهِجْرَةَ، وَفِيكُمْ قُبِضَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَاجْعَلُوا ذَلِكَ للَّه، وَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ دُونَكُمْ، فَمَنْ قَدَّمُوهُ فَقَدِّمُوهُ، وَمَنْ أَخَّرُوهُ فَأَخِّرُوهَ، قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَغْلَظُوا لَهُ الْقَوْلَ وَسَكَّتُوهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ وَثَبَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ الأَعْوَرُ، وَكَانَ أَيْضًا مِنْ أَفَاضِلِ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَاِر، إنما أنتم بقريش وقريش بكم، ولوكَانَ مَا تَدَّعُونَ حَقًّا لَمَا أُعْرِضَ عَلَيْكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّا آوَيْنَا وَنَصَرْنَا، فَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أُعْطِيتُمْ، فَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، قَالَ: فَوَثَبَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ عَنِ الدِّينِ، فَلا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ قَاتَلَ أَهْلَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْخِلافَةَ لا تَكُونُ إلا لأهل النبوّة، فَاجْعَلُوهَا حَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ لَهُمْ دَعْوَةَ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنْ كَانَ هَذَا الأَمْرُ لَكُمْ مِنْ دُونَ قُرَيْشٍ فَخَبِّرُوهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى يبايعوكم عليه، فإن كانلهم من دونكم، فسلّموه إليهم، فو الله مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حَتَّى صَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ رَضِيَهُ لَنَا، لأَنَّ الصَّلاةَ عِمَادُ الدِّينِ، قَالَ

فَبَيْنَمَا الأَنْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمُحَاوَرَةِ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَتَبِعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَإِذَا بِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَدْ زُمِّلَ بِالثِّيَابِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ مِنْ عِلَّةٍ كَانَ يَجِدُهَا فِي بَدَنِهِ، وَإِذَا بِقَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ أَحْدَقُوا بِهِ مَا يُرِيدُونَ بِهِ بَدَلا

قَالَ: فَقَعَدَ الْمُهَاجِرُونَ وَسَكَتُوا سَاعَةً لا يَتَكَلَّمُونَ بِشَيْءٍ، فَتَكَلَّمَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ خَطِيبَ الأَنْصَارِ، لَمْ يَزَلْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَعَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ نَبِيَّهُ محمدا صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، وَكَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ مُقِيمًا بِمَكَّةَ عَلَى الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ، لا يَأْمُرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بِالْكَفِّ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بعد ذلك بِالْهِجْرَةِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْقِتَالَ، وَنَقَلَهُ مِنْ دَارِهِ، فَكُنَّا أَنْصَارَهُ، وَكَانَتْ أَرْضُنَا مُهَاجَرَهُ وَقَرَارَهُ، ثُمَّ إِنَّكُمْ قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا فَقَاسَمْنَاكُمُ الأَمْوَالَ وَكَفَيْنَاكُمُ الأَعْمَالَ، وَأَنْزَلْنَاكُمُ الدِّيَارَ، وَآثَرْنَاكُمْ بِالْمَرَافِقِ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الإِسْلامِ، وَنَحْنُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فينا: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَغَيْرَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا لا يُنْكِرُهُ لَنَا مُنْكِرٌ، وَأُخْرَى، فَإِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِينَا مِنَ الْفَضَائِلِ الشَّرِيفَةِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ رَجُلا بِعَيْنِهِ، وَأَنْ مَا وَكَلَ النَّاسَ، إِنَّمَا وَكَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْجَامِعَةِ، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يَجْمَعُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلَى الضَّلالِ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَلَنَا الإِمَامَةُ فِي النَّاسِ، فَهَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالسَّلامُ

قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ كَلامِهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ، أَنْتُمْ لَعَمْرِي كَمَا وَصَفْتَ بِهِ قَوْمَكَ، لا يَدْفَعُهُمْ عَنْ ذَلِكَ دَافِعٌ وَنَحْنُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَهُّ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ أَكْرَمَكُمُ الله أن تكونوا الصادقين لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، وَأُخْرَى، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَرَبَ لا تُقِرُّ بِهَذَا الأَمْرِ إِلا لِقُرَيْشٍ، لأَنَّهُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا، وَلَهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شئتم

قَالَ: فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، أَرَضِيتُمْ بِمَا يَقُولُهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ، لَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَنْسُبُوا أَبَا بَكْرٍ لِلْعِصْيَانِ لِرَسُولِهِ صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ، فَقَالَ: لأَنَّكُمْ ذَكَرْتُمْ أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ اخْتَارَهُ وَرَضِيَ لَكُمْ فِي حَيَاتِهِ، فَقَدَّمَهُ لِلصَّلاةِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلا وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ عَصَى أَبُو بَكْرٍ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ بِإِخْرَاجِ نَفْسِهِ مِنَ الْخِلافَةِ، وَقَوْلُهُ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَكَيْفَ لَكُمَا قُدْوَةُ هَذَيْنِ، وَقَدِ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِمَا، وَلَعَلَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْتُمُ الَّذِينَ عَصَيْتُمُ اللَّهَ فِي شَهَادَتِكُمْ عَلَى نَبِيِّكُمْ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَآمَنَ برسول الله صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ مِنْ بَعْدِهِ بِهَذَا الأَمْرِ، فلا يُنَازِعُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلا ظَالِمٌ مُعْتَدٍ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، فَلَسْنَا نُنْكِرُ فَضْلَكُمْ وَلا سَبْقَكُمْ فِي الإِسْلامِ، سَمَّاكُمُ اللَّهُ أَنْصَارَ الدِّينِ، وَجَعَلَ إِلَيْكُمُ الْهِجْرَةَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَعَزَّ عَلَيْنَا منكم، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولا تفتاتون بِمَشُورَةٍ، وَلا تُقْضَى دُونَكُمُ الأُمُورُ، قَالَ: فَوَثَبَ الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، وصاحب فِي بَنِي عَمِّهِ صَيْحَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، انْظُرُوا لا تُخْدَعُوا عَنْ حَقِّكُمْ، فو الله مَا عُبِدَ اللَّهُ عَلانِيَةً إِلا فِي بِلادِكُمْ، وَلا اجْتَمَعَتِ الصَّلاةُ إِلا فِي مَسَاجِدِكُمْ، وَلا دانت العرب بِالإِيمَانِ إِلا بِأَسْيَافِكُمْ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَعْظَمُ نَصِيبًا فِي الدِّينِ، وَفَضِيلَةً فِي الإِسْلامِ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذا الأَمْرِ، فَإِنْ أَبَى هَؤُلاءِ الْقَوْمُ ما نقول، فمنا أمير ومنكم أمير

قَالَ: فَوَثَبَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيَّانِ، فَقَالا: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا حُبَابُ، وَلَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ أَنْ يَكُونَ أَمِيرَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَحَدُهُمَا يُخَالِفُ لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ الْحُبَابُ: وَاللَّهِ يَا أُسَيْدُ وَيَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلا عِزَّكُمَا، فَإِذَا قَدْ أَبَيْتُمَا فَإِنِّي مَعَكُمَا، فَإِنْ أَتَى مَا يَكْرَهُونَ قَدِمْنَا عَلَى هَذَيْنِ مُهَاجِرِينَ فلكما، ثُمَّ أَنْشَأَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَقُولُ

(مِنَ الطَّوِيلِ)

سَعَى ابْنُ حُضَيْرٍ فِي الْفَسَادِ لِحَاجَةٍ              وَأَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْفَسَادِ بَشِيرُ

يَظُنَّانِ أَنَّا قَدْ أَتَيْنَا عَظِيمَةً                          وَخَطْبُهُمَا فِيمَا يُرَادُ صَغِيرُ

وَمَا صَغُرَا إِلا لِمَا كَانَ مِنْهُمَا                     وَخَطْبُهُمَا لَوْلا الْفَسَادُ كَبِيرُ

وَلَكِنَّهُ مَنْ لا يُرَاقِبُ قَوْمَهُ                          قليل ذليل ما علمت حقير

فيا ابن حُضَيْرٍ وَابْنَ سَعْدٍ كِلاكُمَا                 بِتِلْكَ الَّتِي تَعْنِي الرِّجَالُ خَبِيرُ

أَلَمْ تَعْلَمَا للَّه دَرُّ أَبِيكُمَا                               وَمَا النَّاسُ إِلا أَكْمَهٌ وَبَصِيرٌ

بِأَنَّا وَأَعْدَاءُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ                            أُسُودٌ لَهَا فِي الْغَابَتَيْنِ زَئِيرُ

نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النَّبِيَّ وَمَا لَهُ                        سِوَانَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّتَيْنِ نَصِيرُ

فَدَيْنَاهُ بِالأَبْنَاءِ مِنْهُمْ دِمَاؤُنَا                         وَأَمْوَالُنَا وَالْمُشْرِكُونَ كَثِيرُ

فَكُنَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُرِيدُهُ                           سِهَامًا صِيَابًا ضَيْمُهُنَّ حَظِيرُ

فَمَنْ ذَا الَّذِي أَوْلَى بِهَا مِنْ مَعَاشِرٍ                هُمُ هكذا إذ مخ جند وزير

فَكَانَ عَظِيمًا أَنَّنِي قُلْتُ: مِنْهُمُ                      أَمِيرٌ وَمِنَّا يَا بَشِيرُ أَمِيرُ

فَلَمَّا فَرَغَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ شِعْرِهِ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ يَا حُبَابُ، لَقَدْ قُلْتَ عَظِيمًا، لأَنَّهُ لا يَجْتَمِعُ فِي غِمْدٍ سَيْفَانِ، وَالْعَرَبُ لا تَرْضَى أَنْ يُؤَمِّرُوكُمْ وَنَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ، وَلَكِنْ يُؤَمِّرُونَ مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، وَفِي الَّذِي قُلْتَ يَا حُبَابُ فَسَادٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا، اللَّهُ وَاحِدٌ، وَالإِسْلامُ وَاحِدٌ، وَالدِّينُ وَاحِدٌ، وَلا تَصْلُحُ الأُمُورُ وَالأَشْيَاءُ إِلا عَلَى وَاحِدٍ، لأَنَّهُ إِنْ جَرَى الْيَوْمَ إِمَامَانِ، جَرَى غَدًا إِمَامَانِ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الإِسْلامُ إِلا وَاحِدًا، فاتَّق اللَّهَ وَسَلِّمُوا هَذَا الأَمْرَ لِمَنْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ مِنْ قُرَيْشٍ

قَالَ: فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لا تَلْتَفِتُوا إِلَى كَلامِ هَذَا وَأَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُ نَصِيبُكُمْ مِنْ هَذَا الأَمْرِ، وَإِنْ أَبَى عَلَيْكُمْ هَؤُلاءِ فَأَجْلُوهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ وَتَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأُمُورَ، فَقَدْ علمت العرب عزكم ومنعتكم في الجاهلية والإسلام، ووالله لا يَرُدُّ أَحَدٌ عَلَيَّ بَعْدَ هَذَا إِلا خَطَمْتُ أَنْفَهُ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِذَنْ يَقْتُلُكَ اللَّهُ يَا حُبَابُ، فَقَالَ الْحُبَابُ: بَلْ إِيَّاكَ يَقْتُلُ يَا عُمَرُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمَتِ الْعَرَبُ قَاطِبَةً أَنَّكُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَأَنْصَارُ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا فِي الإِسْلامِ، وشركاؤنا في الدين، ووالله مَا كُنَّا قَطُّ فِي خَيْرٍ وَلا شَرٍّ إِلا وَكُنْتُمْ مَعَنَا فِيهِ، وَأَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيْنَا، وَأَنْتُمُ الْمُؤْثِرُونَ عَلَى أنفسهم في الخصاصة، وو الله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من الْمُهَاجِرِينَ بِأَمْوَالِكُمْ مُنْذُ كُنْتُمْ، وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لا يَكُونَ اخْتِلافُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَانْتِقَاضِهَا عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَأُخْرَى فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَحْسِدُوا إِخْوَانَكُمْ عَلَى خَيْرِ سَاقِهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ سَعْدًا لا يَصْلُحُ لَهَا

قَالَ ثَابِتٌ: بَلَى يَا عُمَرُ، سَعْدٌ لَهَا أَصْلَحُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَوْلَى بِهَا، لأَنَّ الدَّارَ دَارُهُ، وَأَنْتُمْ نَازِلُونَ عَلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ وَثَبَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ

(مِنَ الْبَسِيطِ)

لا تنكرنَّ قُرَيْشٌ فَضْلَ صَاحِبِنَا                            سَعْدٍ فَمَا فِي مَقَالِي الْيَوْمَ مِنْ أَوَدِ

قَالَتْ قُرَيْشٌ لَنَا السُّلْطَانُ دُونَكُمُ                            لا يَطْمَعُ الْيَوْمَ فِي ذَا الأَمْرِ مِنْ أَحَدِ

قُلْنَا لَهُمْ بَرْهِنُوا حَقًّا فَنَتَّبِعَهُ                                  لَسْنَا نُرِيدُ سِوَاهُ آخِرَ الأَبَدِ

إِنْ كَانَ عِنْدَكُمُ عَهْدٌ لَهُ سَبَبٌ                               بَعْدَ الرَّسُولِ فَمَا قُلْنَاهُ بِالْفَنَدِ

أَوْ لا يَكُنْ عِنْدَكُمْ عَهْدٌ فإنَّ لَهُ                              أَصْحَابَ بَدْرٍ وَأَهْلَ الشِّعب من أحد

نَحْنُ الَّذِينَ ضَرَبْنَا النَّاسَ عَنْ عَرَضٍ                    حَتَّى اسْتَقَامُوا وَكَانُوا بَيْضَةَ الْبَلَدِ

فِي كُلِّ يَوْمٍ لَنَا أَمْرٌ نَفُوزُ بِهِ                                أَعْطَى الإِلَهُ عَلَيْهِ جَنَّةَ الْخُلُدِ

لَسْتُمْ بِأَوْلَى بِهَا مِنَّا لأنَّ لنا                                 وسط المدينة فضل عزّ وَالْعَدَدِ

وإنَّنا يَوْمَ بِعْنَا اللَّهَ أَنْفُسَنَا                                    لَمْ يَبْقَ خَوْفٌ عَلَى مَالٍ وَلا وَلَدِ

وَالنَّاسُ حَرْبٌ لَنَا وَالنَّاسُ كُلُّهُمُ                            مِثْلُ الثَّعَالِبِ تَخْشَى صَوْلَةَ الأَسَدِ

قَالَ: وَضَجَّ الْمُهَاجِرُونَ، وَضَجَّتِ الأَنْصَارُ، حَتَّى هَمَّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، قَالَ: فَوَثَبَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ فَسَكَّنَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَعَزُّ عَلَيْنَا مِنْكُمْ، وَلَكِنَّا نَخَافُ مَا يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: (الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ وَلا يَكُونُ هَذَا إِلا فِيهِمْ) ، فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ قَوْمَهُ أولوا الإِمَارَةِ مِنْ بَعْدِه، وَايْمُ اللَّهِ لا يَرَانِي اللَّهُ وَأَنَا أُنَازِعُهُمْ هَذَا الأَمْرَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، وَلا تُخَالِفُوهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَحْسَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ وَجَزَاكَ عَنِ الإِسْلامِ خَيْرًا، إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ هَذَا الأَمْرَ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَيَّهُمَا شئتم فبايعوا

فَقَالَ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: لا يَتَوَلَّى هَذَا الأَمْرَ أَحَدٌ سِوَاكَ أَنْتَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلاةِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَتَقَدَّمُكَ وَيَتَوَلَّى هَذَا الأَمْرَ عَلَيْكَ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى نُبَايِعَكَ. فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ: وَاللَّهِ مَا يُبَايِعُهُ أَحَدٌ قَبْلِي، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَشِيرٌ فَصَفَّقَ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْعَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا بَشِيرُ، مَا الَّذِي أَحْوَجَكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ، أَنَفِسْتَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا، فَقَالَ بَشِيرٌ: لا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُنَازِعَ قَوْمًا حَقًّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ دُونِي، قَالَ: فَضَرَبَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَدَهُ إِلَى سَيْفِهِ فَاسْتَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ وَهَمَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَبَادَرَتْ إِلَيْهِ الأَنْصَارُ فَأَخَذُوا بِيَدِهِ وَسَكَّنُوهُ، فَقَالَ: أَتُسَكِّنُونِي وَقَدْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ، أَمَا وَاللَّهِ وَكَأَنِّي بِأَبْنَائِكُمْ وَقَدْ وَقَفُوا عَلَى أَبْوَابِهِمْ يَسْأَلُونَ النَّاسَ الْمَاءَ فَلا يُسْقَوْنَ، قَالَ

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَتَى تَخَافُ ذَلِكَ يَا حُبَابُ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَخَافُ مِنْكَ، وَلَكِنْ أَخَافُ مَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَرَأَيْتَ مَا لا تُحِبُّ فَالأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَيْكَ. فَقَالَ الحباب: هيهات يا أبابكر، مِنْ أَيْنَ يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا مَضَيْتُ أَنَا وَأَنْتَ وَجَاءَنَا قَوْمٌ مِنْ بَعْدُ، يَسُومُونَ أَبْنَاءَنَا سُوءَ الْعَذَابِ؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. قَالَ: وَتَتَابَعَ الأَنْصَارُ بِالْبَيْعَةِ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَانْكَسَرَتِ الْخَزْرَجُ خَاصَّةً، لِمَا كَانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِهِمْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَأَنْشَأَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ يَقُولُ

(مِنَ الْكَامِلِ)

رُدِّي الْمُشَطَّبَ فِي الْقِرَابِ نَوَارُ                                 تَرَكَ اللَّجَاجَ وَبَايَعَ الأَنْصَارُ

قَوْمٌ هُمُ نَصَرُوا الرَّسُولَ مُحَمَّدًا                                 وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ به كفّار

بَذَلُوا النُّفُوسَ وَقَاسَمُوا أَمْوَالَهُمْ                                  فَلَنَا دِيَارٌ مِنْهُمُ وعقار

زلفوا بسعد للخلافة بعد ما                                       صَغَتِ الْقُلُوبُ وَزَاغَتِ الأَبْصَارُ

يَا سَعْدُ سَعْدُ بَنِي عُبَادَةَ خَلِّهَا                                    عَفْوًا وَلا يَكُ حَظَّكَ الإِكْثَارُ

إنَّ الَّتِي مَنَّتْكَ نَفْسُكَ خَالِيًا                                       عَارٌ عَلَيْكَ وَفِي مُنَاكَ بَوَارُ

إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ دُونَكُمْ                                     وَلَكُمْ مَحِلٌّ بَيْنِنَا وَالدَّارُ

وَإِلَيْكُمُ كَانَ الْمَهَاجَرُ وَالَّذِي                                      سَبَقَتْ إِلَيْهِ الأَوْسُ وَالنَّجَّارُ

وَالْخَزْرَجِيُّونَ الَّذِينَ رِمَاحُهُمْ                                    سُمُّ الْعَدُوِّ وَفِيهِمُ الأَخْيَارُ

وَهُمُ الْحُمَاةُ إِذَا الْحُرُوبُ تَضَرَّمَتْ                              وَهُمُ الْكُفَاةُ السَّادَةُ الأَحْرَارُ

قَالَ: فَازْدَحَمَ النَّاسُ بِالْبَيْعَةِ عَلَى أبي بكر، حتى كادوا أن يطأوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَرْجُلِهِمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا هَؤُلاءِ، اتَّقُوا سَعْدًا فَإِنَّهُ عَلِيلٌ، شَدِيدُ الْعِلَّةِ، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ

(مِنَ الْكَامِلِ)

شُكْرًا لِمَنْ هُوَ بِالثَّنَاءِ حَقِيقٌ                                   ذَهَبَ اللَّجَاجُ وَبُويِعَ الصِّدِّيقُ

مِنْ بَعْدِ مَا دَحَضَتْ بِسَعْدٍ فِعْلَةٌ                               وَرَجَا رَجَاءً دُونَهُ الْعَيُّوقُ

حَفَّتْ بِهِ الأَنْصَارُ عَاصِبَ رَأْسِهِ                            فَنَهَاهُمُ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ

وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالَّذِينَ إِلَيْهِمُ                                      نَفْسُ الْمُؤَمِّلِ لِلْبَقَاءِ تَتُوقُ

فَتَدَارَكُوهَا بِالصَّوَابِ فَبَايَعُوا                                 شَيْخًا لَهُ فِي رَأْيِهِ تَحْقِيقُ

مِنْ بَعْدِ مَا نَظَمُوا لسعد أمره                                 لم يخط مثل خطاهم مخلوق

إِنَّ الْخِلافَةَ فِي قُرَيْشٍ مَا لَهُمْ                                  فِيهَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ تَفْرُوقُ

قَالَ: وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ والنصرة، فو الله لا يُنْكَرُ لَكُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلا عُثْمَانَ وَلا أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ أَنْ تُسَوُّوا فِي الْفَضْلِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فقال له زيد بن الأرقم الأنصاري: يا ابن عَوْفٍ، إِنَّا لا نُنْكِرُ فَضْلَ مَنْ ذَكَرْتَ، وَإِنَّ مِنَّا لَسَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَمِنَّا سَيِّدَ الأَوْسِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ، وَمِنَّا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَقْرَأُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَجِيءُ إِمَامَ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَمِنَّا أفرض أهل دهره زيد بن ثَابِتٍ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدُّبُرُ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ، وَمِنَّا غَسِيلَ الْمَلائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ، وَغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ لا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُهُ مِمَّنْ يَطُولُ عَلَيْنَا ذِكْرُهُمْ وَصَنِيعُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، يا ابن عَوْفٍ، لَوْلا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اشتغلوا بدفن النبي صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَبِحُزْنِهِمْ عَلَيْهِ فَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ، مَا طمع فِيهَا مَنْ طَمِعَ، فَانْصَرِفْ/ وَلا تُهِجْ عَلَى أَصْحَابِكَ مَا لا تَقُومُ لَهُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَخَبَّرُه بِمَا كَانَ مِنْ مَقَالَتِهِ لِلأَنْصَارِ، وَبِرَدِّهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْ هَذَا، أَنْ تَأْتِيَ قَوْمًا قَدْ بَايَعُوا وَسَكَتُوا فَتَذْكُرَ لَهُمْ مَا قَدْ مَضَى

قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ فَدَعَاهُ، فَأَقْبَلَ وَالنَّاسُ حُضُورٌ، فَسَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: لِمَ دَعَوْتَنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دَعَوْنَاكَ لِلْبَيْعَةِ الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا هَؤُلاءِ، إِنَّمَا أَخَذْتُمْ هَذَا الأَمْرَ مِنَ الأَنْصَارِ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْقَرَابَةِ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لأَنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ مِنْكُمْ، فَأَعْطُوكُمُ الْمَقَادَةَ وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الأَمْرَ، وَأَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِالَّذِي احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حَيًّا وَمَيِّتًا، لأَنَّا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ فَانْصِفُونَا، وَاعْرِفُوا لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ مَا عَرَفَتْهُ لَكُمُ الأَنْصَارُ

قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ لَسْتَ بِمَتْرُوكٍ، أَوْ تُبَايِعُ كَمَا بَايَعَ غَيْرُكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَنْ لا أَقْبَلُ مِنْكَ ولا أبايع من أنا أحق بالبيعة مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: وَاللَّهِ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّك لَحَقِيقٌ لِهَذَا الأَمْرِ لِفَضْلِكَ وَسَابِقَتِكَ وَقَرَابَتِكَ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا وَرَضُوا بِهَذَا الشَّيْخِ، فَارْضَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ مِنْ دَارِهِ وَقَعْرِ بَيْتِهِ، إِلَى دُورِكُمْ وَقُعُورِ بُيُوتِكُمْ، فَفِي بُيُوتِنَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَنَحْنُ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّينِ وَالسُّنَّةِ وَالْفَرَائِضِ، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ مِنْكُمْ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الأَخَسَّ

قَالَ: فَتَكَلَّمَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْكَلامَ سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ رَجُلانِ، ولبايعك النَّاسُ كُلُّهُمْ، غَيْرَ أَنَّكَ جَلَسْتَ فِي مَنْزِلِكَ وَلَمْ تَشْهَدْ هَذَا الأَمْرَ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ لا حَاجَةَ لَكَ فِيهِ، وَالآنَ فَقَدْ سَبَقَتِ الْبَيْعَةُ لِهَذَا الشَّيْخِ، وَأَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، قَالَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَيْحَكَ يَا بَشِيرُ، أَفَكَانَ يَجِبُ أَنْ أَتْرُكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ أُجِبْهُ إِلَى حُفْرَتِهِ، وَأَخْرُجَ أُنَازِعُ النَّاسَ بِالْخِلافَةِ. قَالَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أبا الحسن، إني لوعَلِمْتُ أَنَّكَ تُنَازِعُنِي فِي هَذَا الأَمْرِ مَا أَرَدْتُهُ وَلا طَلَبْتُهُ، وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ، فَإِنْ بَايَعْتَنِي فَذَلِكَ ظَنِّي بِكَ، وَإِنْ لَمْ تُبَايِعْ فِي وَقْتِكَ هَذَا وَتُحِبُّ أَنْ تَنْظُرَ فِي أَمْرِكَ لَمْ أُكْرِهْكَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفْ رَاشِدًا إِذَا شِئْتَ

قَالَ: فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يُبَايِعْ حَتَّى تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ لَيْلَةً مِنْ وَفَاتِهَا، وَقِيلَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ

فَهَذَا أَكْرَمَكَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَهَذَا رِوَايَةُ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أكتب هاهنا شَيْئًا مِنْ زِيَادَاتِ الرَّافِضَةِ، فَيَقَعَ هَذَا الْكِتَابُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَتُنْسَبَ أَنْتَ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وَاللَّهُ يَقِيكَ

رَجَعْنَا إِلَى مَا كَانَ بَعْدَ السَّقِيفَةِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، والله الموفق للصواب

من كتاب الردة للمؤرخ أبو عبدالله محمد الواقدي

Partager cet article

Repost 0

Commenter cet article