Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

التحريف والمغالط في علم التاريخ أسبابها الموضوعية والذاتية في نقد إبن خلدون

في كتاب العبر، يرى المؤرخ إبن خلدون أن التاريخ ينتقل في عملية معقدة من مجتمع إلى مجتمع ومن عصر إلى عصر ومن مرحلة إلى مرحلة، في تسلسل ديناميكي تحترم فيه قواعد البناء الروائي الخبري، التاريخ محل إهتمام، يطمح إليه، الملوك، والجمهور والعلماء والجهال وأصحاب الاختصاص وغير المختصين، إذا هو ملكية جماعية وذاكرة إنسانية غير محجور عليها، وإن كان الحجر قد تم  عندما كتب التاريخ تقربا وخدمة لأولي الأمر وأصحاب القرار أو حينما كان ينظر إليه باعتباره قصة أحداث ماضية رائعة وغريبة تدخل بتشابكها في مخيلات الناس، كأيام الحروب، وعهود الملوك، قصص زينت بالخطاب الوعظي والأمثال الشعبية لتسلية العامة والخاصة. من هذا المنطلق صور التاريخ كعملية حكائية ذات قيمة قصصية للفرجة وهو في نظر إبن خلدون أكثر الأخطاء الشائعة  لدى المؤرخين الأوائل
في طبيعة العمران، يرى إبن خلدون أن هناك أسباب تدفع الى التحريف أو الخطأ لدى جمهور المؤرخين لضعف حسهم النقدي وغياب قواعد التمحيص في الخبر الروائي، ويمكن أن نلخص هذه الأسباب كالآتي
1- "ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فان النفس اذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عند الانتقاد دون التمحيص فتقع في  قبول الكذب ونقله"، الميل والتشيع للفرق والمذاهب أولى الأسباب التي تبعد المؤرخ عن عملية التمحيص والنقد، إذا هناك سبب سياسي ديني يعيق عملية الحياد  في تدوين التاريخ وانتقاده، فالمؤرخ بحكم إحتكاكه بالمجتمع العام وانتمائه السياسي والقبلي ترشحه وبشكل سيكولوجي حسب إبن خلدون الى كتابة وتدوين التاريخ، بشكل انتمائي وانتقائي خدمة للإتجاه والمذهب والقبيلة، فالإقتراح الخلدوني هو تبني الإعتدال في التعامل مع الخبر والإبتعاد عن التطرف الفكري
2- "من الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع الى التعديل والتجريح"، الناقل أو الراوي مصدر تاريخي مهم لكل مؤرخ، وروايته شفوية أو مكتوبة هي تنقل للتاريخ من عصر إلى عصر، لذا فإن الأزمنة والمجال والمتغيرات السياسية والإجتماعية والإقتصادية تأثر في الخبر وتسلسل الناقلين يغير الحدث التاريخي باختلاف ناقليه، لذا فان الثقة في الناقلين  تعتبر عند إبن خلدون سبب التحريف والكذب في الأخبار، فهو يقترح التأكد من صدق الرواية عن طريق إستعمال منهج علماء التفسير والحديث، المعروف بمنهج التعديل والتجريح. التجريح عند المحدثين هو الطعن في راوي الحديث بما يخل بعدالته أو ضبطه، والتعديل هو الحكم على الراوي بأنه نزيه عادل ضابط، بهذه المنهجية المعروفة أيضا بعلم الجرح والتعديل،  الرواية تقبل أوترفض بحكم قاعدة القياس المنهجي. النقد الذي أشار إليه إبن خلدون يكمن في النقد الباطني، أو ما نسميه حديثا نقد الخطاب التاريخي، وهو قراءة الحدث في زمانه ومكانه وتشعب إشكالياته الإقتصادية والسياسية والإجماعية
3- "الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب" ومعنى هذا أن الناقل يكون صادقا في نقله للخبر، ولكنه قد يكون مخطئا في فهم أبعاده وجذوره وحيثياته ، أي أنه ينقل لنا تصوره الشخصي للخبر، وهو يظن أنه سليم، بمعنى آخر أن الناقل جرد الخبر من مضمونه المجتمعي السياسي وخطابه ليدخله في دائرة الخبر الذاتي عن غير وعي وهي حالة سيكولوجية بحتة لا يزاحمها في البناء والقاعدة الإنتماء أو الجماعة

4- "توهم الصدق وهو كثير وانما يجيىء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين"، ومعنى ذلك أن المؤرخ بنقل الخبر ثقة بالناقلين وبمنهج الكثرة الناقلة والخبر المتوارث، ويعتبر إبن خلدون أن الثقة المبنية على هذا المنهج تدفع المؤرخ الى المغالط
5- "ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير حق في نفسه"، ويرى إبن خلدون أن المؤرخ قد وقع ضحية الوقائع المصطنعة فينخدع وينقلها خطأ، نتيجة غياب منهج نقدي يتسلح به لمواجهة محرفي التاريخ وصناع الخبر الكاذب لكون علم التاريخ محل اهتمام الجميع لما له من قيمة سياسية واجتماعية في ثقافة الجمهور ومصالح الخاصة
6- "تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون الى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها" وهنا يقف إبن خلدون على أحد أهم الأسباب التي تدفع إلى تزييف التاريخ وتحريفه، وهو الخدمة والتقرب لأصحاب السلطة والقرار السياسي وذوي المناصب العليا، والخدمة قد تكون بالمدح وإشاعة ذكر أولي الأمر بين الناس لتحقيق مصالح ذاتية أو سياسية لجماعة طامعة، مما يؤدي إلى تحريف الخبر وإشاعة الكاذب عن أصحاب السلطة لنيل رضاعهم، وقد يكون عن طريق إحياء وتجديد الخطاب الديني بالعودة إلى التاريخ والتنقيب فيه وإشاعة فكر مذهب أو طائفة عن طريق تلميع تاريخها وإظهار أهميتها لخدمة مؤسسة سلطوية تواجه مشاكل مع مؤسساتها التقليدية على مستوى خطابها السياسي الديني
7- "ومن الأسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فان كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لابد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله، فاذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض". الجهل بطبيعة الظواهر الإقتصادية والإجتماعية أو تحييدها، وعدم البحث في كيفية حدوثها تؤدي الى الخطأ في الخبر، لذا فإبن خلدون يرى أن لكل ظاهرة في الوجود طبيعية كانت أو إجتماعية قوانين وقواعد تتحكم فيها، وواجب المؤرخ أن يكون ملما بهذه القوانين حتى يكون له قياس علمي واقعي لتمييز االصادق من الكاذب في الخبر، وطريقة تمحيص الأخبار تؤدي إلى توضيح مدى تباعدها عن الواقع والمعقول أو قربها، ولعل هذا ما دفع إبن خلدون إلى كتابة الكتاب النظري الأول "في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب" والمعروف بالمقدمة
8- "فمن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال والأجيال بتبدل العصور ومرور الأيام" حسب إبن خلدون، يجب على المؤرخ أن يراعي سنة التطور وعدم إغفال قوانينها، لأن حادثة تاريخية ممكنة الوقوع في عصر المؤرخ منسوبة إلى عصر سابق مستحيلة الحدوث بنفس المعايير لتغير الأحوال وتطورها من عصر إلى آخر، وهذا لا يعني تغييب منهج المقارنة وقياس الغائب بالشاهد، والشاهد بالغائب، لذا على المؤرخ أن يراعي تغير وتطورالإقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة والمفاهيم، وكذلك تطور نظرة الجمهور الى علم التاريخ، فتقديم الماضي يعين على فهم الحاضر ومشاكله، ويسمح بدراسة الترسبات المجتمعية والسياسية والإقتصادية المخلة بالتطور، كما يسمح بفهم خطابات التجديد والإحياء المرتكزة على الماضي ومدى فعاليتها سلبيا وايجابيا في تطوير الحاضر أو على العكس تكريس ثقافة التقليد النفعية لخدمة الجهة المستفيدة إقتصاديا وسياسيا على حساب الجمهور

Partager cet article

Repost 0