Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

ترجمة إبن عاشر من كتاب السلسل العذب والمنهل الأحلى لأبي بكر الحضرمي 2

والذي حضرني مما حدثت به من كرامته، وما أظهره الله سبحانه عليه من علامات عنايته على شدة إخفائه لذلك وستره لأموره، فإنه كان مذهبه ذلك، وهو الذي طمس كثيرا من أخباره وسيره في ابتداء أمره، وما كان أحد يقدر على الأخذ معه في شيء من ذلك، ولا يسأله عنه إلا اليسير، لكن مع تراخي الأيام يجري في أثناء حديثه ما يلوذ به التحفظ من المريدين
فمن ذلك ما حدثني به غير واحد من أصحابه عن الشيخ نفسه رضي الله عنه أنه قال: من جميل صنع الله تعالى بي في وجهتي للحجاز،  أني لما بلغت إلى حيث يحتاج إلى شراء الراحلة، وخرج الناس لشراء ما يحتاجون منها وأبطأت عنهم إلى أن اختاروا حاجتهم، فجئت فلم أجد ما أشتري غير جمل هزيل لم يرض به أحد ممن تقدمني، فاضطررت لشرائه وعقدت مع صاحبه، ورمت دفع الثمن فاشترط أن يكون الثمن ذهبا أميريا، فسقط في يدي من أنني لا يمكنني تركه وليس عندي ذهب أميري، فأخرجت ذهبية كانت عندي لأن يتخير منها ما شاء وأرغب منه في قبوله وإن كان غير أميري، قال: فيسر الله تعالى ووجدنا من الذهب القدر الذي احتجنا أميريا لا ينقص شيئا ولا يزيد شيئا، فحمدت الله على تيسيره علي، وركبت راحلتي وتوجهت، فكانت بجزيل لطف الله تعالى وفضله علي من أحسن الرواحل وأجودها
وحدثني أيضا بعض أصحابه، قال: لما كان الشيخ برباط الفتح في زاوية الشيخ اليابوري كنا نتردد لزيارته والترك به، قال: فكلفني يوما أن أسوق له كتاب رعاية المحاسبي، قال: فلما كان بعد ذلك جئته به فطلبته في خلوته فلم أجده، وطلبته في سائر الزاوية فلم أجده، وكان وقت الصلاة وأردت الوضوء فتحيرت أن أباشر الوضوء والكتاب معي، أو أتركه وأنصرف لشأني فأخاف عليه الضياع، ولا في الزاوية أحد غيري، فإذا بي أسمع حسا خلفي، فالتفت فإذا أنا بسيدي أبي العباس مبادرا يقول: هات، هات، فتعجبت من أين أقبل بسرعة ولم أره، ومن أين عرف ما عندي، فلما رأى تعجبي وما أصابني من أمره، أشار لي بيده إلى ناحية الساحل، ولم يفصح. أي أني كنت بالساحل من وراء الزاوية، فعلمت أنها كرامة للشيخ رضي الله عنه، ورجع إلى ذهني وازدادت رغبتي في بركته
وحدثني بعض خواص أصحابه ممن كان مجاورا له في درب فرات، وهو الموضع حيث داره التي مات بها رحمة الله عليه، قال: سمعت في بعض الليالي وأنا مجاور للشيخ حركة ورجة، فتوهمت أنها حركة بعض أهل الدعارة وأصواتهم حول دار الشيخ، فبادرت من فوري للخروج لأنظر ذلك، وتوهمت أن يكون منهم من سوء الأدب بخطوره على محله على تلك الصفة، وخشيت أن يكون معهم خمر أو غير ذلك من المحرمات، فلما أن بلغت إلى باب داره بادرني من خلل الباب ومن أعلى الحائط، نور كاد أن يغشى بصري ضياؤه، فأدركني من ذلك دهش وخفت على نفسي ورجعت عليها باللومة، وقلت: يا نفسي تتعرضين أنت لحراسة من الله حارسه ووليه، فلما كان بعد ذلك قصصت القصة على الشيخ، فتبسم وقال لي: كان رجل يصلي هنالك، وأشار إلى مصلاه من داره فورد عليه شخص آخر وأشار بإصبعه للهواء من جهة المغرب، فكان ما رأيت، كأنه يقول جاءه رجل من الهواء، فعلمت قدر الشيخ رضي الله عنه، وازدادت في بركته رغبة، وبفضله يقينا. وكراماته رضي الله عنه كثيرة على شدة إخفائه لأمره وستره لحاله، ولو لا أنه كان ينهي عن تتبع ذلك وصرف الهمة إليه لاستولى حفظ أصحابه على الكثير من ذلك، لكنه رحمه الله لم يزل يرفع الهمم لأرفع من ذلك، ويقول: غاية الكرامة الاستقامة ممن أكرمه الله تعالى ووفقه لتقواه. ويستدل بقوله عليه السلام: "واستقيموا ولن تحصوا"، وهي كانت صفته وطريقته، وبذلك كان يأمر وإليه يندب، فكان كثيرا ما يقول: ما ينبغي للمريد أن ينام حتى يحاسب نفسه بما صنع في يومه ذلك، فيتوب على الإساءة ويستزيد الله في الإحسان، ويقول: أما أنا فلا أنام إلا بعد محاسبة نفسي، وبعد كتب وصيتي حذرا من فجأة الأجل
وله رضي الله عنه كلمات تدل على فضله، وكان أوردها نادرا، منها قوله: لا ينبغي أن يشتغل بالنوافل إلا بعد عمل الفرائض، وكان يقول: الغش أصل كل خلق سوء، وما أذكر أني غششت قط مسلما، وكان يقول: لا ينبغى لأحد أن يعمل بجهل، وإنما العمل بعد العلم
ولما أن كان الشيخ رحمه الله يحافظ على اتباع الورع، فنجلب ما قيل فيه، وقد قيل: إن الورع مقام من المقامات العالية، والأحوال الشريفة السامية، لما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة رضي الله عنه: "كن ورعا تكن أعبد الناس
وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى عليه السلام، لا يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" والذي نفسي بيده، لو صمتم حتى تكونوا كالأوتار، وصليتم حتى تكونوا كالحنايا، ما أغنى ذلك عنكم شيئا إلا بورع صادق
وقال سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام
وقيل: ملاك الدين الورع، وآفاته الطمع
وقيل: من در في الدين ورعه ونظره، جل في القيامة قدره وخطره
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رضي الله عنه: الورع ترك الشبهات
وقال يحيى بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل
ولد سمعت الشيخ رحمه الله ورضي عنه في جماعة من أصحابه غير مرة، يقول لشدة محافظته على توخي الورع: أنا أستغفر الله سبحانه إلى الآن من مسألتين اتفقتالي وأنا ببلاد الأندلس: وذلك أني كنت يوما راكبا حمارا مارا به على طريق بين زرعين عن يمين الطريق وشماله، وكنت أتخوف هجمة الحمار على شيء من ذلك الزرع، فغلبني مرة وأخذ شيئا يسيرا، وكنت لا أعلم صاحبه فأستحل منه، فأنا إلى الآن أستغفر الله لصاحبه ولي متى ما ذكرت ذلك. ويوما  آخر كنت ماشيا في وقت الهاجرة على الطريق وقد أجهدني العطش ولا ماء هنالك، فلقيت شابا وبيده كوز ماء فاستسقيه فسقاني، فلفرط العطش نسيت سؤاله حتى شربت، ثم سألته لمن الكوز، فأخبرني أنه لغيره، ولم يمكني لقاء صاحبه، فأنا إلى الآن أستغفر الله له ولي
وأما تحفظه في منطقه فكنت حاضرا عشية يوم في داره وبعض أصحابه، فأمر رجلا منهم أن يطلع على السطح لينظر هل غابت الشمس أم لا، فاطلع ثم قال له: ياسيدي بقي شيء لا شيء، فرأيته قد تغير وجهه وكره ذلك، ثم قال له: ياصاحب - وكانت وصاياه: لا يكون كلام أحدكم عبثا ولا يؤدي إلى كذب - فقال ذلك وألحق به: إما أن تقول بقي شيء أو تقول غابت. وكان رضي الله عنه بعيدا من الهزل في دقيق الأمر وجليله، فلقد حدثني غير واحد من إخوانه وأصحابه، أنهم حضروا يوما وقد ورد عليه وارد فأدخله داره وقال ه جز، وأشار إلى صدر المجلس، فقال له: ياسيدي الموضع موضعنا؟ فقال له: ياصاحب، هزل القول جد، ولو قلت لك نعم لأخرجت الدار عن ملكي، وذلك أسطع برهان على جد الشيخ في قوله وفعله. فالله تعالى ينفعنا ببركته عاجلا وآجلا بمنه وفضله

Partager cet article

Repost 0

Commenter cet article