Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

ترجيح مذهب مالك من الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لإبن فرحون

الحمد لله بارئ النسم مبيد الأمم باعث الرمم المنزه عن الفناء والعدم. وأصلي على سيدنا محمد: سيد العرب والعجم المبعوث بأشرف الأخلاق والشيم. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وشرف وكرم
وبعد: فإن أولى ما أتحف به الطالب اللبيب ودون للأديب الأريب - التعريف بحال من جعل تقليده بينه وبين الله حجة واتخذ اقتفاء هديه في الحلال والحرام أوضح محجة ثم حال الراوة عنه والناقلين عنهم والمجتهدين في مذهبه والقائمين على أصوله والمفتين على قواعده والمدونين لمسائله وتمييز درجاتهم في العلم والفهم والدين والورع والتعريف بثقاتهم وشهادة أهل العلم فيهم وفي مؤلفاتهم
فشرف العلم بهذا الفن معلوم والجهل به مذموم وليس هو مما قيل فيه: "علم لا ينفع وجهالة لا تضر" فإن ذلك مقول في علم الأنساب وهو فن غير هذا
وقد ذكرت في هذا المجموع الوجيز مشاهير الرواة وأعيان الناقلين للمذهب والمؤلفين فيه ومن تخرج به أحد من المشاهير وجماعة - من حفاظ الحديث. وأضربت عن ذكر غير المشاهير إيثاراً للاختصار لأن الإحاطة بهم متعذرة واستيفاء من يمكن ذكره يخرج عن المقصود وذكرت جماعة من المتأخرين ممن لم يبلغ درجة الأئمة المقتدى بهم قصداً للتعريف بحالهم لكونهم تصدوا للتأليف ولأن لكل زمان رجالاً. وكذا ذكرت بعض الرواة الحفاظ المتأخرين لكونهم من مشايخ أهل زماننا ولم يقع ترتيب أسماء هذا التأليف على الوجه المطلوب بل وقع فيهم تقديم وتأخير من غير قصد وذكرت العذر عن ذلك في آخر الأسماء. وبدأت بمقدمة تشتمل على ترجيح مذهب مالك والحجة في وجوب تقليده ملخصاً من كلام الإمام أبي الفضل: عياض بن موسى رحمه الله في مقدمة كتابه المسمى بالمدارك. وأتبعت ذلك بذكر الإمام مالك بن أنس رضى الله عنه والتعريف بنبذة يسيرة من أحواله
ومن أراد الوقوف على شفاء الغليل فعليه بما ذكره القاضي عياض في المدارك. وقدمت على ذلك كله ذكر من اشتمل عليه هذا التأليف مرتباً على حروف المعجم ليسهل الكشف عن المطلوب وسميته: الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب. وأسأل الله أن ينفع به ويجعله خالصاً لوجهه الكريم إنه سميع مجيب

باب في ترجيح مذهب مالك رحمه الله والحجة في وجوب تقليده وتقديمه على غيره من الأئمة

قال القاضي عياض رحمه الله: اعلم وفقنا الله وإياك أن حكم المتعبد بأوامر الله ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم طلب معرفة ما يتعبد به وما يأتيه ويذره ويجب عليه ويحرم ويباح له ويرغب فيه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما فلا يصح أن يؤخذ وينعقد إلا عنهما. إما من نص عرفوه ثم تركوا نقله أو من اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد
وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك ومعرفة الأدلة والطرق والآلات الموصلة إليه من نقل ونظر وطلب قبله وجمع وحفظ وعلم ما صح من السنن واشتهر ومعرفة كيف يتفهم وما به يتفهم من علم ظواهر الألفاظ وهو علم العربية واللغة وعلم معانيهما ومعاني موارد الشرع ومقاصده ونص الكلام وظاهره وفحواه وسائر مناهجه وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه. وهذا كله يحتاج إلى مهلة والتعبد لازم لحينه
ثم الواصل إلى طريق الاجتهاد قليل وأقل من القليل بعد الصدر الأول والسلف الصالح. وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يلتقي ما تعبد به وكلفه من وظائف شريعته ممن ينقله له ويعرفه به ويستند إليه واثقاً به في نقله وعلمه وحكمه وهذا هو التقليد ودرجة عوام الناس بل أكثرهم.
وإذا كان هذا فالواجب تقليد العالم الموثوق به في ذلك فإذا كثر العلماء فالأعلم. وهذا حظ المقلد من الاجتهاد لدينه ولا يترك المقلد الأعلم ويعدل إلى غيره وإن كان مشتغلاً بالعلم فيسئل حينئذ عما لا يعلم حتي يعلمه كما قال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" النحل 43

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإقتداء بالخلفاء بعده وأصحابه وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين ويعلموهم ما كتب عليهم وإذا كان هذا الأمر لازماً فأولى من قلده العامي الجاهل والطالب المسترشد والمتفقه في دين الله: فقهاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أخذوا عنه العلم وعلموا أسباب نزول الأوامر والنواهي وشاهدوا قرائن الأمور وشافهوا في أكثرها النبي صلى الله عليه وسلم واستفسروه عنها مع ما كانوا عليه من سعة العلم ومعرفة معاني الكلام وتنوير القلوب وانشراح الصدور فكانوا - رضوان الله عليهم - أعلم الأمة بلا مرية وأولاهم بالتقليد لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع ولا تفرعت عنهم المسائل ولا تكلموا من الشرع إلا في قواعد ووقائع
وكان أكثر اشتغالهم بالعمل بما علموا والذب عن حوزة الدين وتوطين شريعة المسلمين ثم بينهم في الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه ما يبقي المقلد في حيرة ويحوجه إلى نظر وتوقف. وإنما جاء التفريع وبسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم وبنوا على أصولهم ثم جاء من بعدهم من العلماء من أتباع التابعين - والوقائع قد كثرت والفتاوى قد تشعبت - فجمعوا أقاويل الجميع وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم وحذروا انتشار الأمر وخروج الخلاف عن الضبط فاجتهدوا في جمع السنن وضبط الأصول وسئلوا فأجابوا ومهدوا الأصول وفرعوا عليها النوازل ووضعوا التصانيف وفرقوها وقاسوا على ما بلغهم ما يشبهه. فالمتعين على المقلد أن يرجع في التقليد لهؤلاء لإحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم.
لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل لاختلافهم في الأصول التي بنوا عليها ولا يصح أن يقلد المقلد من شاء منهم على الشهرة أو على ما وجد عليه أهل قطره. فحظه هنا من الاجتهاد أن ينظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم حتى يركن في أعماله إلى فتواه ولا يحل له أن يعدو في استفتائه إلى من لا يرى مذهبه
وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرعه والاهتداء بنظره إذ لو ابتدأ الطالب يطلب في كل مسألة الوقوف على الحق منها بطريق الاجتهاد لعسر عليه ذلك إذ لا يتفق له إلا بعد جمع خصاله كما تقدم. وإذا اجتمعت خصاله كان حنيئذ من المجتهدين لا من المقلدين. فإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قبلهم مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه لكن للعلل التي قدمنا
ثم اختلفت الآراء في تعيين المقلد منهم على ما نذكره فغلب كل مذهب على جهة. فمالك بن أنس رحمه الله بالمدينة وأبو حنيفة والثوري بالكوفة والحسن البصري بالبصرة والأوزاعي بالشام والشافعي بمصر وأحمد بن حنبل بعده ببغداد وكان لأبي ثور هناك أتباع أيضاً
ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري وداود الأصبهاني فألفا الكتب واختارا في المذاهب على رأي أهل الحديث واطرح داود منها القياس وكان لكل واحد منهم أتباع.
وسرت جميع هذه المذاهب فغلب مذهب مالك رحمه الله أهل الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد أفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا وظهر ببغداد ظهوراً كثيراً وضعف فيها بعد أربعمائة سنة وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة وغلب من بلاد خراسان على قزوين وأبهر وظهر بنيسابور أولاً وكان بها وبغيرها له أئمة ومدرسون يأتي ذكرهم وكان ببلاد فارس وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام. وغلب مذهب أبي حنيفة رحمه الله على الكوفة والعراق وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا هذا وظهر بأفريقية ظهوراً كثيراً إلى قريب من أربعمائة عام فانقطع منها ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب قديماً بجزيرة الأندلس وبمدينة فاس
وغلب مذهب الأوزاعي - رحمه الله - على الشام وعلى جزيرة الأندلس إلى أن غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين فانقطع منها وأما مذهب الحسن والثوري فلم يكثر أتباعهما ولم يطل تقليدهما وانقطع مذهبهما عن قريب
 وأما الشافعي - رحمه الله - فكثر أتباعه وظهر مذهبه ظهور مذهبي مالك وأبي حنيفة قبله وكان أول ظهوره بمصر وكثر أصحابه بها مع المالكية ثم بالعراق وبغداد وغلب عليها وعلى كثير من بلاد خراسان والشام واليمن إلى وقتنا هذا ودخل ما وراء النهر وبلاد فارس ودخل شيء منه أفريقية والأندلس بأخرة بعد ثلاثمائة
وأما مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله فظهر ببغداد ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وغيرها وضعف الآن
وأما أصحاب الطبري وأبي ثور فلم يكثروا ولا طالت مدتهم. وانقطع أتباع أبي ثور بعد ثلاثمائة وأتباع الطبري بعد أربعمائة
وأما داود فكثر أتباعه وانتشر ببلاد بغداد وبلاد فارس مذهبه وقال به قوم قليل بأفريقية والأندلس وضعف الآن
فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم واتفاق العلماء على اتباعهم والاقتداء بمذاهبهم ودرس كتبهم والتفقه على مآخذهم والبناء على قواعدهم والتفريع على أصولهم دون غيرهم لمن تقدمهم أو عاصرهم للعلل التي ذكرناها.
وصار الناس اليوم في أقطار الأرض على خمسة مذاهب: مالكية حنبلية وشافعية وحنفية وداودية وهم المعرفون بالظاهرية
فحق على طالب العلم ومريد تعرف الصواب والحق أن يعرف أولاهم بالتقليد ليعتمد على مذهبه ويسلك في التفقه سبيله
وها نحن نبين أن مالكاً هو ذاك لجمعه أدوات الإمامة وتحصيله وجه الاجتهاد وكونه أطبق أهل وقته على شهرتهم له بذلك وتقديمه وهو القدوة والناس إذ ذاك ناس والزمان زمان ثم للأثر الوارد في عالم المدينة التي هي داره ثم لموافقة أحواله الحال الذي أخبر في الحديث عنه وتأويل السلف الصالح أنه المراد به. ونفصل الكلام في ذلك على فصلين

في ترجيحه من طريق النقل

معتمده النقل وفيه: ترجيحان: الترجيح الأول: وهو الأثر المشهور الصحيح المروي عن الثقات. منهم: سفيان بن عيينة عن بن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم"- وفي رواية: "يلتمسون العلم"- "فلا يجدون عالماً أعلم"- وفي رواية: "أفقه من عالم المدينة" وفي رواية: "من عالم بالمدينة" وفي بعضها: "آباط الإبل" مكان "أكباد الإبل
وقد رواه المحاربي عن بن جريج موقوفاً على أبي هريرة رضي الله عنه ومحمد بن عبد الله الأنصاري عن بن جريج أيضاً مسنداً وهو ثقة مأمون
وهذا الطريق أشهر طرقه ورجاله ثقات مشاهير خرج عنهم البخاري ومسلم وأهل الصحيح. ورواه أيضاً المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة: يطلبون علمه"
وأخرجه أيضاً النسائي في مصنفه مرفوعاً إلى أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم "تضربون أكباد الإبل وتطلبون العلم ولا تجدون عالماً أعلم من عالم المدينة"
ورواه أيضاً أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج ناس من المشرق والمغرب في طلب العلم فلا يجدون عالماً من أعلم من عالم المدينة أو عالم أهل المدينة
وذكر بن حبيب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الدنيا حتى يكون عالم بالمدينة تضرب إليه أكباد الإبل ليس على ظهر الأرض أعلم منه". قال سفيان: نرى أن المراد بهذا الحديث مالك بن أنس. وفي رواية عنه: كنت أقول هو بن المسيب حتى قلت كان في زمان بن المسيب سليمان وسالم وغيرهما ثم أصبحت اليوم أقول: إنه مالك وذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة. وهذا هو الصحيح عن سفيان رواه عنه بن مهدي ويحيى بن معين وعلي بن المديني والزبير بن بكار وإسحاق بن أبي إسرائيل وذؤيب بن عمامة السهمي وغيرهم
كلهم سمعه يقول في تفسير الحديث: هو مالك أو أظنه أو أحسبه أو كانوا يرونه
قال بن مهدي: يعني سفيان بقوله: "كانوا يرونه" التابعين
قال القاضي أبو عبد الله التستري. في قوله: "كانوا يرونه": هو إخبار عن غيره من نظرائه أو ممن هو فوقه
قال: وقد جاءت هذه الأحاديث بلفظين: أحدهما: "من عالم المدينة" والثاني: "من عالم بالمدينة" ولكل واحد منهما معنى صحيح

فأما قوله: "من عالم بالمدينة" فإشارة إلى رجل بعينه يكون بها لا بغيرها ولا نعلم أحداً انتهى إليه علم أهل المدينة وأقام بها ولم يخرج عنها ولا استوطن سواها في زمان مالك مجتمعاً عليه إلا مالكاً ولا أفتى بالمدينة وحدث بها نيفاً وستين سنة أحد من علمائها يأخذ عنه أهل المشرق والمغرب ويضربون إليه أكباد الإبل غيره
وأما رواية "عالم المدينة" فقد ذكر محمد بن إسحاق المخزومي أن تأويل ذلك: ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة. كان بها أو بغيرها فيكون على هذا سعيد بن المسيب: لأنه النهاية في وقته ثم من بعده غيره ممن هو مثله من شيوخ مالك ثم بعدهم مالك ثم بعده من قام بعلمه وكان أعلم أصحابه بمذهبه ثم هكذا ما دام للعلم طالب ولمذهب أهل المدينة إمام. ويجوز على هذا أن يقال: هو بن شهاب في وقته والعمري في وقته ومالك في وقته. ثم إذا اجتمعت اللفظتان اختص مالك بقوله: "من عالم بالمدينة" ودخل في جملة علماء أهل المدينة باللفظة الأخرى
وقال بن جريج وعبد الرزاق في تأويل الحديث نحو قول سفيان: نرى أن المراد به مالك
وقال بعض المالكية إذا اعتبرت كثرة من روى عن مالك من العلماء ممن تقدمه أو عاصره أو تأخر عنه على اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرحلة إليه والاعتماد في وقته عليه دل بغير مرية أنه المراد بالحديث إذ لم يوجد لغيره من علماء المدينة ممن تقدمه أو جاء بعده من الرواة والآخذين إلا بعض من وجدنا له
وقد جمع الرواة عنه غير واحد وبلغ بهم بعضهم - في تسمية من علم بالرواية عنه سوى من لم يعلم - ألف راو واجتمع من مجموعهم زائد على ألف وثلاثمائة. وتدل كثرة القصد له على كونه أعلم أهل وقته وهو الحال والصفة التي أنذر بها رسول الله صلي الله عليه وسلم
ولذلك لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث وعد هذا الخبر من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ما معناه: إنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة فيقول: المراد به إمامي ونحن ندعي أنه صاحبنا بشهادة السلف له وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم قال: "عالم المدينة" أو "إمام دار الهجرة" فالمراد به مالك دون غيره من علمائها كما إذا قيل: قال الكوفي فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة
قال القاضي أبو الفضل عياض رضى الله عنه: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: تأويل السلف أن المراد به مالك وما كانوا ليقولوا ذلك إلا من تحقيق
الوجه الثاني: أنك إذا اعتبرت ما أوردناه ونورده من شهادة السلف الصالح له وإجماعهم على تقديمه ظهر أنه المراد بذلك إذ لم تحصل بالأوصاف التي فيه لغيره ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه
الوجه الثالث: هو ما نبه عليه بعض الشيوخ من أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من مشرق الأرض وغربها إلى عالم ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك

فالناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً


من غير أن يجدوا آثار إحسـان

الترجيح الثاني في هذا الفصل النقلي: والمعتمد فيه مجرد تقليد السالف وأئمة المسلمين والاعتراف لمالك بأنه أعلم أهل وقته وإمامه وتقليدهم إياه وإقتداؤهم به على رسوخ كثير منهم في العلم وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره. وسنورد هنا لمعاً من ذلك تومئ إلى ما وراءها
قال بن هرمز: شيخه: إنه عالم الناس
وقال سفيان بن عيينة - لما بلغته وفاته - ما ترك على الأرض مثله
وقال: مالك إمام ومالك عالم أهل الحجاز ومالك حجة في زمانه ومالك سراج الأمة وما نحن ومالك؟ وإنما كنا نتبع آثار مالك؟
وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم وما أحد أمن علي من مالك وجعلت مالكاً حجة بيني وبين الله وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته
وقال: العلم يدور على ثلاثة: مالك والليث وسفيان بن عيينة

وحكي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: عال العلماء وعالم أهل المدينة ومفتي الحرمين. وقال بقية بن الوليد: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية من مالك. وقدمه بن حنبل على الأوزاعي والثوري والليث وحماد والحكم في العلم وقال: هو إمام في الحديث والفقه. وسئل عمن يريد أن يكتب الحديث وينظر في الفقه: حديث من يكتب وفي رأي من ينظر؟ فقال: حديث مالك ورأي مالك؟
وقال بن معين: مالك من حجج الله تعالى على خلقه إمام من أئمة المسلمين مجتمع على فضله. وقال حميد بن الأسود: كان إمام الناس عندنا بعد عمر - رضى الله عنه - زيد بن ثابت وبعده عبد الله بن عمر رضى الله عنهما
قال على بن المديني وأخذ على زيد ممن كان يتبع رأيه أحد وعشرون رجلاً ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاثة بن شهاب وبكير بن عبد الله وأبي الزناد. ثم صار علم هؤلاء كلهم إلى مالك. وقال حميد أيضاً: ما تقلد أهل المدينة بعد زيد بن ثابت وبعد عبد الله بن عمر رضي الله عنهم كما تقلدوا قول مالك
وقد اعترف له بالإمامة يحيى بن سعيد: شيخه والأوزاعي والليث. وابن المبارك. وجماعة من هذا النمط ومن بعدهم كالبخاري وابن عبد الحكم وأبي زرعة الرازي. ومن لا يعد كثرة
وقال عتيق بن يعقوب: ما أجتمع على أحد بالمدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا على أبي بكر وعمر رضى الله عنهما ومات مالك وما نعلم أحداً من أهل المدينة إلا أجمع عليه

في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر

وفي ذلك اعتبارات: الاعتبار الأول: جمعه لدرجات الاجتهاد في علوم الشريعة من كتب السنة. ومسائل الاتفاق والاختلاف. وهذا مما لا ينكره موافق ولا مخالف إلا من طبع على قلبه التعصب
وأنه القدوة في السنن وأول من ألف فأجاد ورتب الكتب والأبواب وضم الأشكال وأول من تكلم في الغريب من الحديث وشرح في الموطأ كثيراً منه فقد قال الأصمعي: أخبرني مالك أن الاستجمار هي الاستطابة ولم أسمعه إلا من مالك
وله في تفسير القرآن كلام كثير قد جمع وتفسير مروي: وقد جمع أبو محمد مكي مصنفاً فيما روي عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه. مع تجويده له. وضبطه حروفه وروايته عن نافع
قال البهلول بن راشد: ما رأيت أسرع بياناً من كلام مالك بن أنس مع معرفته بالمعمول به من الحديث والمتروك وميزه للرجال. وصحة حفظه. إلى ما يؤثر عنه من الأخذ في سائر العلوم كرسالته إلى بن وهب في الرد على أهل الأهواء وكقوله جالست بن هرمز ثلاث عشرة سنة. ويروي ست عشرة سنة. في علم لم أبثه لأحد من الناس
وتأليفه في الأوقات والنجوم وإشاراته إلى مآخذ الفقه وأصوله التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها. وغيره ممن ذكرنا لم يجمع هذا الجمع
أما أبو حنيفة والشافعي فمسلم لهما حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس وجودة الفقه والإمامة فيه لكن ليس لهما إمامة في الحديث وقد ضعفهما فيه أهل الصنعة. وهؤلاء أهل الحديث لم يخرجوا عنهما منه حرفاً ولا لهما في أكثر مصنفاته ذكر. وإن كان الشافعي متبعاً للحديث ومفتشاً عن السنن لكن بتقليد غيره. وقد كان يقول لابن مهدي وابن حنبل: أنتما أعلم بالحديث مني فما صح عندكما منه فعرفاني به. ولا سبيل إلى إنكار إمامتهما في الفقه
وللشافعي في تقرير الأصول. وترتيب الأدلة ما لم يسبقه إليه من قبله. وكان الناس عليه فيه عيالاً من بعده مع التفنن في علم لسان العرب وكل ميسر لما خلق له
كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه لكن لا تسلم لهما الإمامة في الفقه ولا جودة النظر في مأخذه مع أن داود نهج اتباع الظاهر ونفى القياس فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة رضى الله عنهم فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المئتين
وليس تقصير من قصر منهم في فن بالذي يسقط رتبته عن الآخر ولكل واحد منهم من المناقب والفضائل ما حشيت به الصحف لكن نقص ركن من أكان الاجتهاد يخل به على كل حال
الاعتبار الثاني

الالتفات إلى مأخذ الجميع في فقههم ونظرهم على الجملة في علمهم إذ تخصيصه في آحاد النوازل لا يدرك صوابه إلا المستقل بالعلم. وحسب المبتدئ أن يلوح له بتلويح يفهمه وهو أنا قد ذكرنا خصال الاجتهاد ثم ترتيبها على ما يوجب العقل ويشهد له الشرع: - تقديم كتاب الله عز وجل على ترتيب أدلته في الوضوح من تقديم نصوصه. ثم ظواهره. ثم مفهوماته
- ثم كذلك السنة على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها
- ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة
- وعند عدم هذه الأصول كلها القياس عليها والاستنباط منها إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك متواتر السنة وكذلك النص مقطوع به فوجب تقديم ذلك كله
- ثم الظواهر
- ثم المفهوم في دخول الاحتمال في معناها
- ثم أخبار الآحاد - عند عدم الكتاب - والمتواتر منها. وهي مقدمة على القياس لاجماع الصحابة رضى الله عنهم علي الأصلين وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر الثقة وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك
- ثم القياس آخراً عند عدم هذه الأصول على ما مضى عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلى مذاهبهم أجمعين
وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة ومآخذهم في الفقه واجتهادهم في الشرع وجدت مالكاً رحمه الله ناهجاً في هذه الأصول مناهجها مرتباً لها مراتبها ومداركها مقدماً كتاب الله عز وجل على الآثار. ثم مقدماً لها علي القياس والاعتبار. تاركاً منها ما لم يتحمله الثقات العارفون بما تحملوه أو ما وجد الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه. ثم كان من وقوفه في المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالح. وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضين


Partager cet article

Repost 0

Commenter cet article