Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

احذروا فتنة العالم الفاجر وفتنة العابد الجاهل

?هذا حال العالم المؤثر الدنيا على الآخرة‏.‏ وأما العابد الجاهل فآفته من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووجده وما تهواه نفسه‏.‏ ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره‏:‏ احذروا فتنة العالم الفاجر، وفتنة العابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فهذا بجهله يصد عن العلم وموجبه، وذاك بغيه يدعو إلى الفجور‏.‏

?قد ضرب الله سبحانه وتعالى مثل النوع الآخر بقوله‏:‏ ‏{‏ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين‏.‏ فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين‏}‏‏(‏الآيتان‏:‏ 16،17 من سورة الحشر‏.‏‏)‏ وقصته معروفة فإنه بنى أساس أمره على عبادة الله بجهل فأوقعه الشيطان بجهله، وكفره بجهله‏.‏ فهذا إمام كل عابد جاهل يكفر ولا يدري‏.‏ وذاك إمام كل عالم فاجر يختار الدنيا على الآخرة، وقد جعل سبحانه رضا العبد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عن معرفة آياته وتدبرها والعمل بها سبب شقائه وهلاكه‏.‏ ولا يجتمع هذان _ أعني‏:‏ الرضا بالدنيا والغفلة عن آيات الرب _ إلا في قلب من لا يؤمن بالمعاد ولا يرجو لقاء رب العباد، وإلا فلو رسخ قدمه في الإيمان بالمعاد لما رضي الدنيا ولا اطمئن إليها، ولا أعرض عن آيات الله‏.‏

?أنت إذا تأملت أحوال الناس وجدت هذا الضرب هو الغالب على الناس وهم عمار الدنيا، وأقل الناس عدداً من هو خلاف ذلك، وهو من أشد الناس غربة بينهم، لهم شأن وله شأن، علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم‏.‏ وطريقه غير طريقهم، فهو في واد وهم في واد، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون‏.‏ أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون‏}‏‏(‏الآيتان 7،8 من سورة يونس‏.‏‏)‏‏.‏

ثم ذكر وصف ضد هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله‏:‏ ‏{‏ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم‏}‏‏(‏الآية 9 من سورة يونس‏.‏‏)‏ فهؤلاء إيمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرضا بالدنيا والطمأنينة إليها ودوام ذكر آياته‏.‏

فهذه مواريث الإيمان بالمعاد وتلك مواريث عدم الإيمان به والغفلة عنه‏.‏

الفوائد، الإمام شمس الدين أبي عبد الله بن قيم الجوزية

Partager cet article

Repost 0

Commenter cet article