Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Histoire du Maghreb تاريخ المغرب الكبير

(1) الخلفية وقوى التغيير الوسيطية


الحركات الدينية السياسية على الشاكلة المرابطية والموحدية إستفادت وبدون شك من الحركات السياسية السابقة، التي عملت على إجاد مناخ إجتماعي قابل ومستقبل لدعوة ومشروع سياسي يرمي الى إنشاء سلطة سياسية، بمعنى آخر أن التربة كانت نسبيا صالحة لدعوة دينية وأن مجتمع القبيلة وزعاماته التقليدية كانت مستعدة لقبول دعوة وداعي لها نتيجة إختلالات في البنية الإقتصادية والإجتماعية. اذا لم تكن الحركتين الإصلاحيتين نتيجة للقاء عفوي تم بين الداعي ومجتمع الإستقبال القبلي، وإنما كان هناك تحضير سابق من طرف أهل العلم في المجتمع، مما أحدث حركية منظمة مرتبطة بالعناصر الإستراتيجية بالغرب الإسلامي من جهة، وبالمجتمع القبلي المستقبل للدعوة من جهة أخرى، وفي هذا الأخير كان الطلب قويا من أجل تنظيم سياسي وإقتصادي قادر على حل المشاكل التي تعاني منها مجالات القبائل

إن لقاء نخبة أهل العلم بنخبة القبائل الواردة في الحوليات التاريخية والجغرافية الوسيطية، تعطي لنا صورة عن العناصر المؤسسة للأرضية التي بنيت عليها الحركتين الإصلاحيتين، وهي بطبيعة الحال ثلاثة عناصر: مجتمع الإستقبال القبلي وتطلعاته، والعمل السياسي لنخبة القبائل، ومساهمة علماء الغرب الإسلامي. إن العمل السياسي والبحث عن مشاريع جديدة من قبل النخب الممثلة لمجتمعات الغرب الإسلامي، تفسر أن الممثلين للسلطة على مختلف المستويات كان همهم توفير مستقبل للمجال المغاربي، الذي مثل مجالا إستراتيجيا لدار الإسلام منذ الفتح الإسلامي. لا يعني ما قلناه أن هناك غياب لمصالح أخرى، بل العكس كانت المصالح الذاتية لكل فريق سارية طوال التأسيس، فكانت هناك مصالح الكونفدرالية والقبيلة والعشيرة والعائلة والمذهب والمكسب وغيرها تتداخل في رزمانة الممارسة السياسية باسم الدعوة ورد المظالم. لقراءة سياسية وتاريخية لا بد من الرجوع إلى قراءة الوحدة الظرفية والإستراتيجية لقوى التغيير قبل الحديث عن أهل الرباط وأهل التوحيد، ونقصد بقوى التغيير مجتمع الإستقبال القبلي، ونخبة القبائل، وكذا نخبة العلم المنظر للمشروع السياسي. في البداية سنتناول خلفية أهل الرباط، حيث أن النصف الأول من القرن الحادي عشر للميلاد كان بداية لنشاط سياسي على إثر الزيارة للأماكن المقدسة -فريظة الحج- التي قام بها الأمير الصنهاجي يحيى إبن إبراهيم على رأس وفد يظم شيوخ القبائل الصحراوية ، في طريق عودته من مناسك الحج، وتطبيقا لعادة قديمة لدى الحجاج المغاربة، نزل يحيى إبن إبراهيم ضيفا بالقيروان العاصمة العلمية لإفريقية، فلقي بها شيخ وإمام المذهب المالكي أبو عمران موسى بن الحاج الفاسي

قبل أن نذهب بعيدا في التحليل، لا بد من الوقوف عند ظاهرة حج السياسيين. باستثناء الجانب الديني والروحي للحج، فقد كانت له أهميته في الجانب التواصلي بين الزعماء والقادة ، فهو موجه إلى المجتمع الداخلي القبيلة وجيرانها، وتواصل بالخلافة الإسلامية في المشرق العربي. فحدث الحج ذكر وأرخ له في الحوليات التاريخية والجغرافية الوسيطية كحدث ديني وسياسي حينما يتعلق الأمر بأولي الأمر، إذ أن الزيارة تمتد الى زيارة مراكز القرار السياسي والإقتصادي والثقافي، ولذا فان لقاء الحج إطلاع على تجارب الآخرين، ونقاش حول مستقبل الغرب والمشرق الإسلاميين يتم بين العلماء والأمراء والسلاطين. في الجانب الصنهاجي الذي يهمنا كان اللقاء بن شخصيتين: شيخ شيوخ القبائل الصنهاجية الصحراوية يحيى إبن إبراهيم، الحاكم لقبائل الصحراء ومجالاتها الحيوية من جهة، والشيخ الإمام مدرس المذهب المالكي أبو عمران موسى بن الحاج الفاسي من جهة أخرى، وقد دار نقاش بين الشخصيتين يتضح منذ الوهلة الأولى أن الأمر كان يتعلق بالوضعية الدينية لقبائل الصحراء، إذن فالمجال حدد في الصحراء وساكنته ولكل منهما نظرته الخاصة حول الإشكالات المرتبطة بهذا المجال ، الفقيه القيرواني لاحظ أن شيخ شيوخ القبائل الصنهاجية لا يمتلك إلماما بالمذهب والشريعة الإسلامية، ولا يعرف من القرآن والسنة إلا القليل، ولكن في نفس الوقت لاحظ إهتمام الصنهاجي ورغبته في التغيير، وفي سؤال لأبي عمران أورده إبن أبي زرع حول مذهب قبائل صنهاجة، نلاحظ أ ن الأمر يتعلق باتباع مذهب فقهي منظم للشؤون العامة، فلم يكن السؤال يتناول إنتماء القبائل لدار الإسلام وإنما تطور المجتمع القبائلي نحو العمل وفقا لمذهب ينظم العلاقات الإقتصادية والإجتماعية. كان الفقيه المالكي مخلصا لدوره إذ العديد من علماء المذهب يعتبرون أن الإنتماء إلى الخط المذهبي مهم لتطبيق الشريعة الإسلامية في حياة العامة، على هذا الأساس أورد المؤرخون في العصر الوسيط النقاش لتوظيح إنتماء المجال الصحراوي لدار الإسلام وغياب تطبيق .قواعده القانونية والإجتماعية والسياسية، أي أنهم أرخوا لحالة الغياب التطبيقي لقواعد الإسلام، وغلبة التقاليد القبلية. شيخ شيوخ القبائل الصنهاجية كان له موقف من الوظعية التي يعيشها السكان، فمن الناحية المجالية، الصنهاجيون في نظر زعيمهم يعيشون في موقع جيو-سياسي صعب وحساس على المستوى السياسي والتجاري، كمعبر نحو بلاد غرب أفريقيا أي ما يعرف في المصادر الوسيطية ببلاد السودان. من الناحية الدينية والمذهبية كانت صنهاجة الصحراء منظمة طبقا لتقاليدها القبلية وتفتقد لمذهب تنظيمي، وأورد إبن أبي زرع أنه خلال النقاش أكد يحيى بن إبراهيم أن لقبائل صنهاجة الصحراء رغبة جماعية في الإنتماء إلى المذهب، ومن هنا كان طلب يحيى من الفقيه أن يختار له من أتباعه شخصية ترافقه إلى الديار الصنهاجية لإنجاز مهمة الإصلاح والتكوين وفقا للمذهب المالكي، وقد قدم للفقيه عهدا بأن مبعوثه يكون مقبولا ومسموع الكلمة بين القبائل. نلاحظ أن ما قدمته بعض المصادر التاريخية وكذا بعض الدراسات الحديثة بخصوص هذا النقاش وحصره في محاولة إصلاح ديني لا تصمد أمام ما عبر عنه يحيى، بحيث أن شيخ شيوخ القبائل فهم أنه لا مستقل للقبائل الصنهاجية في المجال الغربي لدار الإسلام بدون إصلاح داخلي. عن طريق إدخال مذهب يغير القواعد التقليدية في المجال الإقتصادي والإجتماعي، ويكون في نفس الوقت يتميز بشرعية الداعي له المنتمي الى غالبية في الغرب الإسلامي، وبذالك يكون مجتمع الإستقبال القبلي منصهرا شرعيا في أي توجه تأسيسي سلطوي خارج مجاله، إذن الإعتراف المبكر بالمالكية من طرف نخبة القبائل كانت بداية لمشروع يتعدى الجانب الديني إلى مشروع أوسع مجاليا وسياسيا

لقراءة ذهنية الرجلين على غرار الظرفية المحلية والمغاربية سنتوقف عند الأهداف الدافعة لكل منهما، الفقيه المالكي شخصية لا نشك في تمثيليتها للمذهب المالكي بإفريقية على أقل تقدير، كان يبحث عن إتساع ونشر المذهب في هذه المنطقة الهامة إقتصاديا، والبعيدة عن تأثير التيارات الدينية الخارجية والشيعية والبورغواطية، لذا فإن نشر المالكية في هذه الربوع دعامة أساسية لعلماء المالكية بفاس وأغمات وسجلماسة غيرها من المدن المغربية. بعبارة أخرى نشر المذهب في الجنوب دعامة لكل علماء المغرب الأقصى المنتمين للمذهب، وبالخصوص اللذين كان لهم تعامل مباشر مع المدرسة القيروانية كالفقيه وجاج بن زلو اللمطي بالسوس الأقصى، وبالتحديد صاحب مدرسة المالكية بنفيس. لعب وجاج دور مهم حينما طلب منه الفقيه القيرواني تلبية طلب يحيى إبن إبراهيم عندما إستحال عليه إيجاد من يرغب الذهاب الى الديار الصنهاجية من بين تلامذته . في نص صاحب القرطاس رسالة الفقيه القيرواني اللتي ذكر وعرف فيها بممثل القبائل الصنهاجية، طالبا من وجاج إختيار فقيه من تلامذته تتوفر فيه الشروط الضرورية للمهمة كالتقوى والورع وقوة الحجة والعفة. نلاحظ مما سبق أن مساهمة الفقيه القيرواني في إنطلاقة أهل الرباط كانت مهمة بإستجابته لمطلب نخبة القبائل ونقل المهمة إلى مدرسة نفيس القريبة من المجال الصنهاجي، إذن ما تقدمه الرواية التاريخية على أن دور الفقيه القيرواني وتلميذه وجاج كان مسألة عادية وواجب تقليدي لعلماء الإسلام في دعوة الحق ورد المظالم تبقى جزءا مهما، لكن الأمر تجاوز هذا الحد حينما تم توفير داعي لنخبة القبائل مكلف بإنجاح مشروع سياسي وإجتماعي متفق عليه يسمح بتغيير قواعد وأسس البنية القبلية وتوازناتها الداخلية، لقد فهم يحيى إبن إبراهيم أهمية المذهب في الوحدة بين القبائل لتفكيك العزلة عنها في اطار نشاط عسكري وسياسي خارج معاقلها، على هذا الأساس فإن العوامل الداخلية الصنهاجية كانت حاسمة في تبني المشروع المتفق عليه بين نخبة القبائل ونخبة العلماء

صنهاجة الصحراء وبحكم مجالهم الجغرافي والمناخي إعتمدوا علي بنية إقتصادية ترحالية، فهم من كبار الرحل في الصحراء، مواردهم تكمن في تربية الإبل والإعتناء بها بالإضافة إلى الظرائب على مسالك القوافل التجارية حيث أن الموقع يسمح بذالك . المجال الصنهاجي كان المعبر الأساسي والمهم بالنسبة للأندلس والمغرب الأقصى في إتجاه السودان الغربي الغني بالذهب والعبيد، فتجارة القوافل بين شمال الصحراء وغرب أفريقيا طورت البنية الإقتصادية الوسيطية، خاصة منذ تنظيمها في بداية القرن العاشر الميلادي. فقبل أهل الرباط ذهب السودان الغربي شكل المادة الحيوية بالنسبة للنظم السياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط، بنو الأغلب في إفريقية وبنو أمية في الأندلس والأدارسة في المغرب الأقصى والفاطمية الشيعية في إفريقية كل هذه النظم السياسية على إختلاف مشاربها كانت توجه مجهوداتها نحو التحكم في المسالك الصحراوية . القبائل الصنهاجية كانت ترافق هذا التطور الهام على مستوى تجارة القوافل لكنها كانت محرومة من مراكز درعة في الشمال ومراكز غانة في الجنوب، لقد كان ظروريا أن يبحث زعماء صنهاجة على نفس جديد على المستوى السياسي لبناء الكونفدرالية، لقد ساهم هذا الوضع الجامد والمختنق إقتصاديا في بحث نخبة القبائل عن البديل حتى يتمكنوا من الإستفادة الكاملة بظرائب المسالك

التجربة السياسية الصنهاجية قبل أهل الرباط كانت نظاما قبليا مرتبطا بمصالح ظرفية على أساس الإنتماء العصبي والمجالي، تشكلت هذه الكونفدرالية البربرية الصنهاجية من قبائل ريادية، وهي لمتونة وجدالة ومسوفة، كان هدفها خوض الحروب على الحدود مع مملكة غانة خاصة عندما توصل تيولتان بن تكلان اللمتوني، المتوفى سنة 222 للهجرة، إلى تقنين جمع الظرائب وبسط سلطته على سائر القبائل، إلا أن ثورة الشيوخ وإغتيال خليفة تيولتان سنة 306 للهجرة، أدى إلى إنهيار الوحدة السياسية وعودة حكم الشيوخ وصراعاتهم التقليدية. إستمر الوضع على حاله مدة 120 سنة إلى أن تمكن سنة 1040 ميلادية محمد بن تيفاوت وخليفته يحيى إبن إبراهيم إعادة الوحدة للكونفدرالية. كان نموذج الوحدة الكونفدرالي هو السائد في المناطق الأخرى مغربيا ومغاربيا، حتى أن البعض أطلق عليه الإنفصالية البربرية. كانت الوحدة تتم في إطار مجال إقتصادي مرتبط بالمسالك التجارية بين الشمال والجنوب، فمنذ القرن الثامن الخريطة السياسية تشبه الخريطة الإقتصادية، فبورغواطة خرجت عن المتعارف عليه إسلاميا وتبنت إسلاما محليا تحريفيا مع تركيزها على مراقبة مجالها الأطلنتيكي، فأصبحت قوة إقتصادية ودينية في المغرب الأقصى. مملكة تاهرت حددت وسط المغرب الأوسط كمجال لحكمها، في حين أسس الخوارج إمارة الجريد وإمارة جبل نفوسة وفي الصحراء حددت صنهاجة مجالها ومدينة أوداغشت كعاصمة لقبائلها نظرا لوجود عدوهم التقليدي زناتة في سجلماسة ونواحيها

كان الحس السياسي لزعيم نخبة القبائل عاليا، حيث توصل إلى قناعة أن لا تغيير للوظعية الإقتصادية والإجتماعية والسياسية بدون مشروع يغير العادة والمسلم به لدى النخبة والجمهور . لقد وضحنا كيف تلتقي المصالح بين قوى التغيير في العمل السياسي الوسيطي من خلال النموذج الصنهاجي وسنتناول النموذج المصمودي في مقال لاحق متبوع بدراسة للحركتين في طور الدعوة للمشروع

Partager cet article

Repost 0

Commenter cet article