Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

(2) الخلفية وقوى التغيير الوسيطية


لقد توقفنا في مقال سابق عند الخلفية وقوى التغيير لدى صنهاجة الصحراء، وقمنا بإطلالة عامة عن المجهود الذي قامت به نخبة الغرب الإسلامي ونخبة القبائل في إطار تحالف قوى التغيير، وخاصة مجتمع الإستقبال القبلي الصحراوي. الوضع المصمودي لا يختلف عن سابقه من حيث بنية وأسس الخلفية، فالكثير من أعلام نخبة العلم نظروا إلى مشروع حجة الإسلام الغزالي بمنظور مرتبط بالوضع السائد في جسم السلطة السياسية المرابطية، كما أن القبائل المصمودية الأطلسية كانت المعارضة الرئيسية سياسيا وعسكريا لسلطة أهل اللثام، فكانت بذالك الأكثر إستعدادا لإحتظان داعي يتميز بشرعية قانونية وفعلية يمكن القوى المعارضة من التوحد حول مشروع سياسي وديني وإجتماعي، لذا فإن التشابه قائم على المستوى الهرمي بين التجربة السابقة والتجربة المصمودية، إلا أن المثال المصمودي له وضعيتين مزدوجتين تتعلقان بمجتمع الإستقبال القبلي ومجتمع الغرب الإسلامي أكثر وضوحا وتميزا ، فالأولى وضعية مصامدة الأطلس تحت الحكم المركزي المرابطي وإنهيار ما نسميه بإقتصاد المجال المحلي، والوضعية الثانية تتعلق بإنهيار النهج السياسي المرابطي وإخفاق فقهاء السلطة في المحافظة على المد الإصلاحي المؤسس للسلطة مع ظهور النقد الغزالي وطموح محمد إبن تومرت

لقد كان إحتكاك المصامدة بالمشروع الصنهاجي يعود إلى فترة عبد الله إبن ياسين، فإبن عذاري أورد أن الفقيه لدى عودته من الأندلس إستقر بين القبائل المصمودية كإمام تستشيره القبائل في أمور الشريعة، والفصل في الخلافات الداخلية، لكن حينما دعاهم إلى أبعد من ذالك رفض شيوخ القبائل محافظة على إمتيازاتهم، ولما تشكله الدعوة من خرق لتقاليد القبيلة والكونفدرالية، فرحل الفقيه إلى جزولة. حينما بدأت حركة صنهاجة نحو شمال الصحراء، عمد إبن ياسين إلى تطبيق سياسة التقرب من الفقهاء والطلبة المصامدة عن طريق الهدايا ومبالغ مالية، واستمرفي هذه السياسة الأمير أبو بكر بن عمر ويوسف إبن تاشفين. تزخر الحوليات التاريخية بالأمثلة بخصوص هذه السياسة الإسترضائية، فعلى سبيل المثال حينما تنازل أبو بكر بن عمر ليوسف عن إمارة المغرب كان المصامدة ضمن وفد الشهود، حظورهم كذالك في إختيار موقع مدينة مراكش، وكان يوسف حريصا على إدخال المصامدة في الجيش المرابطي. لم تدم هذه السياسة فترة طويلة نظرا للحملات العسكرية اللتي طالت المجال المصمودي، فتغير التوازن القائم على إحترام المجال الإقتصادي للكونفدرالية، حيث لم يتمكن المصامدة من إيجاد حل ولو تفاوضي مع القوة العسكرية والسياسية القادمة من الصحراء، بل إن إنشاء مدينة مراكش وما تحتاجه من الخشب والماء قد أثر على الإقتصاد المحلي خاصة المجال الفلاحي، لذا فإن المصامدة وجدوا أنفسهم في وضعية حصار من طرف القبائل الصنهاجية وقوانينها وتقاليدها المتعلقة بالمسالك التجارية والمراعي، فهي لا تشبه النمط المستقر للفلاح المصمودي ولا لنظامه المبني على تقسيم منظم ومعقد للأرض والماء، إذن فالسلطة المرابطية في نظر المصامدة هي سلطة الكونفدرالية البربرية الصنهاجية، مدعومة بمشروع سياسي يغيب العام ويطلق العنان للكونفدرالية الأم أو أمومة الكونفدرالية في المجال الإقتصادي المصمودي، فبالإظافة إلى الصراع التقليدي إذا ما أخذنا برواية الجغرافي الإدريسي، نهج علي بن يوسف سياسة الخناق بإطلاق العنان لعامله بالسوس وتسخير فرقته المسيحية في قمع المصامدة وبناء سور يفصل الأطلس عن بقية مجاله، كل هذه الترتيبات الإدارية والأمنية أثرت سلبيا على التجارة والفلاحة، ولعل هذا ما عبر عنه إبن خلدون من أن المصامدة إختاروا الصراع العسكري بدل الخضوع أو المساومة

لقد كانت للمعارضة المصمودية أثار على تعميق الخلافات التقليدية بين نمط الترحال والإستقرار، لأن لكل واحد منهما طريقته الخاصة في التعامل مع الأرض وخيراتها. وخلاصة القول أن إختلال الإقتصاد القبلي المصمودي وفقدان إستقلالية القرار الداخلي وتعارض نمط الترحال والإستقرار عوامل موضوعية دفعت المصامدة إلى رفض السلطة المرابطية، هذه الأخيرة لم تكن في نظر المصامدة تمثلهم ، لذا فلم تنفع لا سياسة الضرائب الشرعية، ولا الجهاد ضد البورغواطيين وفي الأندلس في تغيير الموقف المعارض لمصمودة، لأنها عناصر لا تفسرالتوجهات السياسية المركزية في منطقة مصمودة ومجالها الحيوي الحوز. نتيجة لهذه الظروف الإقتصادية والسياسية كان مجتمع مصمودة مستعدا لإستقبال داعي معارض لسلطة فقهاء لمتونة، من أجل خلق وحدة بين مجتمع الإستقبال القبلي ودعوة مشروعة ومقننة سياسيا ودينيا، وهذا ما تنبه إليه فقيه السلطان المرابطي مالك بن وهيب حينما أعلن على أن السلطة المرابطية ستكون في خطر إذا تم لقاء إبن تومرت بالمصامدة، وتمكن من خلق ديناميكية ووحدة بين المجتمع المصمودي ونخبة القبائل ونخبة العلم أي بين المعارضة بكل شرائحها الإجتماعية، خاصة وأن أهل الحل والعقد كانوا يعانون من الظاهرة الإحيائية على المستوى الإديولوجي والشرعي

كان فقهاء المالكية يحملون المشروع الإجتماعي والديني لقبائل الصحراء فكانوا شركاء في السلطة المرابطية. طبقة الفقهاء كانت لها مهمتين أساسيتين: الأولى العمل على إستمرارية الفكر التأسيسي أي فكر إبن ياسين،والثانية تفسير وشرعنة السلطة المرابطية وأعمال سلاطينها اللمتونيين. الإستمرارية والشرعنة أصبحت غير نافذة في فترة علي بن يوسف لما وصل إليه الوضع السياسي والإقتصادي من إخفاق وتدهور. فالمشروع المالكي-الصنهاجي بدأ يفقد من عناصره المهمة كرد المظالم والإقتصاد الشرعي، لا نغالي إذا قلنا أن السلطة المرابطية قد تخلت وبصورة واضحة عن أسس الشرعية القانونية التي تسمح لها بمزاولة الحكم، وفي نفس الوقت كانت هناك مشاريع وتطورات على مستوى الغرب والمشرق الإسلامي تنتقد تحالف أهل الحل والعقد مع السلط السياسية في تبرير ما هو مجحف في حق المجتمع وشرائحه العريضة، فكانت ردت الفعل المرابطية إتجاه الإحياء فريدة من نوعها في العالم الإسلامي أنذاك. كيف أصبح إحياء علوم الدين للغزالي مشكلة بالنسبة للسلطة المرابطية؟ لماذا كان فقهاء السلطة المرابطية أكثر حساسية من غيرهم؟

لا شك أن الإحياء يحتوي على نقد لاذع وصريح لفئة الفقهاء التابعين للسلط المركزية عن طريق تحالف دياليكتيكي هرمي تتبادل فيه المجموعات الشرعية المساندة على أساس المصالح الإقتصادية والإجتماعية والمناصبية، ففي الإحياء هناك فئة من الرجال همها الوحيد إصدار الفتاوي في كل صغيرة وكبيرة، ويسمون هذه المعرفة علم الفقه أو علم المذهب، بل الأكثر من ذالك يتخيلون أن هذا هو علم الدين، بهذه الطريقة يتغافلون عن دراسة الكتاب والسنة النبوية. فهؤلاء الفقهاء إذا ما وجه إليهم سؤال يتعلق بأمور لا تمت إلى الحقيقة أطنبوا في الإجابة عنها، أما إذا تعلق السؤال بحياة الناس فلا معرفة لهم به. يوضح الغزالي المشكل بدليل دامغ إذ لاحظ أن العديد من المدن الإسلامية تفتقد الى طبيب، بل إن هذه المهنة قد تركت لليهود والنصارى، وفي نفس المدن كثر فيها أهل الفتوى والنقاش حول كل شيء، فتعليم الفقه والفروق بين المذاهب وفن النقاش أصبح الناس يتهافتون عليه، إذ يسمح لإصحابها إدارة المراكز الدينية والأوقاف وأموال اليتامى، لذا فالفقيه مركز غنى خلافا لمهنة الطبيب. الإمام الغزالي فرق بين علمين متعارضين من حيث المصالح والمعاش. فالفقه علم الدنيا أي علم المذهب المبني على الفروع والرافض لعملية التأويل والإجتهاد، وهذا العلم وسيلة لإغناء الفقهاء، خلافا لعلوم الدين المبنية على دراسة الكتاب والسنة النبوية وهو علم يتناول أسس الدين. فرق الغزالى بين العالم والقاضي، فالعالم هو الذي يرتبط بالدين وبالعالم الآخر في حين يرتبط القاضي بالسلطة السياسية الدنيوية، العالم لا يهمه إلا الدين ويعمل جاهدا بقلبه ومجاهدته الداخلية على التقرب من الله، أما القاضي فيهتم بالجاه والإنتفاع المادي للمهنة التي تقربه من أولي الأمر وما دامت أموال أولي الأمر حرام فالفقهاء مشاركون لهذه السلطة الدنيوية. من هذا المنظور نلاحظ أن الغزالي فرق بين سلطتين ومشروعين: الأولى سلطة تطبق القواعد الإسلامية على مجتمعها في المجال الإقتصادي دون تجاوز لحدود الشرع، مع تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا نقصان ولا تنقيص إذا تعلق الأمر بأصحاب المال أو الجاه. السلطة الثانية تغتني إقتصاديا على حساب مجتمعها بتجاوزات وخروقات لنظام الشرع من طرف أولي الأمر والفقهاء مع تغييب وعدم تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إن هذه الدياليكتيكية الهرمية -أولي الأمر، أهل الحل والعقد ، الإقتصاد- في المشروع الغزالي كان صدمة بالنسبة للفقهاء المرتبطين بالسلطة المرابطية، إذ كانوا عبر فتاويهم يقدمون الغطاء لكل صغيرة وكبيرة يقوم بها أولي الأمر في المجال الإقتصادي والسياسي والإجتماعي، فلا غرابة في أن الفقهاء أمروا بحرق كتب الغزالي سنة 1109 ميلادية مع دفع السلطة المركزية إلى تبني موقفهم، فأصبح فكر الغزالي محرما في كل المجال المرابطي بصورة رسمية. الموقف الإحيائي الصريح من فئة الفقهاء المتسلطة على مراكز القرار السياسي وتأثيرها في الدوائر الحاكمة، كان تنبيها وإجتهادا من الرجل لما وصلت إليه الوضعية من تدهور وتذمر وإختناق في أوساط الجمهور أو العامة كما ورد في المصادر. لم يقصد الغزالي سلطة بعينها ولم يحدد أصحاب القرار بأسمائهم بل كان محللا لمواطن الخلل في المجتمعات الإسلامية على إختلافها. نقد الغزالي لفئة الفقهاء جاء في مرحلة إخفاق المشروع المرابطي، حيث وصلت الدولة المرابطية إلى مرحلة عدم التوازن بين مداخيل الإقتصاد المقيدة بمشروع الإصلاح الشرعي وإرتفاع نفقات أمرائها وإدارتها المركزية، أمام هذا الخلل إستغنى أهل الرباط عن المشروع الإصلاحي المؤسس، وأعادوا المغارم والمكس وسلب الأراضي ورفع الضرائب، مما أفقدهم الشعبية بين الأوساط المؤيدة، لذا حصل ما نسميه بالإستثنائية المرابطية إتجاه الفكر الغزالي بشقه السياسي والديني. لقد شكل الغزالي مرجعية المعارضة لسلطة اللمتونيين بعدما كان من المؤيدين لتقليد يوسف بن تاشفين إمارة أمير المسلمين من قبل الخليفة العباسي، ولعل مرد ذالك إلى أن الرجل كان في البداية مدرسا في بغداد ومشروع الإصلاح كان يستجيب لحاجيات المجتمع المغاربي، في حين أن مرحلة خلوته سنة 1105 ميلادية للكتابة صادفة مرحلة تدهور الدولة وإبتعادها عن الأسس التي بنية عليها

ساهم النقد الغزالي في شق صف علماء المغرب والأندلس بين مؤيد ومعارض حتي أن المؤرخ إبن القطان سمى المناصرين بالغزالية، إلا أن الشخصية المتميزة كانت فقيه سوس محمد إبن تومرت . حسب إبن أبي زرع وإبن عذاري فإن الأخير تتلمذ على يد الغزالي لمدة ثلاثة سنوات ، وقد قال الغزالي لتلامذته إن هذا البربري سيكون سلطان على المغرب الأقصى وسيبني سلطة مترامية الأطراف. إبن خلدون من جهته شكك في لقاء الرجلين في حين ذهب صاحب الحلل الموشية إلى القول بأن الغزالي حينما علم بإحراق الإحياء تمنى زوال الدولة المرابطية على يد إبن تومرت، أي أن الرجل قد وضح مهمة نخبة العلم في إطار مشروع جديد للغرب الإسلامي. سيكون لعودة إبن تومرت من رحلته المشرقية آثار كبيرة في الأوساط المرابطية، إذ سلك طريق تعرية الوضع القائم وما يترتب عنه من إنحرافات إجتماعية وأخلاقية، محملا سلطة لمتونة وفقهائها المجسمة ما حل بالمجتمع. لقد وضحنا من خلال هذه السطور وبإختصار شديد الخلفية وقوى التغييرالوسيطية في الحالة المصمودية ، حتى نتمكن في مقال لاحق دراسة الحركتين الإصلاحيتين وممارستهما السياسية من أجل الوصول إلى بناء سلطة مركزية حاكمة


ملاحظة: لم نعطي الإحالات المصدرية لإسباب تقنية متعلقة بالمساحة المسموح بها فمعذرة على هذا النقص الخارج عن إرادتنا

Partager cet article

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :